الثلاثاء 23 أكتوبر 2018 م - ١٤ صفر ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / اللغة والأخلاق (2)

اللغة والأخلاق (2)

د. جمال عبد العزيز أحمد:
.. فالحذف يناسب طبيعتهنَّ، ويتماشى مع صفاتهن، ويتناغم وحيائهن، فبادلهما حياءً بحياء، ونقاءً بنقاء، وصفاءَ بصفاء، قال:(ما خطبكما)؟، وهنا نرى أنه قد اقتصر على عناصر الإسناد الأساسية التي لا يمكن معها حذف، حيث اقتصر على المبتدأ والخبر، وثنَّى الخبرَ، حتى لا يوجِّه الكلام إلى إحداهن، فتضطر متضاغطةَ ملتوية على نفسها، غارقة في الحياء إلى الردِّ بنفسها، ولفظها، فيسمعها وحدها، فقال:(ما خطبكما(؟ أيْ ما شأنكما لا تسقيان؟!، وما وراءكما؟!، ما لكما تدفعان بإبلكما، وتقفان بعيدتين كما أرى، كلُّ ذلك حُذِفَ لطبيعة الموقف، وحساسية الحديث، وكونه مع نبيٍّ، وبنات نبيٍّ، والأنثى تتقاطر حياءً، وتتساقط خجلاً، وتنزوي وتصمت لا تبين في مثل هذه المواقف حتى لتكاد تتداخل في نفسها، فلا تريد أن يراها أحدٌ.
فإحدى صور الحياء هنا هو الاقتصار على العناصر الإسنادية الأولية للتراكيب، حيث ذكر المبتدأ والخبر فقط، رغم احتياج التركيب إلى قوله:(ما خطبكما)؟، لا تسقيان، وتقفان وحدكما لا تتقدمان، بل تذودان إبلكما بعيداً؟!.
وهنا يأتي دور المسلم الملتزم إذا وجد بناتٍ مسلماتٍ عفيفاتٍ لا يلجأن إلى الاختلاط، ويكاد مع حيائهن أن تضيع حقوقهن، وتطول في المكان وقفتهن، وتضيع أوقاتهن، ويتعرضْن للفتنة، فعليه بوصفه مسلما ملتزما أن يسارع بخدمتهن، ويقوم بشأنهن، وعلى قضاء حوائجهن، حتى يسارعن بالرجوع إلى بيوتهن، وحيث الوقار والعفة والاستقرار: (وقَرْنَ في بيوتكن)، فلماذا قالتا عبارتهما المحكمة المختصرة الْحَيِيَّة، ردًّا عليه في نفَسٍ واحدٍ، فلم يعرف من منهما المتحدثة؟ حكى القرآن الكريم قولهما هذا الذي بدا في نطق ونفس واحد:(قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير).
فالفعل:(قالتا)، دخلته ألف الاثنين هنا لتدل على قمة الحياء، حيث تضاغطت البنتان في نطقهما، فصارتا كألف الاثنين، أي صارتا شخصاً واحداً واقفاً، قائلاً، وفي فم واحد، وصوت واحد:(لا نسقى ..).
وجملة (لا نسقي) جملة مكتملة الأركان بعد تقدير الحذف: أي:(لا نسقى إبلنا ماء)، فَحُذِفَ المفعولان ليناسب طبيعة الحياء الأنثوي من جانب، ومن جانب آخر يتناسب هذا الحذف مع تربية بنات الأنبياء أو الصالحين لأنهم قدوة لغيرهم، ومناطُ أسوة لمن سواهم، فقد تمثل الحياء هنا كذلك في حذف نصف التركيب كاملاً، ولكون السياق مفهومًا فلا داعي لإكثار البنت من الكلام بسبب لين الصوت، ورقة اللفظ، ونعومة الحديث، فقد اقتصرت الجملة على الفعل والفاعل فقط.
ثم ذكرت موعد دخولهما مكان السقيا:(حتى يصدر الرعاء)، أي: لا نسقي ماشيتنا حتى يصدر الرعاء مواشيهم، ويمضون مخلين المكان لنا لأننا لا نطيق أن نسقي وسط هذاك الزحام، ولا نعرف هذا الاختلاط، ولا درجنا عليه، وإنما نسقي ماشيتنا ما أفضلتْه مواشي الرعاءِ في الحوض، وما أبقيته فيه من الماء، والرعاءُ جمع راعٍ، والراعى يجمع على رُعاة ورِعاء ورُعْيان، فهنَّ لا يستطعن مزاحمة الرجال، وينتظرْن حتى ينتهيَ هؤلاءِ من رعيهم إبلَهم، وفي ذلك تعطيل لمصالحهن، وتعريضهن للفتن، فأين أخلاقيات المجتمع الراقية، وأين عاداته السامية؟!، والبنتان هنا قد استعملتا الفعل (يصدر) الذي حُذِفَ مفعولُه، أي يصدر الرعاء إبلهم: أي هم قد سقوها وصرفوها عن الماء، فحذفت البنتان المفعولَ به، اكتفاء بالموقف، واستغناء بالسياق اللغوي ومسرحه الواضح لئلا يكثرْن من الحديث، ويزدن لفظةً واحدةً فيه، فحذْفُ ركنٍ من التركيب هو ضَرْبٌ من الحياء ولونٌ من ألوان الخجل، وكأنَّ التركيب نفسه ينزوي مثل قائلته: خجلاً، وحياء، ويروح صمتاً، ثم ذكرت البنتان الفاضلتان العلة الشرعية، والضرورة الملجئة لهما إلى الخروج، كأنما هو جواب لسؤال صامت، كأنه قيل:” وأين عائلكما وأبوكما وأخوكما أو من يقوم على شأنكما؟، فأجابت بأيسر جواب، وأقله كلامًا، مقتصرةً فيه على أصل التركيب من المبتدأ والخبر:(وأبونا شيخ كبير)، وكان يكفي أن تقول:(شيخ) وتسكت، فهو ـ لفظ شيخ ـ صفة مشبهة، وهي صفة تعني أنه قد كبر، وطعن في السن، وتقوس ظهره، وتهدل حاجباه، وتراه في انحنائه، فتعلم كم طعن في السن، ولا يقوى على الحركة، وأنه قد ضرب في أطواء، وأطناب الزمن، لكنها عاجلت، فقالت:(كبير) فربما فهم أنه شيخ أي رجل موقر في قومه عالٍ في منطقته، وبين أهله وعشيرته، فيتعالى عن الذهاب إلى تلك المواطن، وهاتيك المشاغل، وإنما ذكرت كلمة:(كبير) حتى تمنع أن يذهب الذهنُ إلى شيء غير مراد، و(كبير) كذلك صفة مشبهة، تعني أنه قد وصل إلى حالٍ تمنعه من مغادرة البيت، ناهيك عن أن يزاحم، أو يدافع، فهو لا يقوى مطلقًا على مثل ذلك، فلما ذكرتا ذلك كله في نفس واحد، وأوضحتا السبب في ذودهما، وعدم انخراطهما، واختلاطهما.

* كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة بجمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى