الثلاثاء 11 ديسمبر 2018 م - ٣ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / ذكرى الوحدة ونظرية المؤامرة

ذكرى الوحدة ونظرية المؤامرة

د. فايز رشيد

” غالبا ما تسود في دولنا, ظاهرة الاعتقاد في نظرية المؤامرة الغربية على الشعوب العربية ونحن لا ننكرها ولانستهين بها, فهي ستظل حاضرة وموجودة ,وتتجلى هذه المؤامرة في عدة محاور منها: تدمير الثقافة والعادات والأخلاق العربية في المجتمع, ويتم ذلك عن طريق استخدام وسائل الإعلام وأفلام ذات محتويات ومضامين تعتبر منافية أو مشوهة لعاداتنا وأعرافنا ورؤانا الوحدوية,”

مرت في 22 فبراير/شباط الحالي ذكرى الوحدة المصرية – السورية عام 1958 . يذكر كاتب هذه السطور, كيف سادت حالة من الفرح الشديد في كل العواصم والمدن العربية, عبّرت عن نفسها في مظاهرات حاشدة, وأهازيج وأغاني للوحدة, وبخاصة في الإذاعات المصرية والسورية. حينها طالبت كل الشعوب العربية بالانضمام إلى الوحدة, لأنها أحسّت في صميم قلوبها بضرورة وأهمية أن تتحقق الوحدة العربية بين كافة الدول العربية من المحيط إلى الخليج. تصورنا يومها لو تم ذلك, كيف ستكون قوة هذه الدولة العربية الواحدة بالمعنى السياسي, الاقتصادي, العسكري والتأثير على العالم. بالطبع, كان أكثر المنزعجين من تحقيق الوحدة: دولة الكيان الصهيوني , الولايات المتحدة وعموم الدول الأوروبية التي كان بعضها حتى ذلك الوقت, يستعمر بعض الدول العربية. كما انزعج للأسف من الوحدة البعض العربي الذي كان يحارب عبدالناصر والناصرية. استمرت المؤامرات على الوحدة بين الإقليمين الشمالي والجنوبي في الجمهورية العربية المتحدة, وحصل الانفصال للأسف في 28 سبتمبر/إيلول 1961. كان ذلك اليوم يوم حداد للجماهير العربية, فقد فشلت للأسف أول محاولة للوحدة العربية.
قيل الكثير عن أسباب فشل الوحدة ,التي أدت إلى الانفصال بالطبع وإلى قتل أول حلم عربي مشترك بعد تحقيقه عملياً. لكن نعتقد أن من الخطأ التركيز فقط على نظرية المؤامرة, باعتبارها السبب الوحيد لانفكاك الوحدة, ولكن ما نود التركيز عليه في تجربة الوحدة, أو في تجارب أي عمل عربي مشترك, يتوجب قبل البدء بتنفيذ ما اتفق عليه,ان يتوقع الاستراتيجيون المشرفون على الخطوة ما يلي: توقع المؤامرات من كل حدب وصوب على هذه الخطوة المشتركة, وبالتالي يجب الأخذ في الحسبان إغلاق كافة المنافذ التي قد تدخل منها المؤامرات . تشكيل لجان مشتركة من كافة الدول العربية المعنية, لها فروع في كافة الدول المعنية, مهمتها وضع تقرير شهري تقييمي للمسار العملي للوحدة. تشكيل لجان مهمتها إقناع الجماهير بمزايا هذه الوحدة. إقامة حالة من الحوارات المستديمة بين السياسيين, والعسكريين, والأحزاب الموجودة في البلدان, مهمتها استعراض السلبيات الناتجة عن العمل المشترك, ووضع الحلول العملية الكفيلة بالقضاء عليها, ووضع التصورات الإيجابية البديلة للارتقاء بالخطوة.
ولأن الخطوة المشتركة تجري بين دولتين أو عدة دول, فيتوجب تشكيل لجان من متخصصين لأخذ خصوصيات كل شعب عربي للدول المشاركة ومراعاتها, والتقريب بينها وبين خصوصيات الشعب في الدولة الثانية أو الدول الأخرى, للوصول إلى ثقاقة إيمانية من شعوب الأمة بضرورة هذه الخطوة المشتركة. تبادل العمال والفلاحين وأصحاب كل المهن الأخرى بشكل محدود شهريا’ لتعميق الشعور بالأخوة العربية الواحدة, والمصير العربي الواحد المشترك. تنبيه الجماهير إعلاميا إلى المؤامرات التي قد تتعرض لها الخطة المشتركة.. انتهاج سياسة إعلامية تنتقد ما يصاحب التجربة المشتركة من سلبيات. تدريس كوادر شبابية مهمتها الانتشار في الأرياف لإقناع البسطاء بالعمل العربي المشترك… هذه ,وبالطبع غيرها من الخطوات الممكنة والسهلة التحقيق.
نقول ذلك, لأنه غالبا ما تسود في دولنا, ظاهرة الاعتقاد في نظرية المؤامرة الغربية على الشعوب العربية ونحن لا ننكرها ولانستهين بها, فهي ستظل حاضرة وموجودة ,وتتجلى هذه المؤامرة في عدة محاور منها: تدمير الثقافة والعادات والأخلاق العربية في المجتمع, ويتم ذلك عن طريق استخدام وسائل الإعلام وأفلام ذات محتويات ومضامين تعتبر منافية أو مشوهة لعاداتنا وأعرافنا ورؤانا الوحدوية, وتهدف إلى التفريق بين العربي والعربي, لكننا للأسف لا نضع أيدينا على جراحنا ومكامن ضعفنا وثغراتنا.

إلى الأعلى