السبت 17 نوفمبر 2018 م - ٩ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / داعش 2.0

داعش 2.0

د.احمد مصطفى

” لا شك أن هناك عناصر إرهابية في العراق لم تقض عليها الحملة العسكرية لاستعادة غرب وشمال غرب البلاد من أيدي تنظيم داعش، ولم تنتقل إلى سوريا أو تغادر البلاد عبر تركيا إلى مناطق أخرى. أما في سوريا، فالتقاطعات بين الأطراف المتدخلة في الصراع هناك باحتفاظ داعش ببعض المناطق وان كان الضغط على التنظيم أدى إلى انتقال بعض عناصره (خاصة الأجانب منهم) عبر تركيا إلى مناطق أخرى.”

في عصر التطور التكنولوجي طغت الاختصارات الأميركية على اللغة، حتى إن بعض اللغة اصبح يستعاض عنه بالأرقام (بما أننا في عصر رقمي!!) وبدلا من أن يقال “نسخة ثانية” يستخدم الرقم 2.0 وهكذا. ومع زيادة عدد الهجمات والتفجيرات الإرهابية في العراق في الآونة الأخيرة ـ بعدما أعلن عن تخلص العراق من داعش ـ عاد الحديث عن “بقايا داعش” مرددا مقولات أميركية بأن “داعش لم تنته تماما. مفهوم طبعا أن الأميركيين يحافظون على مبرر لتواجدهم العسكري في سوريا، ومفهوم أيضا أن الإرهاب لا ينتهي تماما بنهاية جماعة أو تنظيم. بل ربما هناك بعض الحقيقة فيما تتناوله الأطراف الفاعلة في المنطقة من اتهامات متبادلة بدعم داعش ومساعدتها وتسهيل انتقالها إلى أماكن أخرى منها سيناء في مصر.
لا شك أن هناك عناصر إرهابية في العراق لم تقض عليها الحملة العسكرية لاستعادة غرب وشمال غرب البلاد من أيدي تنظيم داعش، ولم تنتقل إلى سوريا أو تغادر البلاد عبر تركيا إلى مناطق أخرى. أما في سوريا، فالتقاطعات بين الأطراف المتدخلة في الصراع هناك باحتفاظ داعش ببعض المناطق وان كان الضغط على التنظيم أدى إلى انتقال بعض عناصره (خاصة الأجانب منهم) عبر تركيا إلى مناطق أخرى. كذلك بقي قدر معقول من عناصر داعش في بؤرة تجميع للتنظيمات والجماعات في إدلب، ومن بينهم عناصر كانت في جبهة النصرة أو جيش الإسلام أو غيرها وانضمت لداعش. إذا، ربما انتهى تنظيم داعش أو كاد لكن عناصره الارهابية لم تنته تماما ومنها من بقي في سوريا وحتى العراق ومنها من عاد إلى حيث أتى أو إلى مناطق يخطط لأن تكون بؤرا إرهابية جديدة.
لم يكن مستغربا إذا ذلك الخبر الذي نشرته صحيفة الدستور الاردنية قبل أيام ومفاده أن “المدعو ابو يحيى العراقي ابرز قيادات داعش الإرهابي يخطط لتشكيل تنظم جديد غرب العراق”. ونقلت الصحيفة عن مصادر وصفتها أنها “مطلعة” ما ذكرته من أن “هناك محاولات داعشية لتأسيس او إعادة احياء التنظيم وذلك من خلال عناصره التي لا تزال موجودة هناك ومنهم الارهابي ابويحيى العراقي القيادي البارز في التنظيم”، مضيفة أن “العراقي بدأ في انشاء جماعة مسلحة بوادي حوران غرب الانبار بسرية تامة وتتخفى في عمل رعي الاغنام حتى تعلن عن نفسها بشكل رسمي فجأة وتبدأ في مخطط العودة إلى العراق من جديد”. صحيح أن كثيرين كتبوا وتحدثوا عن “ما بعد داعش” حتى قبل هزيمة التنظيم في العراق وجزئيا في سوريا، إذ إن الأغلبية لم تر في هزيمة داعش نهاية للإرهاب خاصة مع توفر روافده من جماعات وتنظيمات ورعاة وممولين ومساندين لأسباب وأغراض متباينة. كما أن الجذر الأيديولوجي له، جماعة الإخوان وتوابعها، لم تختف تماما وما زالت تجد المأوى والقبول السياسي حتى في أعرق عواصم الغرب (الذي يحارب الإرهاب).
لكن اللافت في خبر الصحيفة الأردنية ـ على الأقل بالنسبة لي ـ هو أن التنظيم القادم (سواء كان داعشا جديدا، 0.2، أو تنظيما مختلف الاسم) سينطلق من “سهل حوران”. ويعني ذلك عدة أمور يصعب تجاهلها، سواء صدق خبر الصحيفة أم لا. أولها أن سهل حوران يعني أن التنظيم الإرهابي القادم سيوسع دائرة الدول التي يعمل بها مرة واحدة، فلن تقتصر على العراق وسوريا (جنوبا هذه المرة وليس شمالا كما كان داعش ما بين الرقة والموصل) بل ستشمل الأردن ولبنان (وربما شمال شرق فلسطين). لكن ذلك لا يعني أن الرعاة والمستفيدين من التنظيم الجديد سيختلفون كثيرا. فليس الانتقال من شمال الهلال الخصيب إلى جنوبه مبررا للاعتقاد بأن قوى مثل تركيا لن تستفيد من ذلك. صحيح أن أشكال وطرق الدعم قد تتغير، نتيجة الموقع الجديد للتنظيم المتوقع، إلا أن ذلك تفصيل لوجيستي لا يغير كثيرا في الاستراتيجيات. مع ذلك، سيوفر ذلك مادة جديدة لوسائل الإعلام والخبراء والمحللين المنتفعين من وجود آفة الإرهاب كي يجددوا ولو قليلا في خطابهم وتحليلاتهم.
أخطر ما في الأمر أن يكون الرعاة والداعمون، والأصل الأيديولوجي للإرهاب (الإخوان)، يفكرون في أن سهل حوران قد يكون مناسبا لإطلاق الشرارة من غرب العراق فتمتد إلى سيناء وربما ليبيا مرورا بمصر كلها. وليس مثل هذا التفكير بمستغرب على هؤلاء الذين تسمعهم في فيديوهات الإرهاب على يوتيوب وغيره، ولا حتى منظريهم ممن توفر لهم منصات إعلامية تقليدية. فبالنسبة لهؤلاء تمتد دولتهم (ولو خرابا) من غرب الصين ـ أو حتى من تايلاند والفلبين ـ إلى شواطئ الأطلسي في المغرب وموريتانيا. ولا يعترف الإخوان، وكل من خرج من عباءتهم من جماعات بالأوطان والدول، وحتى ادعاء أنهم “يتبعون الأمة” ما هو إلا وسيلة تبريرية لانتهازية مطردة ومستمرة. والخلاصة، أن مجتمعاتنا ما زالت تفرخ إرهابا رغم جهود مكافحة ذلك وسوريا والعراق ما زالتا بيئة خصبة لتوالد نسخ جديدة من تنظيمات إرهابية، وقوى إقليمية وعالمية لا تزال تجد مصلحة لاستغلال تلك التنظيمات وممارساتها. فلننتظر نسخا جديدة من داعش والقاعدة وكافة جماعات الإرهاب والإجرام.

إلى الأعلى