الأربعاء 26 سبتمبر 2018 م - ١٦ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / بالشكر تزيد النعم

بالشكر تزيد النعم

حمود الصوافي: مما يجب على كل مُكلَّف أن يعلم النعمة التي أنعم الله بها عليه أوجده بعد العدم وأنعم عليه بصنوف النعم

إعداد ـ علي بن صالح السليمي:
ضمن الخطب القيّمة التي ألقاها فضيلة الشيخ الجليل/ حمود بن حميد بن حمد الصوافي .. اخترنا لك عزيزي القارئ إحدى هذه الخطب والتي هي بعنوان: (بالشكر تزيد النعم) .. حيث أن الخطبة تعتبر من اهم الوسائل الدعوية التي استخدمها فضيلته في هذه الحياة ..
يستهل فضيلة الشيخ حمود الصوافي في هذه الخطبة قائلا: الحمدُ للهِ ربِّ العَالَمِينَ ، الحمدُ للهِ البرِّ الكريمِ، الرءوف الرحيمِ، ذي الفضلِ والتكريمِ، والإحسانِ العميم، سبحانه لا يفنى دوامُه، ولا تُحصى أنعامُه، عنده مفاتحُ الغيبِ لا يعلمُها إلا هو، وهو علّامُ الغيوبِ، المدبّرُ لكلِّ شيءٍ، والجامعُ لكلِّ شيءٍ، والرازّقُ لكلِّ حيّ ، قدّرَ الرزقَ المقسوم ، ووقّتَ الأجلَ المعلومَ، (اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) (البقرة ـ 255)، نحمَدُهُ ونسْتعِينُهُ ونستَهْدِيهِ، ونؤمِنُ بِهِ ونتوكّلُ عليهِ، ونسْتَغفِرُهُ ونتُوبُ إليهِ، ونعوذُ باللهِ مِنْ شُرُورِ أنفُسِنَا ومِنْ سيّئاتِ أعمالِنَا، مَنْ يهْدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ لهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ لهُ، وأشْهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وحْدَهُ لا شريكَ لهُ، لهُ المُلْكُ ولهُ الحمدُ، يُحيِى ويُمِيتُ وَهُوَ حيٌّ لا يَموتُ، بِيدِهِ الخيرُ وَهُوَ على كُلِّ شيءٍ قديرٌ، قصم الجبارين ببطشه بعد أمنه، وأسبل على العاصين ستره بمنه، وتكفل بأرزاق البرايا (إنسه وجنه)،(مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ) (البقرة ـ 255) ،وأشْهدُ أنَّ سيّدَنا ونبيَّنا محمداً عبدُهُ ورسولُهُ، أرسلَهُ بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى اللهِ بإذنِهِ وسراجاً مُنيراً، أرسلَهُ رحمةً للعالَمينَ، وسراجاً للمُهتدِينَ، وإماماً للمُتقينَ، فبلّغَ الرِّسالةَ، وأدّى الأمانةَ، ونصَحَ الأُمَّةَ، وكشَفَ الغُمَّةَ ، وجاهدَ في سَبيلِ ربِّهِ حتى أتاهُ اليقينُ (صلى الله عليه وسلم)، وعلى آلِهِ وصحْبِهِ، وعلى كُلِّ مَنِ اهْتدى بهدْيهِ ، وسارَ على نهجِهِ، واستنَّ بسُنَّتِهِ، ودعا بدعْوتِهِ إلى يومِ الدِّينِ، أمّا بعدُ: فيَا عِبادَ اللهِ أُوصِيكم ونفْسِي بتقوى اللهِ، والعملِ بما فيهِ رِضاهُ، فاتقوا اللهَ وراقبوهُ، وامتثِلُوا أوامِرَهُ ولا تعصُوهُ، واذكُرُوهُ ولا تنسَوهُ، واشكُرُوهُ ولا تكفُرُوهُ.
وقال فضيلته: واعلموا أنّه مما يجبُ على كلِّ مكلَّفٍ أن يعلمَ النعمةَ التي أنعمَ اللهُ بها عليه، أوجدَه بعد العدَمِ، وأنعمَ عليه بصنوفِ النِّعم، وبسطَ له من واسعِ الكرَمِ، ورزقَه الصحةَ من السّقمِ، واختارَ له الإسلامَ ديناً وصراطاً مستقيماً، إلى غيرِ ذلك من الِمننِ التي امتنَّ اللهُ سبحانه وتعالى بها على الإنسانِ ، ويجبُ عليه أن يُقابِلَ هذه النعمَ بشكرِ المُنعِمِ، فإنَّ الشكرَ على النعمِ واجبٌ على كلِّ مسلم، هو ديدنُ كلِّ مؤمنٍ، وطابعُه الذي يتسم به، هو الذي يردُّ النفوسَ الجامحةَ إلى مقامِ العبوديّةِ، ويعيدُ الرؤوسَ الشامخةَ إلى التذلّلِ والاعترافِ لواهبِ النعمِ،(عجباً لأمرِ المؤمنِ، إنَّ أمرَه كلَّه له خيرٌ، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن ، إنْ أصابتْه سراءُ شكرَ، فكانَ خيراً له، وإنْ أصابتْه ضراءُ صبرَ، فكانَ خيراً له)، وقد أمرَ اللهُ سبحانه وتعالى بالشكرِ في غيرِ آيةٍ من كتابِه العزيزِ، يقولُ عزَّ من قائلٍ:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُون) (فاطر ـ 3)، ويقولُ سبحانه:(فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُون) (البقرة ـ 152)، ويقولُ جلَّ شأنُه:(وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُون) (البقرة ـ 172)، ويقولُ عزَّ وجلَّ :(وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) (النحل ـ 114).
وقال مخاطبا الحضور قائلاً: أيّها المسلمون: إنَّ الشكرَ الحقيقيَّ لا يكونُ باللسانِ فحسب، فليسَ الشاكرُ هو الذي يحمدُ اللهَ ويشكرُه بلسانِه وقلبُه غافلٌ معرِضٌ، وأعمالُه بخلافِ ما يُرضي اللهَ سبحانه وتعالى، وإنّما الشكرُ الحقيقيُّ يكونُ بالقلبِ وباللسانِ وبالجوارحِ، فالشكرُ بالقلب هو الاعترافُ أنَّ هذه النعمَ نِعمٌ امتنَّ اللهُ سبحانه وتعالى بها عليه تفضّلاً وإحساناً، لا بحولِه ولا بقوّتِه، والشكرُ باللسانِ هو التحدّثُ بها ظاهراً، فيحمدُ اللهَ ويشكرُه، ويُثني عليه، ولا ينسبُ النِّعمَ إلى غيرِه، والشكرُ بالجوارحِ: الاستعانةُ بها على مرضاةِ اللهِ باستعمالِها في طاعتِه، وكفِّها عن معصيتِه، ومَن كفرَ نعمَ الله، ولم يؤدِّ شكرَها كانت النعمةُ وبالاً عليه، فهي بين أمرينِ: إمّا أن تُسلبَ عنه بالحال، وإمّا أن تبقى ليغترَّ المجرمون بها، وليزدادوا من الإثمِ ، يقولُ عزَّ من قائلٍ:(وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ) (آل عمران ـ 178)، ويقول سبحانه:(أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ، نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ) (المؤمنون ـ 55 ـ 56)، ويقولُ سبحانه:(فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ، وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) (القلم 44 ـ 45).
موضحاً فضيلته بقوله: وفيما قصَّه علينا القرآنُ الكريمُ من أخبارِ الأممِ الماضية، وما حلَّ بهم من الانتقامِ منهم من قصْمِ الأعمار، وخرابِ الديارِ بسببِ كفرِهم بنعمِ اللهِ، وعدمِ شكرِهم لها، عظةٌ للمتعظين، وعبرةٌ للمعتبرين، وذكرى لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمعَ وهو شهيدٌ، يقولُ عزَّ من قائلٍ:(وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ) (القصص ـ 58)، ويقولُ سبحانه:(وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ) (النحل ـ 112) أي: جعلَ اللهُ سبحانه وتعالى هذه القريةَ مثَلاً لمن أنعمَ اللهُ عليه بالنعمةِ ، فكفرَ بها ، ولم يؤدِّ شكرَها، فأنزلَ اللهُ عليه النقمةِ، حيث وفّرَ لأهلِ هذه القريةِ الأمانَ والاطمئنانَ، والرزقَ الرغدَ الذي يُجبى إليها من جميعِ النواحي، وعندما كفرتْ بنعمِ اللهِ، ولم تؤدِّ شكرَها انقلبت هذه النعمُ إلى أضدادِها، فبُدِّلُوا بالنعمةِ نقمة ، وبالأمانِ والاطمئنانِ خوفاً وقلقاً، وبالرزقِ الرغدِ جوعاً وفقراً، وممّا قصَّه علينا القرآنُ الكريمُ قصّةُ قارونَ الذي آتاه اللهُ سبحانه وتعالى الأموالَ الكثيرةَ، والكنوزَ العظيمةَ، وعندما قالَ له قومُه:(لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ، وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (القصص 76 ـ 77)، وكان جوابُه إنكارَه نعمةَ اللهِ عليه، وأنَّ هذه الأموالَ وهذه الكنوزَ استحقَّها بعلمِه وخبرتِه قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي) (القصص ـ 78)، فماذا كانت النتيجةُ؟ كانت النتيجةُ أسوأَ النتائجِ، حيثُ خسفَ به وبدارِه الأرض (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ، وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) (القصص81 ـ 82).
وقال فضيلته: وممّا قصّه علينا القرآنُ الكريمُ قصّةُ قبيلةِ سبأ الذين منَّ اللهُ عليهم بالبلدةِ الطيبةِ ذاتِ الهواءِ الطيبِ، والأشجارِ المتنوعة، والأثمارِ اليانعة، وعندما كذَّبوا أنبياءَ اللهِ ، وكفروا بنعمِ اللهِ، ولم يؤدّوا شكرَها أرسلَ اللهُ عليهم سيلَ العرِمِ ، وهو الوادي الممتلئُ بالماءِ الغزيرِ الذي أغرقَ مساكنَهم ، وأهلكَ حروثَهم وأشجارَهم ، فبُدِّلُوا بالنعمةِ نقمةً، وبالاجتماعِ تشتّتاً وتفرّقاً حتى صار يُضربُ بهم المثلُ) لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ، فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ، ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُور، وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ، فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُور) (سبأ 15 ـ 19)، فاتقوا اللهَ يا عبادَ اللهِ ، واشكروه على نعمِه التي أسبغَها عليكم، امتثلوا أوامرَه ، واجتنبوا نواهيَه، راقبوه في السرِّ والعلانيةِ، حافظوا على الصلواتِ، واحضروا الجُمَعَ والجماعاتِ، طهِّروا بيوتَكم من آلاتِ اللهوِ والصُّورِ وسائرِ المحرماتِ، وتآمروا بالمعروفِ وتناهَوا عن المنكر.

إلى الأعلى