الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 م - ١٥ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الخشوع في الصلاة (4)

الخشوع في الصلاة (4)

كثير من المصلين لا يعرفون فائدة الصلاة حقيقة ولا يقدرونها حق قدرها ولذلك ثقلت عليهم

إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري:
.. ولعل من شعائر الإسلام وأركانه العظام (الصلاة) التي فرضها الله على عباده، ولذلك أكثر الله سبحانه من ذكرها في كتابه الكريم، ومدح أهلها وأثنى عليهم، وذم من تركها أو تهاون بها، فالصلاة هي عمود الإسلام، لا حظ في الإسلام لمن ضيعها، فهي عموده الفقري الذي تنتشر منه أضلاع هذا الدين، وتحمل أحشاءه وأطرافه ورأسه، وإذا انكسر هذا العمود الفقري فلا حركة ولا نشاط ولا استواء.
إن الصلاة ليست أقوالاً وحركات تؤدى فحسب، بل هي تربية للنفس وتهذيب للروح وصفاء للقلب ونور للبصيرة، تحيا بها القلوب، وترد المسلم إلى ربه، وتقوي صلته به، هي قرة عيون الموحدين المخلصين كما قال:(وجعلت قرة عيني في الصلاة) ـ ذكره الألباني، وهي كذلك لذة وسعادة للخاشعين المخبتين.
إن كثيراً من المصلين لا يعرفون فائدة الصلاة حقيقة، ولا يقدرونها حق قدرها، ولذلك ثقلت الصلاة عليهم، ولم تكن قرة لأعينهم، ولا راحة لأنفسهم، ولا نورا لقلوبهم، ترى كثيراً منهم ينقرون الصلاة نقر الغراب لا يطمئنون فيها، ولا يذكرون الله فيها إلا قليلاً، وهؤلاء لا صلاة لهم، ولو صلوا ألف مرة، لأن الطمأنينة في الصلاة ركن من أركانها، ولذلك قال النبي (صلى الله عليه وسلم) للرجل الذي كان لا يطمئن في صلاته: (ارجع فصل، فإنك لم تصل). فصلى عدة مرات، وكل مرة يقول له النبي (صلى الله عليه وسلم):(ارجع فصل، فإنك لم تصل)، حتى علمه النبي (صلى الله عليه وسلم) وأمره بالطمأنينة، وتجد كثيراً من الناس إن لم يكن أكثر الناس يصلي بجسمه لا بقلبه جسمه في المصلى، وقلبه في كل واد، فليس في قلبه خشوع لأنه يجول، ويفكر في كل شيء، حتى في الأمور التي لا مصلحة له منها، وهذا ينقص الصلاة نقصاً كبيراً، وهو الذي يجعلها قليلة الفائدة للقلب بحيث يخرج هذا المصلي من صلاته، وهي لم تزده إيماناً ولا نوراً، وقد فشاً هذا الأمر أعني الهواجيس في الصلاة، ولكن الذي يعين على إزالته هو أن يفتقر العبد إلى ربه، ويسأله دائماً أن يعينه على إحسان العمل، وأن يستحضر عند دخوله في الصلاة أنه سيقف بين يدي ربه وخالقه الذي يعلم سره ونجواه، ويعلم ما توسوس به نفسه، وقد حثنا رسولنا على الخشوع، وبين فضل البكاء من خشية الله، حيث قال:(عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله) ـ رواه الترمذي وصححه الألباني، وقد ذكر في السبعة الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله:(رجل قلبه معلق بالمساجد، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه)، ووجه الدلالة من الحديث أن الخاشع في صلاته يغلب على حاله البكاء في الخلوة أكثر من غيره، فكان بذلك ممن يظلهم الله في ظله يوم القيامة. ووالله لن يتعلق قلب عبد بالمساجد إلا وهو من الخاشعين في صلاتهم المتلذذين بها المقبلين عليها، فهم يجدون فيها أنسهم وجنتهم ونعيمهم الذي لا يريدون فراقه.
كيف نحصّل الخشوع في قلوبنا؟ .. وكيف نكون من الخاشعين؟
1 ـ أن تستحضر الله تعالى في حركاتك، وسكناتك في صلاتك، وفي قراءتك، وفي قيامك وقعودك، فالخشوع لا يختص بالصلاة، وإنما هو عبادة قلبية يظهر أثرها على الجوارح في كل أحوال العبد، فهذا سبب أساسي في تحصيل الخشوع، استحضار نظر الرب جل جلاله إليك، وكلما كان العبد أكثر استحضاراً لهذا المعنى كلما زاد الخشوع في قلبه، وإنما يفارق الخشوع قلبك إذا حصلت الغفلة عن استشعار نظر الله عزوجل ومراقبته.
فهذا على بن الحسين زين العابدين وكان إذا قام إلى الصلاة اضطرب وارتعد، فقيل له سُئل عن هذا فقال: تدرون بين يدي من أقوم ومن أناجي وكان إذا توضأ للصلاة يصفر لونه من شدة الوجل والحياء، والخوف واستشعار عظمة الله، سيقدم على صلاة يناجي فيها ربه (فيظهر ذلك صفرة في وجهه).
وهذا خلف بن أيوب كان لا يطرد الذباب عن وجهه في الصلاة، فقيل له: كيف تصبر؟! يقول: أنا بين يدي ربي أفلا أصبر على ذباب يقع عليّ؟!.
2 ـ مما يكسب الخشوع، ويؤثر الخشوع فهو ترقب آفات النفس والعمل، ورؤية فضل كل ذي فضل، وكلام ابن القيم فيها، ارجع إلى نفسك وانظر إلى عيوبها، فإن ذلك يورثك انكساراً، وأمّا في الخلق فلا تنظر إلى عيوبهم، بل انظر إلى محاسنهم، فيورثك ذلك شعورًا بأنك أقل من هؤلاء جميعاً، وأنك المقصر المذنب، تحتاج إلى عفو ربك ومسامحته، وإلى التشمير بالتقرب منه وطاعته.
3 ـ معرفة الرب ـ جلَّ جلاله ـ معرفة صحيحة تورث التعظيم فالمقصود: أن العبد كلما كان بالله أعرف كلما كان له أخوف، وكلما كان أكثر تعظيماً لله ـ جل جلاله ـ ولهذا قال الله تعالى:(إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (فاطر ـ 28)، فإذا عرف العبد صفات الكمال التي اتصف الله بها، واستشعرها فإنه ينكسر ويخضع ويتواضع، ويخشع قلبه أمام الله ـ جلّ جلاله.
4 ـ نحتاج إليه في الصلاة لنستحضر الخشوع فيها وهو: أن تضع في قلبك إذا قمت إلى الصلاة وتهيأت لها أنها الصلاة الأخيرة، صلِّ صلاة مودع، فقد لا تصلي بعدها، فإذا قيل للعبد: هذه هي الصلاة الأخيرة، كيف يصلي؟ لا شك أنه يفرغ قلبه من كل شاغل من شواغل الدنيا، ويحضر قلبه في هذه الصلاة، خطب عدي بن أرطاة على منبر المدائن فجعل يعظ الناس حتى بكي وأبكى، فقال: “كونوا كرجل قال لابنه وهو يعظه: يا بني أوصيك لا تصلِّ صلاة إلا وظننت أنك لا تصلي بعدها حتى تموت.
5 ـ هو أن تفرغ قلبك لها، وأن تؤثرها على ما سواها مع مجانبة الصوارف والشواغل التي تؤثر في القلب، وقد ذكر هذا المعنى الحافظ ابن كثير في تفسيره حيث قال: “والخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فرغ قلبه لها، واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها، وحينئذ تكون راحة له وقرة عين، كما قال النبي (صلى الله عليه وسلم) في الحديث الذي رواه أحمد والنسائي عن أنس ـ رضي الله عنه ـ عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) قال:(حُبب إليّ الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة).
6 ـ مما يورث الخشوع: هو تدبر القرآن، يقول ابن جرير الطبري: إني لأعجب ممن قرأ القرآن ولم يعلم تأويله، كيف يلتذ بقراءته؟، وجرب هذا في نفسك، اقرأ تفسير بعض الآيات، ثم اسمعها في الصلاة كيف تجد الفرق؟.
الخاشع في صلاته إذا انصرف منها وجد خفة في نفسه، وأحسّ بأثقال قد وضعت عنه، فوجد نشاطاً وراحة، حتى يتمنى أنه لم يكن خرج منها، لأنها قرة عينه، ونعيم روحه، وجنة قلبه ومستراحه في الدنيا، فلا يزال وكأنه في سجن وضيق حتى يدخل في الصلاة، فيستريح بها لا منها، فالمحبون يقولون: نصلي فنستريح بصلاتنا ، كما قال إمامهم وقدوتهم ونبيهم (صلى الله عليه وسلم): قَالَ رَجُلٌ: قَالَ مِسْعَرٌ أُرَاهُ مِنْ خُزَاعَةَ ـ لَيْتَنِي صَلَّيْتُ فَاسْتَرَحْتُ فَكَأَنَّهُمْ عَابُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَقُولُ: يَا بِلَالُ أَقِمِ الصَّلَاةَ أَرِحْنَا بِهَا) ولم يقل (أرحنا منها) ـ سنن أبي داود عن سالم بن أبي الجعد.
فاجتهد وفقك الله لكل خير، واصدق مع الله في أمور كلها ولا سيما الصلاة، لأنها عمود الدين، واعلم أن الخاشعين على مراتب وأحوال، فليس كل باك خاشع وليس كل خاشع مطمئن، وإنما مرد ذلك كله إلى علام الغيوب والمطلع على ما في الصدور، وفقنا الله وإياك إلى الإخلاص في العمل والبعد عن الخطايا والزلل .. وصلى الله وسلم محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين.

إلى الأعلى