الأربعاء 12 ديسمبر 2018 م - ٤ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / حفرٌ في رواية موشكا

حفرٌ في رواية موشكا

نسق المعتقد الثقافي في رواية موشكا لمحمد الشحري ( 1 )
- التعدد المرجعي للمعتقد
لم يكن من السهل على هذه الدراسة فتح الباب حول دراسة مرجعية المعتقد في رواية موشكا، بحكم أن هذا الموضوع يحتاج إلى دراسة كثير من العلوم المعرفية، والرجوع إلى التحليل النفسي، ومحاولة فهم لغة السرد، كيّ يوصلنا إلى فهم النسق الذي يحتاج إلى تكثيف العمل في عدة حقول للوصول إليه، بالتالي سوف يفتح لنا هذا التحرك دراسة تعدد التوظيفات الأسطورية في الرواية نقدياً، لفهم طريقة اشتغال النسق عبر التوظيف المتعدد للمعتقد في الرواية، من خلال محاولة الوصول إلى النسق الذي إذا ما وصلنا إليه فإنه سوف يعطينا مؤشرات مؤداها فهم طريقة عمل النسق الثقافي في الرواية:
“ترتكز فكرة العود الأبدي على أن ما يحدث في العالم وما نفعله مرتبط بحدث أوليّ ظهر في أقدم الأزمان؛ وأننا نحاول تكرار نموذج مثالي أسطوري ويتبع ذلك رفض حثيث للزمن التاريخي وعودة دورية لزمن الأحوال الميثية إلى (الزمان الكبير) (1) “.
“في المفهوم الأنطولوجي (( البدائي )) : الشيء، أو الفعل، لا يصير حقيقياً إلا أن يحاكي أو يكرر، نموذجاً أصلياً؛ أي أن (( الحقيقة )) لا تكتسب إلا بالتكرار أو الاقتسام، وكل ما ليس له نموذج مثالي فهو (( عارٍ من المعنى ))؛ أي مفتقر إلى الحقيقة، ولذلك كان لدى الناس ميل إلى أن يصبحوا مثاليين أو نموذجيين (2) “.
“ولعل في هذا الميل شيء من تناقض تبدّى في إنسان الثقافات التقليدية الذي يعترف بحقيقة نفسه إلا عندما لا يكون هو نفسه ( بالنسبة إلى مراقب حديث ) مكتفياً بمحاكاة حركات غيره أو تكرارها، بعبارة أخرى، لا يعترف بنفسه حقيقياً، أي إنه (( هو نفسه حقاً )) إلا عندما ينقطع أن يكون هو نفسه تحديداً، ولذلك يمكننا القول إن هذه الأنطولوجيا (( البدائية )) قائمة على بنية أفلاطونية، أو يمكننا اعتبار أفلاطون فيلسوف (( العقلية البدائية )) بامتياز، أي المفكر الذي حالفه التوفيق في تقويم طراز الوجود والسلوك عند البشرية القديمة تقويماً فلسفياً (3)”.
“بطبيعة الحالة، إن هذا لا ينتقص من (( أصالة )) عبقريته الفلسفية؛ لأن ميزة أفلاطون الكبرى هي في جهده الرامي إلى تسويغ هذه الرؤية لدى البشرية القديمة تسويغاً نظرياً، وذلك بالوسائل التي وضعتها روحانية عصره تحت تصرفه (4)”.
“لكن ما نهتم به هنا ليس له علاقة بهذا الجانب من الفلسفة الأفلاطونية، وإنما يقتصر على الأنطولوجيا القديمة، وما يماثل ذلك في الأهمية النتيجة التي نستخلصها من تحليلنا للوقائع الرامية إلى (( إلغاء الزمان )) بتقليد النماذج البدئية وتكرار البوادر النموذجية (5)”. “فالذبيحة، مثلاً، لا تقتصر على إعادة الذبيحة البدئية التي أوحى بها إله في البدء، في بداية الزمن، إعادة تامة وحسب، بل تتمّ في اللحظة الميطيقية البدئية نفسها، بعبارة أخرى، كل ذبيحة تكرر الذبيحة الأولية وتتزامن معها، كل الذبائح تتمّ في اللحظة الميطيقية البدئية نفسها؛ إذ بواسطة التناقض الذي ينطوي عليه الطقس، ليتحول إلى تعليق الزمن الدنيوي (6)”.
“وهذا ينطبق على جميع أفعال التكرار، أي على جميع أفعال محاكاة النماذج البدئية، هنا نتبيّن جانباً آخر من الأنطولوجيا القديمة: بمقدار ما يكتسب فعل ( أو شيء ) حقيقة معيّنة بواسطة تكرار البوادر النموذجية، وبهذه الواسطة وحدها، يكون ثمّة إلغاء ضمني للزمن الدنيوي وللتاريخ، ومن يكرر البادرة النموذجية يجد نفسه محمولاً إلى الزمن الميطيقي الذي تم فيه الكشف عن هذه البادرة النموذجية لأول مرة (7) “.
هذا يقودنا إلى ما حدث لموشكا خلال المحاكمة، عندما تم تخييرها فاختارت الحياة الأبدية، من خلال تحولها لشجرة لُبان؛ هذا التحول الذي أخرج موشكا من التاريخ إلى الأبدية، والذي جعل من خطيئتها في الزمن الدنيوي سبباً في الخروج من التاريخ إلى المؤبد، من هنا تصبح الخطيئة هي النسق الذي غيّر المسار عبر خط الزمن ليدخل في المؤبد، لتكون أسطورة العود الأبدي حاضرة في الرواية من خلال دورة الخلق الجديدة؛ حيث الخطيئة التي سبّبت الطوفان الذي كان شرطاً لطهارة الأرض من الخطايا البشرية، ثم حدوث خطيئة موشكا مع أنشرون الإنسيّ في السفينة أثناء الطوفان، تلك الخطيئة التي بسببها تكوّر بطن موشكا بعد الطوفان، ذلك التكوّر الذي يَعِدُ بخلق جديد، هذا التكوّر الذي لم يَكُن في يومٍ من الأيام خطيئة، بل كان رمزاً لقداسة الأنثى ، تلك الأنثى الواهبة الحياة ، لتتحول بعد صراع بين الذكورة والأنوثة إلى خطيئة اقترفتها الأنثى موشكا عندما تمرّدت على اعراف قومها ولم تقدّر طقوس ومناسبات حدوث الحمل، تلك الطقوس التي تكرر النماذج البدئية لهذا الحدث الجنسيّ المقدس حسب الأعراف، ليكون هذا التكرار هو إعادة للماضي وعودة إليه للقفز على التاريخ، أو الزمن الدنيوي.
من هنا أصبحت خطيئة موشكا سبباً للأبدية، التي تتكرر لكل من يأتي إلى منازل اللبان، حيث المكان المقدس، وحيث الخروج من الزمن الدنيوي إلى الزمن الأبدي، وبمجرد الخروج من منازل اللبان، فإن ذلك يؤدي بنا إلى الخروج من المقدس والطقس والأبدية.
يمكن القول إن الرواية استفادت من أسطورة العود الأبدي، وذلك بتخليد موشكا عند تحولها إلى شجرة اللبان المقدسة، لتتحول معها الأرض التي نبتت فيها إلى أرض مقدسة، ولتقام الطقوس، ولينبذ كل ما يعكر صفو الطهارة، ليصبح ضرب جسد موشكا بالمُدى والسكاكين بعد أن تتحول إلى شجرة لُبان عقابا وليتكرر مراراً، هذا التكرار في ضربها هو عود للنموذج البدئي، وتذكير بالخطيئة، وهنا يحدث الخروج من الزمن الدنيوي إلى الزمن الأبدي، حيث الماضي يكون حاضراً من خلال طقوس تجريح وكشط جذع شجرة اللبان ، ليتكرر سنوياً هذا العَود حسب النموذج البدئي. وهنا تقول موشكا خلال محاكمتها لتقرر مصيرها :
“أختار أن أطرد من عالمكم إلى عالم الإنسيين، لا أريد أن أدنس عالمكم الصامت ولا أريد العيش في عالم الإنس المخادع، سأطهر ذاتي، سأكون شجرة لا تنبت إلا في أشد المناطق حرارة وجفافاً، وأن يُضرب جسدي في كل الأوقات بالمُدي والسكاكين عقاباً لي على ما اقترفته، وأن تكون دموعي ودمائي محصولاً يطعم الفقراء والمحتاجين، ويسعون إلى تجميعه بكشط بشرتي مراراً وتكرارا، وأن يُحرق إنتاجي تقرباً للآلهة في المعابد والأديرة(8) “.
إن أسطورة العَود الأبدي مصدرها الأساسي – حسب رأينا – هو الزمن كبنية أساسية لتشكله ، هذا الزمن الذي فتح الباب على مصراعيه في الرواية ، ولذلك سوف نقوم بدراسة بنية هذا الزمن ضمن أسطورة العود الأبدي كما رُصدت في الرواية، هذه الدراسة للزمن هي الدراسة الوحيدة التي قمنا بإضافتها لدراسة زمنيّ العود الأبدي ( الزمن الدنيوي والزمن الأبدي )، لذلك سوف تكون إضافة جديدة لأسطورة الزمن الأبدي من خلال هذه الدراسة، وسوف نحفر عميقاً لكي نتمكن من الوصول إلى النسق الذي نتتبع خيوطه حتى نصل إليه، لذلك سوف نعتبر أن هناك زمناً عامّا، هذا الزمن مثل الومضات التي تعبّر عن بداية ونهاية خلق الصورة الذهنية بعناصرها، وهذا الزمن العام سوف نطلق عليه الومضة الزمنية .
- الومضة الزمنية: هذه الومضة عبارة عن الزمن الكليّ لتشكلّ الصورة الذهنية التي يُتوقع منها أن تؤدي في نهاية هذا الزمن الوصول إلى النسق البدئي لزمنيّة العود البدئي في الرواية، وذلك من خلال:
الزمن الآنيّ: وهي اللحظة التي بدأ فيها الحكي في منازل اللبان من قِبل حلوت زوجة الدعن، وهنا سوف نصطدم بالزمن الدنيوي كما طرحه ميرسيا إلياد في كتابه “أسطورة العود الأبدي(9)”، بحكم التشابه والتقارب الكبير مع الزمن الآني كما طرحناه هنا، حيث إن الزمن الدنيوي في أسطورة العود الأبدي هو التاريخ، بمعنى الواقع المعاش عبر خط الزمن المتقدم، وأن هذا الزمن مدنس – بحكم موقعه في الدنيوي العابر-، هذا الدنيوي ملطخ وغير حقيقي؛ لكن الاختلاف بينه وبين الزمن الآني كما جاء في الدراسة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتفاصيل لم تتطرق لها أسطورة العود الأبدي وتكمن في ثلاثة عناصر: عنصر السارد، وعنصر الزمن المستغرق في عملية السرد بحضور الصورة الذهنية للسارد، وعنصر اندفاع الأحداث الحاصلة في الزمن الذهنيّ عبر الصورة الذهنية، ليكون الزمن الآني مقياساً للحظة السرد والتي تبدأ من حلوت زوجة الدعن بحكم موقعها في مكان طاهر لا تمارس فيه المحرمات حيث منازل اللبان وحيث موشكا التي تحولت إلى شجرة لبان، وانتهاءً بخروجها من الزمن الذهني بانتهاء السرد، ثم مقياساً لطول وقصر الصورة الذهنية للأحداث أثناء تشكلها اعتماداً على عنصر الزمن الآني المستغرق .
بدأت قصة موشكا على لسان سارد آخر في الرواية، لكن موقعه لا يمكن معرفته، هل انطلاقاً من مكان مقدس، من منازل اللبان؟ الذي يهمنا هنا هي حلوت زوجة الدعن التي قامت بالسرد من منازل اللبان، وعبر الحكي كانت تتشكل الصور الذهنية وتندفع الأحداث بتفاصيل موشكا وأنشرون في السفينة أثناء الطوفان وحدوث الحمل، ثم الخروج من السفينة واختفاء أنشرون، وقيام موشكا بالبحث عنه .. وصولاً إلى اكتشاف الخطيئة التي ارتكبتها موشكا، والتي حوكمت بسببها وتحولت إلى الحياة الأبدية كشجرة لبان لها قداستها؛ لذلك كل من يقوم بتجريح شجرة اللبان لاستخراج اللبان فإنه يكرر النموذج البدئي؛ كل هذه الصور الذهنية رُسمت في ذهن حلّوت، ضمن الزمن الآني الذي أخذ وقتاً طويلاً عبر السرد، وبالتالي التشكّل الهائل للصور الذهنية التي كانت تتدفق بأحداثها. لذلك يمكن القول إن الزمن الآني يتحكم فيه زمن لا يوجد في الزمن المحسوس وهذا الزمن الموجود في ذهن الإنسان هو العامل الرئيسي لكل الأحداث، ويمكن القول إنه توأم الصورة الذهنية .
الزمن الذهني: هو الزمن المتشكّل في الذهن، بمعنى أنه يمرّ في ذهن السارد ومتخيّله، يعيشه وكأنه الزمن الحقيقي، ويحدث الإحساس به عند خروجه في شكل لغة منطوقة أو مكتوبة، ولذلك فإنه ينتقل من الحياة في الزمن الدنيوي، إلى حياة أخرى عندما يبدأ بتذكر الماضي؛ بحكم انتقاله من الزمن الدنيوي إلى الزمن الذهني ثم يعود مرة أخرى إلى الزمن الدنيوي عندما تكتمل الصورة الذهنية في جغرافية معينة في ذهن السارد؛ هذا الزمن الذهني يختلف عمّا جاء في الزمن الأبدي المقدس لدى ميرسيا إلياد، والذي دائماً يوقِف حركة الزمن الدنيوي، هذا الزمن الأبدي هو من يعيد الأسطورة، يعيدها بأن يجعلها دائمة وحاضرة لدى المؤمن بها يعيش ويخرج من التاريخ من أجل الأبد المقدس، لكنه يتحول في أحيان كثيرة إلى أيديولوجيا؛ أما ما طرحته الدراسة للزمن الذهني فإنه يتشكل من خلال العمل الروائي، وذلك من خلال الصور الذهنية لحلوت زوجة الدعن، فعندما تتحدث عن موشكا فإنها تتحدث عن الطهر والقداسة والمحرمات التي يجب ألا تمارس في منازل اللبان، وهنا يلتقي هذا الزمن الذهني بصوره الذهنية عبر السارد مع الزمن الأبدي كما طرحه ميرسيا إلياد في كتابه آنف الذكر، لكنها عندما تحكي كيف كانت أحوالها قبل الانتقال إلى منازل اللبان، وتصف حالها وما وصلت إليه، لا تلتقي الصور الذهنية ضمن زمنها الذهني مع الزمن الأبدي كما طرحه إلياد؛ من هنا يمكن القول إن الزمن الذهني ومن خلال صوره الذهنية لا يتحدد بزمن الأبدية في أسطورة العود الأبدي كما قال به إلياد، بالتالي يبقى السرد ضمن الرواية بعيداً عن الايديولوجيا، وما سردته حلوت زوجة الدعن من حياتها عندما كانت خارج المكان المقدس (المدينة) وقبل وصولها إلى منازل اللبان ليس له علاقة بالزمن الأبدي كصور ذهنية، على الرغم أنها- وهي تسرد- كانت في منازل اللبان، لأن هذه الشخصية الروائية لم تتحول إلى شخصية مؤدلجة ضمن عالمها المُتَخيَّل، على الرغم من أنها هي نفسها من أبّد الزمن عند سردها لحكاية موشكا وتحولها الأبدي .
في نهاية المطاف، يمكن أن نوضح عملية العود الأبدي من خلال الشكل المرفق والمعرّف بكلام الصورة .. من خلال دراستنا لأسطورة العَود الأبدي ، اتضح أن الخطيئة كانت السبب وراء هذا العود الأبدي لموشكا، هي الخطيئة ذاتها التي بسببها تحولّت موشكا إلى شجرة لبان؛ ولهذا التحول دلالات تقودنا إلى فهم سرّ هذا التحول، هذا العقاب الأبدي الذي أرادته موشكا أن يتحول إلى فائدة للإنسان الذي كان سبباً لعقابها الأبدي، هذا العقاب الذي شكلّ مفهوم الخطيئة ليكون مردوداً مفيدا، فقد صارت شجرة اللبان باباً للرزق، لذلك نلاحظ أن الرواية في بدايتها جاءت على لسان موشكا لتسبقها بداية تقود إلى أهمية هذه الشجرة المتحولة للإنسان في المكان، إذن هو العقاب لموشكا، والثواب لإنسان ذلك المكان:
“هزهز الهزيز قشرة لحاء الأشجار المثخنة بالطعنات والنازقة بياضاً ولآلئ متحجرة ، فقالت شجرة فارَقَتْها منذ لُحيضات مُدْيَات جامعي اللبان في وادي أوفير الكاظم لحرّ الصيف، العاصر للندى المُنسكب من أهداب الليل :
اضربوني بمُديكم وحرابكم أيّها الأعوان وسأهبكم من جسدي ما يعينكم على البقاء، اغرسوا ما شاء لكم أن تغرسوه في لحائي بكل ما هو حادّ وجارح في أياديكم، فكل قطرة مني بركات وبخور طاردة للشياطين، وسائلي محنط لأجساد الموتى ومن تريدون بقاء هيكله إلى الأبد(10)”.
إذن ومن خلال المقطع السابق من الرواية يتضح أن هذه الشجرة المتحولة هي (واهبة)، هذه الصفة تضفي على شجرة اللبان صفة القداسة التي كانت ممتدة عبر الزمان منذ بداية تحول الأنثى المقدسة إلى الشجرة في كثير من الأساطير القديمة، وقد تناسخ تحول موشكا إلى شجرة لُبان مع الأسطورة اليونانية، فقالت “إن شجرة المرّ كانت فتاة جميلة وابنة لملك قبرص، حملت من أبيها سفاحاً ثم تحولت إلى شجرة نما في داخلها الإله (11)”.

دراسة ـ فهد بن مبارك الحجري

إلى الأعلى