الإثنين 17 ديسمبر 2018 م - ٩ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / ترامب ومحدداته للسياسة الخارجية الأميركية

ترامب ومحدداته للسياسة الخارجية الأميركية

علي بدوان

”إنَّ ما يزعج الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومُجمل الإدارة الأميركية، أن دول الاتحاد الأوروبي، تسعى ومنذ وقت ليس بالقصير، للفوز بإرادة “استقلال” سياسي، واقتصادي، وتجاري، وبحدود نسبية عالية، في مواجهة الحديث الأميركي المُتكرر، ومنذ ما قبل الإدارة الحالية، عن أوروبا الشائخة سكانيا، وعن أوروبا القارة العجوز والمُتقادمة.”

في قمة دافوس الاقتصادية العالمية التي التأمت أعمالها في الثالث والعشرين من كانون الثاني/يناير 2018 الماضي، وفي قمة ميونيخ للأمن الدولي التي تلتها، في السادس عشر من شباط/فبراير 2018، جاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تلك القمتين طارحا شعار “أميركا أولا”، لكنه أجرى عليه تحويرا بسيطا في سياقات أعمال المنتدى الاقتصادي وأعمال قمة ميونيخ، للتخفيف من الوقع السيئ للشعار أمام رؤساء وممثلي الدول الحليفة وغير الحليفة، فصار الشعار في دافوس “أميركا أولا ولكن لتعود قوية”ـ وزاد عليه في قمة ميونيخ العبارات المزركشة من نمط “الحلم الأميركي”.
أما في خطابه الأول السنوي الأول أمام الكونجرس الأميركي عن “حال الاتحاد”، فقد كرر الرئيس دونالد ترامب، شعاراته المعهودة ذاتها، وإن بلغة “جديدة”، اتخذت طابعا تصالحيا على المستوى الداخلي، سعيا منه لتوحيد الصفوف في الداخل الأميركي بعد ارتفاع وتيرة الحديث عن التدخلات الخارجية في مسار الانتخابات التي أوصلت ترامب للبيت الأبيض، خاصة مع اقتراب الانتخابات النصفية لتجديد عضوية جزء من أعضاء الكونجرس الأميركي وحكام الولايات، وهي تُعد اختبارا لسياسة الرئيس ترامب، وسترسم معالم مستقبله بالبيت الأبيض، والتي ستشمل جميع الأعضاء الـ435 لمجلس النواب و33 عضوا في مجلس الشيوخ.
وفي الشق المتعلق بالسياسات الخارجية الأميركية، شكّل خطاب “حال الاتحاد” للرئيس ترامب، دعوات تصادمية مع الخارج، ولهجة عدائية تجاه روسيا والصين، ومواقف متشنجة من دول الاتحاد الأوربي. وبالطبع فقد نالت إيران قسطا وافرا من خطاب الرئيس ترامب، خطاب حال الاتحاد. ولم تشذّ في الشق الخارجي عن ثوابت الدعم المُطلق لدولة الاحتلال “الإسرائيلي”،
وفي مفردات لغته الخطابية، وصف الرئيس ترامب روسيا والصين بأنهما “منافسان يُشكّلان تحدّيا لمصالحنا واقتصادنا وقيمنا”، مُشددا على أنه “في إطار مواجهة هذه المخاطر الفظيعة، ندرك جيدا أن الضعف هو الطريق الأقصر إلى خسارة الصراع، في حين أن تفوّق القوة هو أكثر الوسائل ضمانا للدفاع الحقيقي”، وموجّها في هذا الإطار دعوة إلى الكونجرس لكي “يضع حدّا للقيود الخطيرة المفروضة على الشق العسكري، وأن يموّل جيشنا العظيم بالكامل، بما في ذلك تحديث ترسانتنا النووية وإعادة تطويرها” على حد تعبيره.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لم يوفّر دول الاتحاد الأوروبي من انتقاداتهِ السياسية اللاذعة، خاصة أثناء أعمال منتدى دافوس الاقتصادي، وزاد عليها تنديده بالسياسة التجارية لدول الاتحاد الأوروبي، قائلا “لا يُمكننا إدخال بضائعنا (إلى بُلدان التكتل). هذا صعب جدا، ومع ذلك هم يُرسلون بضائعهم إلينا، من دون ضرائب أو يدفعون ضرائب ضئيلة جدا. هذا أمر غير مُنصف إلى حد كبير. لديّ مشكلات كثيرة مع دول الاتحاد، وقد تتحوّل شيئا كبيرا جدا من الناحية التجارية”.
إنَّ ما يزعج الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومُجمل الإدارة الأميركية، أن دول الاتحاد الأوروبي، تسعى ومنذ وقت ليس بالقصير، للفوز بإرادة “استقلال” سياسي، واقتصادي، وتجاري، وبحدود نسبية عالية، في مواجهة الحديث الأميركي المُتكرر، ومنذ ما قبل الإدارة الحالية، عن أوروبا الشائخة سكانيا، وعن أوروبا القارة العجوز والمُتقادمة.
وفي هذا الإطار، كانت واشنطن، شجعت بريطانيا على الخروج من مجموعة دول الاتحاد الأوروبي، وباركت خطواتها، واعتقدت بأنها تُسهم في إرباك وإضعاف التكتل الأوروبي، خصوصا وأن بريطانيا كانت وما زالت تمثّل بشكل أو بآخر، لسان حال السياسة والمصالح الأميركية في أوروبا.
دول الاتحاد الأوروبي بدت الآن، تَعمَل وفي دعوة متزايدة لإنشاء حلف عسكري أوروبي مُستقل عن الولايات المتحدة وعن الحلف الأطلسي، حين وَقّع وزراء الدفاع والخارجية لدول الاتحاد الـ(23 دولة من أصل 27 بعد خروج بريطانيا كما مقرر 2019) دولة تنتمي للاتحاد الأوروبي، باستثناء الدنمارك وأيرلندا والبرتغال ومالطا، اتفاقية “التعاون الهيكلي الدائم للأمن والدفاع”، وهي اتفاقية قد تُؤسِّسُ لإقامة “اتحاد دفاعي أوروبي”، والالتزام بتعاون أمني بعيد المدى، والتعاون بشكل أوثق لبناء القدرات العسكرية الأوروبية.
إنَّ مجموعة الاتحاد الأوروبي، تسعى للتحلّل قدر الإمكان من سطوة واشنطن، وتأثيرها السياسي والاقتصادي والتجاري عليها، لذلك تحاول الآن وفي مجال السياسة الخارجية العمل بأُطُرٍ مُتماسكة للتعامل بنجاعة ووحدة في المواقف مع الأزمات الدولية بشكل فارق عن مواقف واشنطن ولو بحدود نسبية، بعد أن باتت تمتلك مؤسسات وهياكل موحّدة، وبذا فهي تسعى للتخلص من التأثير الأميركي، وعمليات الابتزاز المُتكررة التي تمارسها واشنطن مع دول الاتحاد، ومنها الطلبات الأميركية، من حين لآخر، بضرورة “تسديد الحلفاء الأوروبيين مزيدا من الأموال من أجل أمنهم”، وإجبار الدول الأوروبية على تمويل صناعة الأسلحة الأميركية، مثل الطائرة الحربية الضخمة وباهظة الثمن (إف 35) التي استفاد منها جيش الاحتلال “الإسرائيلي” قبل أي جيش آخر في العالم.
إنَّ أوروبا، وتحديدا، مجموعة دول الاتحاد، تريد أيضا الحصول على “نصيبها” من الغنائم التي استأثرت بها واشنطن وحدها، في مسار معالجة الأزمات الدولية بعد انتهائها، رغم المُشاركة القوية لأوروبا (العسكرية والسياسية والمالية) منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، سواء في تفتيت يوغسلافيا أو في تدمير العراق (1991 ثم 2003 ) وغيرها … فعقود إعادة الإعمار، واستثمارات النفط والغاز في العراق وغيرها، تستحوذ واشنطن على النصيب الأكبر منها، تاركة الفتات لغيرها…بل وتعمل، وفي واحد من استهدافات تعطيل اتفاق (5+1) على حرمان دول الاتحاد من إعادة بناء علاقاتها الاقتصادية مع طهران، وخاصة في مجالات استثمار النفط والغاز، وتوريد أكثر من 100 طائرة ايرباص …
تلك هي مُحددات الموقف الأميركي، وسياسات الرئيس ترامب الراهنة، تجاه القضايا الدولية الساخنة، وفق مفاصلها الرئيسية: روسيا، الصين، دول الاتحاد الأوربي، إيران …. والقضية الفلسطينية حيث لغة الانحياز الى جانب دولة الاحتلال، وحيث تحديد موعد الرابع عشر من أيار/مايو القادم، لنقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة، وهو التاريخ الذي يتزامن مع الذكرى السبعين لنكبة الشعب الفلسطيني عام 1948 وإعلان قيام الدولة “الإسرائيلية” على أنقاض كيانه الوطني والقومي، وتشريد أكثر 65% من الشعب الفلسطيني من على أرض وطنه التاريخي.

إلى الأعلى