الإثنين 17 ديسمبر 2018 م - ٩ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / أفخاخ ساحرة للمغفلين

أفخاخ ساحرة للمغفلين

أ.د. محمد الدعمي

”إن عملية حصد الأموال الأسطورية عن طريق توجيه التهم ليست بالمهمة الصعبة قط، خاصة مع صعوبة إنكار التهم أو البرهنة على أنها تهم ملفقة! ولأن هذا قد تطور إلى تيار ذوقي/أخلاقي رائج اليوم، فلا صعوبة في أن تقدم أية امرأة حباها الله شيئا من الجمال تهما لوسائل الإعلام ضد أباطرة المال على سبيل الحصول على أموال طائلة منهم”

لم يبالغ الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عندما لاحظ مخاطر الانسياق، الإعلامي خاصة، وراء اتهامات الحسان من النسوة لأصحاب المال والنفوذ والجاه بـ”التحرش الجنسي” أو “السلوك اللاأخلاقي” على مستقبل العديد من الرجال المرموقين، ومنهم هو شخصيا، كما حدث أثناء سباق الانتخابات العام ما قبل الماضي 2016، إذ ظهرت أكثر من عشرة من الحسناوات اللائي اتهمن المرشح ترامب بالتحرش الجنسي، بل وبأكثر من ذلك، كما فعلت الغانية وممثلة الأفلام الخلاعية، دانييلة العاصفة، Stormy Daniele.
وإذا كانت ما سميت بــ”حركة وأنا كذلك” قد ألقت الضوء على العشرات من نماذج التحرش الجنسي والسلوك الذكوري غير السوي الذي وصم به العديد من المتنفذين ومن أصحاب الثروات الأسطورية، فإن الأجواء الإعلامية والذوقية رائجة الآن لظهور المزيد من الضحايا المعروفات بــ”الناجيات من التحرش أو من الاعتداء الجنسي” عبر الولايات المتحدة. وللمرء أن يستبق عشرات الآلاف من تهم التحرش الجنسي، ما دام هناك من هم قادرون على دفع مبالغ طائلة للتعويض ولتلطيف مشاعر الضحايا، كما هي الحال مع العملاق السينمائي “هارفي واينستين”: فسرعان ما استحالت عملية قذف التهم على الأغنياء وأولى الأمر من الأعمال و”الحرف” المدرة على نحو أسطوري. هذا ما يبرر انزعاج الرئيس ترامب من عملية تسقيط اثنين من مساعديه (السكرتير الصحفي من بينهم) في البيت الأبيض من قبل زوجاتهم السابقات بتهم العنف الأسري هذه المرة، إذ غادر الرجلان البيت الأبيض “غير مأسوف على شبابهما” قط.
إن عملية حصد الأموال الأسطورية عن طريق توجيه التهم ليست بالمهمة الصعبة قط، خاصة مع صعوبة إنكار التهم أو البرهنة على أنها تهم ملفقة! ولأن هذا قد تطور الى تيار ذوقي/أخلاقي رائج اليوم، فلا صعوبة في أن تقدم أية امرأة حباها الله شيئا من الجمال تهما لوسائل الإعلام ضد أباطرة المال على سبيل الحصول على أموال طائلة منهم: أما في سبيل “شراء صمتهن”، وإما من أجل “تعويضهن” عمّا “قاسوه” في غرف وأجنحة فنادق الخمس نجوم.
لا ريب في أن هذه “التقليعة” كما يسميها إخواننا بمصر، الشائعة شديدة التعقيد، إذ يحتاج القضاء، كما تحتاج الصحافة إلى كل دليل من شأنه البرهنة على حدوث اعتداء أو تحرش جنسي، الأمر الذي يفسر “ابتلاع” المئات من النسوة لما حدث لهن، خشية الفضيحة وتجنبا للتشهير.
أما الآن وبسبب رواج هذا الموضوع المهلك لكبار الموظفين وأصحاب الأموال الطائلة، فإن الأمر قد انقلب رأسا على عقب: فكل ما تدعيه “الضحية”، امرأة في أغلب الحالات، إنما يكون قابلا للتصديق، بينما يتم تكذيب الجميع من الرجال الذين ينفون التهم! ولكن من الذي يستطيع أن يقدم الأدلة والشواهد؟ هذا هو السؤال! بل إن الأمر قد أخذ منعطفا خطيرا بعدما راحت “العجائز” من الجدات الكبيرات في السن يوجهن تهم التحرش والاعتداء الجنسي عن حوادث كانت قد وقعت بهن قبل عشرات السنين، أي في خمسينيات أو ستينيات القرن الزائل. هنا يكمن “بيت القصيد”، إذ إن “مناسبة حميمة” بين واحدة من هذه العجائز وبين رجل أعمال غني كانت قد حدثت سنة 1963 مثلا، كافية لتحريك الطرف الأول دعوى قضائية ضد الثاني! إنها منقلبات روح العصر” و”الرائج من التيارات” التي تمتثل أميركا لها اليوم أيما امتثال، حالا مثيرة لوسائل الإعلام وللجهات الرسمية الفاعلة في توجيهها.

إلى الأعلى