الأربعاء 19 سبتمبر 2018 م - ٩ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الـبر وأثـره في النفـس (4)

الـبر وأثـره في النفـس (4)

ناصر بن محمد الزيدي
الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلين وخاتم النـبيين وإمـام الـمتـقـين وعـلى آلـه وأصـحابه أجـمعـين وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـلازال الحـديث مـوصـولاً عـن الـبر وأثـره في الـنفـس الـبشـرية، ولـذلك نـرى أن البعـض يميـل عـنـد الـتـعـبـير عـن تلك الخصوصية التي اخـتـص الله بها سـيـدنا الـنـبي عـيسى ـ عـليه الـسلام ـ إلى تسميته ابن الله نـظـراً إلى أن الـرب يـرحـم الابن ويـربيه عـلى عـينيه، وهـو فـوق العـبيـد ، فهـذا الاسـم أولى به.
وقـد ذكـر الله تعالى ذلك في كـتابه الـعـزيــز حـيث قال:(وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّـهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّـهِ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّـهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ، اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّـهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَـٰهًا وَاحِدًا لَّا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (الـتـوبـة 30 ـ 31).
فـظـنـوها مـعـبـودات بأعـيانـها، ولـذلك رد الله تعالى عـليهـم بأسـاليب مخـتلـفة، فـتارة بالـتـنبيه عـلى أن الحـكـم والـمـلك لله وحـده خاصة، وتارة بـبيـان أنـها جـمادات لا تـنـفـع ولا تضـر، قال تعالى:(أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ) (الأعـراف ـ 195).
وذهـب الـنصـارى: إلى أن للـمسـيح عـيسى ابن مـريـم ـ عـليه السلام ـ قـرباً مـن الله، عـلـواً عـلى سـائـر الخـلـق، فـلا ينـبغـي أن يسـمى عـبـداً، فـيسـوى بـغـيره مـن سـائـر الـناس الـذين هـم دونه مـنـزلته، لأن هـذا يـعـتبر سـوء أدب مـعـه، وعـدم اعـتراف بـقـربه مـن الله، وقـد قـال النـبي عـيسى ـ عـليه الـسـلام ـ مـعـلـناً عـن نـفـسـه وهـو في الـمهـد، قال تعالى:(فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا، يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا، فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا، قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّـهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا، وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا، وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا) (مـريـم 27 ـ 32).
وبـعـضهـم يمـيـل إلى الـغـلـو فـيه، وتسميته بأنه إلـه نـظـرا إلى أن الـواجـب حـل فـيه وصار داخـله، ولـهـذا يـصـدر مـنه آثـار لـم تعـهـد مـن الـبشـر والتي اخـتـص الله بـها دون سـائـر خـلـقه، مـثـل إحـيـاء الـمـوتى، وخـلـق الطـير، فـكلامـه كـلام الله، وعـبـادته هـي عـبـادة الله فـلـذلك هـو الله.
فـخـلـف مـن بـعـدهـم خـلـف لـم يـفـطـنـوا لـوجه التسمية، وكادوا أن يجـعـلـوا الـبنـوة حـقـيقـية، أو يـزعـمـوا أنه الـواجب مـن جـميـع الـوجـوه ولــذلك ردَّ الله تعالى عـلـيهـم، تارة بأنه لا صاحـبة له أي لا زوجـة له، وتارة بـديـع السـموات والأرض، أي خـالقـها ومـوجـدها، قال تعالى:(إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) (يس ـ 82).
وهـذه الـفـرق الـثـلاث لهـم دعـاوى عـريضة وخـرافات كـثيرة، لا تخفى عـلى الـمتـتـبع لأخـبارهـم وسـلـوكـهـم وتـصـرفاتهـم، وقـد بحـث الـقـران العـظـيم عـن هـاتين الـمـرتـبتين، ورد عـلى الـكافـرين شـبهـهـم ردّاً واضحـاً مشـبـعـاً ( كتاب حجـة الله البالـغـة لـولي الله الـدهـلـوي ـ الجـزء الأول ص:(136 ــ 140).
وجـاء فـيما يتـعـلـق بالـبر وتفـصـيـلاته، في:(مـوسـوعـة أسـماء الله الحسنى) ـ )الجـزء الثامـن، ص: 433(.
الـبر: مـن أسماء الله الحسنى لله تعالى: ولا نـملك إلا أن نـقـف أمام الاسـم الـذي يفـيـض بـكل مـعـاني الجـمال والكـمال، التي يمـكـن أن تـرد عـلى الخـاطـر، أو تخـرج حـروفاً عـلى لـسان أكـثر أهـل الأرض لـيناً ورأفة ورحـمة، فـكل هـذا وغـيره مشـمـول في حـرفـين يسبقهـما (أل) التـعـريف اللـذين ينـبعـثـان مـن الـقـلـب الـرقـيـق، أن كل رحـمة وعـطـف ولـين ومحـبة قـد جـمعـت في:(بـر) و(أل) السابقة التي هي للتعـريف تـفـيـد الاسـتـغـراق والـتخـصيـص، فـلا ( بار) ينتهي بـبره إلى بـر هـو (الـبـر).
والـبار: هـو الـمحـسن، والـبـر الـمـطـلـق هـو الـذي مـنه كل مـبـرة وإحسان، والعـبـد إنـمـا يكـون بـرّاً بـقـدر ما يتعـاطاه مـن الـبر، ولاسـيما بـوالـديه وأساتـذته وشـيـوخه ـ الـمـصـدر (الـغـزالي الـمـقـصـد الأسنى، ص 139).
والـبر هـو فاعـل الـبر والإحسان، والـبر: هـو مـن أسمـاء الله تعالى وتقـدس (العـطـوف الـرحـيم اللـطـيف الكـريـم) قال ابن الأثـير: في أسـماء الله تعالى الـبـر دون الـبار، وهـو العـطـوف عـلى عـباده بـبـره ولـطـفـه، والـبـر والـبار بمعـنى وإنمـا جـاء الـبـر في أسـماء الله تعالى دون الـبار (لسان العـرب، جـ 4، ص 54).
الـبر: هـو الـذي يـلجـأ إلـيه عـنـد كل حـاجـة أو شـدة، وهـو الـذي يـمـد بالعـون والـمـنـفـعـة، فـيكـرم ويـرحـم ، ويعـز مـن يشـاء ويـذل مـن يشاء، وهـو عـلى كل شيء قـديـر.
والـبر: هـو الـمـتسـع بمـلكه وهـيمنته بـواسـع رحـمـته، وهـو الـذي يملك الـملك الـمـطـلـق فـلا ينقـص مـن بـره شئ، فـهـو الله الـرحمن الـرحيـم.
والأم: التي تتحـمـل ويـلات ألـم الحـمـل والـوضـع والـتـربية والـسهـر لـتـنـشئة صـغـير ضـعـيف ، ولا تعـلـم هـل سـيـكافـئها بمـا فـعـلت بالإحسان أو بالجـحـود والـنـكـران، وهي مـع ذلك تـشـعـر بـكل متعـة وسـعـادة؟، فـكيـف جـمعـت في نـفـسها بـين نـقـيضـين ألـم وسـعـادة؟.
.. للحـديث بـقـية.

إلى الأعلى