الخميس 20 سبتمبر 2018 م - ١٠ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في الحدث: البطريق تقرضه الحرارة والإنسان يحرق نفسه بشظى نيرانه

في الحدث: البطريق تقرضه الحرارة والإنسان يحرق نفسه بشظى نيرانه

طارق أشقر

رغم أن ما جاءت به دورية “تغير مناخ الطبيعة” التي نشرت أحدث دراسة امس الأول في استراليا بشأن الآثار الكارثية لارتفاع درجة الحرارة التي أضرت بحياة طير البطريق، يعتبر أمرا مثيرا للشفقة على هذه الطيور الرقيقة المنعزلة في حياتها عن الإنسان بحكم تفضيلها للمناخات الجليدية بالقطب المتجمد الجنوبي، الا ان الانسان يظل هو العنصر الأساسي المحرك للتيارات الحارة التي تسببت في ذوبان جزء من الغطاء الجليدي الذي يؤدي بالنتيجة إلى تدمير طبيعة البيئة التي يعيش فيها البطريق، فضلا عن الإنسان نفسه هو الذي يدير آلة التدمير والأسلحة التي تحرقه بشظايا نيرانها بكافة مراحل تصنيعها وتسويقها وبيعها، وصولا إلى الضغط على زنادها وازرارها ليقضي بها على حياة أخيه الإنسان.
فإن كان تقرير دورية “تغير مناخ الطبيعة” أكد على ان ارتفاع درجة حرارة الأرض بسبب التغير المناخي سيؤدي بنهاية المطاف إلى انقراض فصيلة البطريق الملكي بالقارة القطبية الجنوبية ومتوقعا موت أو هجرة 70% من هذه الفصيلة البالغ عددها حسب التقرير مليونا ومائة الف زوج طائر بنهاية القرن الحالي، فإن هذه النتيجة تشكل إضافة جديدة إلى رصيد أخطاء الكائن البشري الذي يبدو انه متواصل تدريجيا في الانحراف عن مهمته الموكلة اليه بتعمير الأرض وليس بخرابها كما يفعل الآن.
لقد كشفت السنوات الماضية من بدايات القرن العشرين الى يومنا الحالي بأن الكائن البشري يؤكد عمليا يوما بعد يوم انه يعيث في الأرض فسادا سواء عن قصد او بدون قصد، بل امتدت ممارساته اللا انسانية حتى ضمن محاولاته الجادة الهادفة لتطوير الحياة على الأرض وتعميرها كما ينبغي، وذلك من خلال الآثار السالبة لبعض عمليات التطوير الصناعي والزراعي واثارها على البيئة، حيث تشكلت تلك التداعيات في زيادة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون والغازات السامة الناتجة عن انبعاثات العمليات الصناعية الثقيلة وانبعاثات بعض مصادر الطاقة كالفحم وغيره من الوقود الأحفوري واضرار الأسمدة على الأرض وغير ذلك، حيث ادت تراكمات تلك الانبعاثات حسب العلماء المتخصصين إلى ارتفاع درجة حرارة المحيطات التي دفعت المنطقة الأمامية من مياه القطب الجنوبي باتجاه الجنوب مما اثر على حياة طير البطريق موضوع الدراسة وغيره من الأحياء المائية القطبية وغير القطبية.
ربما يكون الأمر هينا اذا انحصر التأثير على حياة بعض الطيور، وذلك باعتبار ان اي برامج تصحيحية جادة يمكنها ان تؤدي إلى العلاج الناجع لهكذا مشكلات بيئية، الا ان الأمر يبدو كارثيا عندما يتبين لنا ان اعتداءات الانسان على بني جلدته من بدايات القرن العشرين حتى اليوم أدت الى قتل اكثر من واحد وستين مليون نسمة بفعل الحروب أو الصراعات البشرية.
من ذلك العدد هناك اربعين مليون نسمة ماتوا بالحرب العالمية الثانية، وخمسة عشر مليون نسمة بالحرب العالمية الأولى وخمسة ملايين ماتوا بحرب الكونغو في افريقيا، بالإضافة إلى قرابة الثلاثمائة الف قتيل نتيجة الصراع العربي الاسرائيلي الذي امتد لتخلف تداعياته غير المباشرة مئات الآلاف الأخرى بالمنطقة وما حولها عبر حروب اخرى غير مباشرة.
فنتيجة لحروب العراق مثلا ومنذ الاحتلال الاميركي حتى الآن، تؤكد دراسة قام بها “مشروع بدائل الدفاع” التابع لمعهد الكومونويلث بجامعة كامبيردج الاميركية فقد بلغ عدد القتلى في العراق نتيجة تلك الحرب اثنا عشر الفا وتسعمائة وخمسين قتيلا من مدنيين وعسكريين، وهناك ايضا ضحايا الصراع السوري الذي تؤكد احصاءات غير رسمية بلوغ القتلى في هذا الصراع اكثر من ثلاثمائة الف قتيل من طرفي الصراع.
ليس هذا فحسب، بل هناك ضحايا داعش والصراعات القبلية وغيرها من المواجهات المسلحة في اسيا وافريقيا واوروبا الشرقية واميركا الجنوبية واماكن أخرى متفرقة من العالم في السنوات الأخيرة المحددة ببداية القرن العشرين الى اليوم .
في المجمل ان قائمة ارتكاب البشرية للأخطاء في حق نفوسها يصعب حصرها دون دراسة واحصاءات دقيقة، الا ان ما زال هناك أمل في ان تأخذ البشرية خطوات إلى الوراء لتبتعد عن تجاوزاتها تجاه نفوسها، وخطوات أخرى أعمق إلى الأمام تجاه ما ينبغي اتخاذه من اجراءات تقود إلى التخلي أو التقليل عن الأسلحة وذلك عبر انتهاج الشفافية والالتزام باتفاقيات مثل معاهدة الحظر الشامل للسلاح النووي، واتفاقية الذخائر العنقودية، ومعاهدة الأسلحة الكيماوية، وغيرها من الاتفاقيات ذات العلاقة بالسلاح، علاوة على الالتزام باتفاقيات حماية البيئة والمناخ مثل اتفاقية باريس للمناخ وغيرها … وبهذا ربما تكون هناك فرص أوسع لطيور كالبطريق ان تهنأ بحياتها في مناخات جليدية دون المزيد من التأثر بارتفاع درجات الحرارة، وللإنسان ان يعيش في سلام دون ان تحرقه شظايا نيران الحروب التي يشنها على بعضه البعض.

إلى الأعلى