الأربعاء 12 ديسمبر 2018 م - ٤ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / الرائحة الأولى لِلُّبانِ المُغنّي

الرائحة الأولى لِلُّبانِ المُغنّي

أصدر الشاعر العُماني يونس البوسعيدي ديوانه الرابع، والذي عنونه بِـ” كاللبان مُحترِقًا أُغنّي” عن دار الغشّام بمسقط. وهذا الديوان هو الكتاب الخامس للشاعر يونس البوسعيدي بعد ثلاث مجموعاتٍ شعرية ومجموعةٍ سردية واحدة. وجاء الكتاب في غلافٍ أنيقٍ يأخذُ منْ وحي العنوان، ومطبوعًا في حجم كُتب الجيب، ما يعني محاولة الاقتراب من القارئ، هذه الأحجام الكُتُبية المنتشرة في أوروبّا، وخصوصا في الأعمال الروائية والقصصية. كما أنّ نصوص المجموعة تنوعت بين العمودية والتفعيلة والنثرية، ما يعني محاولة الشاعر يونس البوسعيدي الإشتغال والتفنن على كل أشكال القصيدة في سعيه الحثيث لجوهر القصيدة أكثر من شكلها، وهو السعي الذي قد يؤرخ لمحاولاته وتجربتهِ وفرادتِها، إذا نجح الشاعر في ذلك.

والصفحةُ الأولى من الكتاب صفحة الإهداء تقول لنا أنّ الذي يحترقُ هو الشاعرُ نفسَهُ، حين يقولُ في إهدائه “لحبيبته زكية” “أرجوكِ اطمئني، وأنا سأحترقُ لكِ كاللبان”، إذنْ إذا كان الشاعرُ يقرر بدءًا أنه هو اللبانُ الذي يحترقُ ويُغنّي، فإنّ النتيجة البدهية أنّ علينا أنْ نتتبع رائحة هذا اللبان المحترق، ألا وهو الشِعر الذي اكتنّته هذه المجموعة بمضامينها وفحواها وما بين سطورِها، وذلك يحتاجُ لاشتغال، لثراء ما تضمّنتْهُ المجموعة بدءًا من العنونة المتعددة من كلمة واحدةٍ إلى جُمل، وإلى تنوّع أشكال النصوص، وأفكارِها العامّة والخاصة، وإلى الرؤية الفلسفية والخاصة له، إضافة لمحاولاتِهِ كسر التابوهات، وحضور التاريخ والمثيولوجيا، والشخصيّات الحاضرة سواءً في العنوان أو عتبات النص، ومستوى هذه الشخصيات، إلى غيرِ ذلك من المفاتيح التي نحتاجُها لقراءة القصيدة المثقفة للشاعر يونس البوسعيدي.

ومن القراءة الأولى نجدُ أنّ اشتغال الشاعر ما يزال على نصوصه الشِعرية التي تبدأ من ثيمة العنوان، إذا استقرأنا عناوينه السابقة ( قريبٌ كأنه الحب )، (هاجس الماء والمرايا )، ( رُوحُه البحر والريح )، وأخيرًا (كاللبان محترقًا أغني ) في جُمَلٍ شِعرية مُركّبةٍ ذات إيحاءات، ولهذا فإنّ الإيحاء الذي يبرز لأول وهلةٍ في (كاللبان محترقًا أغني ) إلى العذابات المموسقة للشاعر البوسعيدي، نجدُ ذلك بارزًا في من خلال اللفظتينِ “محترقًا” و”أُغنّي”، إضافةً لما تُضفيه مفردة “اللبان” من معانٍ ودلالات تُحيلُنا إليها من خلال الطقوس والميثولوجيا العُمانية التي عُرف بها اللبان، واستخداماته في المعابد الفرعونية القديمة، وهذه العذابات المموسقة تتجلى في غلاف المجموعة الخلْفي، حيث اختار الشاعرُ بيتين مُوْحِيَينِ لعنوان مجموعته، ذلك البيتان جاءا من نص “نبيّ كاللبان” وهو آخر عناوين المجموعة الشِعرية:

أُمّي تُحاولُ بي أكونُ نبيّا
وأنا تعبت مِنَ الحياةِ شقيّا
قلبي كما شجَر اللّبانِ مُجرح
حرقوكَ قلبي كي تُشمّ زكيّا

وهذه الإيحاءات والدلالات تنزاحُ عن ما اعتادهُ الشاعر البوسعيدي من تخصيص مجموعته واقترابها من من دلالةٍ موضوعية واحدة، إذا استذكرنا أنه عزفَ على الحُب في “قريبٌ كأنه الحُب”، واستبق الحدث في تسليط الضوء على أحداث الربيع العربي، وهاجس الإنسان في “هاجس الماء والمرايا”، ولعل هذا الهاجس كان أكثرَ غنائية وقدرةً، واحتشدتْ الأرواح بأصواتها وضجيج همسها، في “روحه البحر والريح” غير أنه امتاز في “اللبان محترقا أُغنّي” بابتعادِهِ عن ثيمة العصب الواحد وإنْ كان ليس كثيرًا، حيث ما تزال نصوصُهُ وَقورَةً بالعُمْق الفلسفي، وإنْ جاءت سهلة ممتنِعَةً لوفرة الغنائيةِ بها، وأما مواضيعُها فقد جاءت هذه المرة شتيتًا متناثرَة في أفكارٍ عامةٍ عديدة، وقد تكون هذه خصلة حميدة تُحسب فيها براعة الشاعر وقدرته على معالجة ما شاء من الحياة بالشِعر، بدءًا من مخاطبة القصيدة، والتزمل بالكبرياء، واستشعار ثِقل الأيام، لمخاطبة الشخوص والمكان، لآخر المواضيع التي احتشدت بها مصفوفة المجموعة الشِعرية.

المجموعة الشِعرية في مُجملِهِا جاءت في ستّةٍ وثلاثين نصًّا، وقد سقط أحدُ النصوص من الفهرست، وهو نصّ “للذي فقد ضحكته”، ومقسّمة لقسمين، هما “لُبانٌ يحترِق”، و”حبّات القلب”، واحتوى جزء لُبان يحترق على عناوين: “لِأمطاري القديمة، سُرى، الآفلون، غريب، سجدة سهو، “أُوتوجراف” مِنْ عبدالحميد الديب، لا إيلاف العنب، يبس، بِبابِ الأربعين، رأيتُ أربعينَ نيزكًا، والحُب والعُمْرُ هارِبَيْن، تململ الذي ظنّ نفسَه كاهنا، قلبي خارج البيت، آيكونة لِـ”هوما”، مِنْ خُرافةٍ للريح، أنخيدوانا، هسهسة مع أفروديت، قسَمات فوضوية لِفسيفساء، كأنهم التيراكوتا، بلاد…، للذي فقد ضحكته، بينما تكثّفت في الجزء الآخر من المجموعة والمعنونة بالعنوان الرقيق “حبَّات القلب” العناوين “أتركُ شاطئي رهوًا”، رسمٌ واضحُ لبرقٍ يُكسر”، آخر باقةٍ للرُّوح، خريف، حتى أظلّ أحد، البئر القديمة، إذا هدر البحر، مسرح، تأرجح، صدى / ظِل، تأويل، أحنُّ لِأَعشق، أشتهي أنْ أحمل البحر معي، إنّ إلى قلبي الرّجعى، وأخيرًا “نبيٌّ كاللٌّبان” ولعله هو النص الذي اُشْتِقّ منه عنوان المجموعة.
سيتوجب على الشاعر يونس البوسعيدي أنْ يسمع للأصوات التي ستقولُ له الكثير عن لُبانه، خصوصًا بعدْ أنْ أنهى هو ما شاء مِنْ قول، ولأنه لَمْ يشأ أنْ يكون نسخة لآخرين يأخذون هوامش.

مائدة المعمرية

إلى الأعلى