الأحد 24 يونيو 2018 م - ١٠ شوال ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / “دمشق الحرائق” فصل من العويل والخرائب والدم

“دمشق الحرائق” فصل من العويل والخرائب والدم

* الى دمشق السلام..

الى كل الذين عرفتهم، الى كل الذين التقيتهم، الى كل الذين جمعتني بهم ليال وأيام دمشقية لن تنسى، الى كل الذين ارتحلت معهم اليها، تحية الى كل الأحرار في بلد الأحرار الذين تناوشهم جارحات الفلا، وأسد الشرى، الى الحارات، والأزقة، وعبق الحضارة، الى قاسيون ذلك الطود الشاهد على كل شيء، الى الأسواق والياسمين والبيوت العربية، والفسقيات المترعة بالمياه المتدفقة، الى أصائص الأزهار، وثمار الصبار، والباعة الجائلين بأباريقهم، الى المكتبات العامرة، الى المقاهي المعبقة برائحة القهوة، الى زينة بقامتها الفارعة بالشعر الحريري، ذات العيون الناعسة، والمليئة بالكبرياء، الى غادة الدرعاوية التي استفاضت في نقاشها حول مدن الملح التي تواصل ذوبانها في الأخوار الآسنة، وتهاوي اعمدتها، الى دمشق الطائر الفينيقي الذي يستيقظ من تحت الرماد، إليك كل المحبة والسلام.
(1)
سيستميحني زكريا تامر ـ وهو يرقد بسلام في تربته ـ عذراً إن أنا استعرت عنوانه الذي يلخص المأساة القائمة، وسيعذرني ذلك المعلم الذي اختط لنفسه مسلكاً اجزم انه لم يسبقه اليه أحد في عالم اقتناص الومضة الخاطفة، وتحويلها بعبقريته الفذة الى عالم قصصي ساحر وابداع خلاق، وسيستميحني عذراً في استعارة ” دمشق الحرائق ” في صياغة منمنمة موشاة بالدم والخرائب والعويل. سيستميحني عذراً إن أنا اعدت قراءة ما قرأته من قبل ـ دمشق الحرائق ـ ولكن هذه المرة بصورة تختلف عن سابقتها، صورة أشبه بحالة اغتصاب تمارس على مسمع ومرأى الحليل، وعيناه تتفطران بالدم والقيح والصديد، ويقول خذوني الى المشهد الآخر مؤمنًا بأن للحرية الحمراء بابا لابد أن يدق باليد المضرجة.
ولعلني هنا استعير ما قاله ” رياض عصمت ” حول دمشق الحرائق حيث يقول ” عندما تقرأ دمشق الحرائق حتى لو كنت تقرأ زكريا تامر لأول مرة، لابد أن تشعر إنك أمام كاتب متمرس وفريد، وانك أمام مجموعة متنوعة من الرؤى والأساليب تحطم وهمة التكرار لتحل محلها وحدة الأسلوب وتناغم الرؤيا، وعالم دمشق الحرائق سرعان ما يسيطر عليك، ويحتويك بما فيه من جوع وفقر وقهر، يحاصرك برعب تضيع فيه البراءة والحب في ظل الموت والزنزانات، عالم يشد على خانقك فلا تملك إلا أن تطلق صرخة الاستقالة، وإلا أن تتمنى الرحيل الى البحر إذ تكتشف أن مدينتك ملأى بالرايات السود وقبور الموتى والمشانق ”
(2)
الى هنا، وإلى هذا الحد تكون دمشق الحرائق، الى هذا الصورة التي يرسمها زكريا تامر عن دمشق وعالمها، كما كانت نسخة أخرى مخبأة لا تظهر للعيان، صورة قاتمة جداً لدمشق تحمل النقيضين من مساحيق تجميل لوجه كالح، الى وجه قدم حضارة لها قدم راسخ، دمشق ذلك العالم السريالي المتداخل من الحقيقة والخيال، أإلى هذا الحد كانت دمشق تخبئ عذابات لا تحتمل؟ عالم يعج بالفجيعة، في عالم يصوره ” تامر ” بعيداً عن يوتوبيا الإنسان الطامح، الى فوبيا السجون الطافح، أإلى هذا الحد أنت قاسية ؟
هنا أود أن أحيل القارئ الكريم الى قصة واحدة فقط من قصص مجموعة ” دمشق الحرائق “، وهي قصة ” التراب لنا وللطيور السماء ” ليتبين حجم ما يلخصه، ويرسمه تامر من البؤس والشقاء، ومن ثم العودة مرة أخرى الى السلمة الاولى لتتبين حجم ما يكتنفه المشهد، وما ينسحب عليه من نموذج يرتبط ما يتشابه معه من الأنظمة العربية.
(3)
” دمشق الحرائق ” التي صدرت الطبعة الأولى منها في 1973، ومنذ ذلك الوقت وهي تواصل احتراقها، ومن قبل، هناك الكثير من الصور التي تفضح الممارسات، في طحن الرحى وحرارة فرن اللافح بالغضب والتعب، والتشفي والاحتقان، والفساد والمحسوبية، أمن ذلك الوقت ومن قبل، دمشق تواصل حرائقها، وكلما أرادوا اطفاءها ما زادوها إلا اشتعالا. ” تقول الحكاية إنه كان هناك……، وستروي الجدات سيرته عبر وسائل الإتصال الحديثة عن سيرة رجل ساحر يحمل عصاً سحرية صير دمشق الى رماد، والسكان الى رماد، والشجر وكل شيء ما حوله الى رماد، وأصبحت دمشق كومة من رماد تذروه الرياح، وتقاسمتها مع الأساطير وحوش غريبة الاطوار والأشكال والأحجام، ليشكل رحلة غيبية في عالم منسي.
(4)
إن زكريا تامر قد عصرته ” دمشق الحرائق ” حتى أنه يتعمد أن يصدم قارئه بكل ما هو غير مألوف، وليس ذلك عليه بغريب، كذلك هي دمشق تلك المدينة العريقة التي تصدم الجائل في ارجائها، فهي مدينة عصية، عنيدة، تقهر السائر في انحائها، وتأسر بجمالها وفتنتها السائح فيها، أرض مهد التاريخ الذي لم يغب عن الوجود، كذلك هي دمشق تصيبك بالدهشة، عزاء جميل يستلهم فيه الروح الثائرة.
الى كل الذين عرفتهم، الى كل الذين التقيتهم، الى كل الذين جمعتني بهم ليال وأيام دمشقية لن تنسى، الى كل الذين ارتحلت معهم اليها، تحية الى كل الأحرار في بلد الأحرار… لن أعود الى أصل الحكاية.

سعيد الكندي
Saidalkindi2009@hotmail.com

إلى الأعلى