السبت 16 فبراير 2019 م - ١١ جمادى الأخرة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / الشاعر “سويري” ارتحال أدبي يرسخ لمعاني القصيدة الشعبية العمانية
الشاعر “سويري” ارتحال أدبي يرسخ لمعاني القصيدة الشعبية العمانية

الشاعر “سويري” ارتحال أدبي يرسخ لمعاني القصيدة الشعبية العمانية

مسقط ـ العمانية:
بقي الكثير من منجز القصيدة الشعبية العمانية بمختلف أشكالها، حبيس صدور الحفاظ والرواة لهذا الفن من القول الشعري الضارب في وجدان العمانيين، بقي حبيس طرق التدوال التقليدية جيلا بعد آخر.
ولعل من حسن الطالع أن يرسخ عدد من النصوص الشعرية الشعبية في الأذهان بسبب ارتباط تلك النصوص بالمناسبات الشعبية مثل نصوص فنون الرزحة والمبارزة والميدان.
والشاعر راشد بن سلوم المصلحي الملقب بسويري من الأسماء الشعرية التي لها مكانة راسخة لدى الباحثين والمهتمين بالشعر الشعبي بشكل عام وبشعر الفنون الشعبية بشكل خاص ومنذ مطلع ثمانينيات القرن العشرين سعى الشاعر المكرم محمد بن حمد المسروري إلى جمع وتدوين التراث الشعري للشاعر سويري، وقد كللت تلك المساعي بصدور ديوان (حداء الساري) في عام 1988م، والذي ضم بين جنباته ما تمكن المسروري من جمعه من أفواه الرواة.
وصدرت في العام 2015م طبعة جديدة من “حداء الساري” ضمن منشورات وزارة التراث والثقافة بالتعاون مع بيت الغشام للنشر والترجمة، وجاء الديوان في 160 صفحة من القطع المتوسط.
ولد الشاعر راشد بن سلوم بن كتيت المصلحي في وادي بني خالد بمحافظة شمال الشرقية، لقب بسويري نظرا لرغبته وجموحه في مطارحة الشعر مع شعراء في مناطق مختلفة في عمان، فلم يكن يتردد في الذهاب إلى أقرانه من الشعراء ليطارحهم قصائده في مختلف فنونها وأشكالها ومضامينها.
قضى الشاعر راشد المصلحي سنوات من حياته بين ولايات محافظتي شمال وجنوب الشرقية، وإن كان قد عاش فترة غير قصيرة في ولاية جعلان بني بو حسن، إلا أن أطول فترة قضاها خارج وادي بني خالد كانت – بحسب ما يذكر الرواة- في ولايات ساحل الباطنة. قال سويري الشعر في أغراضه المعروفة مثل الفخر والهجاء والإخوانيات والغزل والرثاء وغيرها من الأغراض. كما تعكس قصائده عمق ثقافته الأدبية وتتجلى معرفته الشعرية باطلاعه على تراث المتنبي الشعري ومعرفته بكتب التاريخ والقصص التاريخية.
وإن كان الرواة لا يذكرون تاريخ مولد سويري إلا أن محقق الديوان قد توصل إلى تاريخ دقيق لوفاة الشاعر المصلحي بحسب ما يذكره الشاعر جميل بن مبروك الراشدي الذي يؤكد أن سويري قد توفي في سنة 1964م، كما حاول الشاعر المسروري محقق الديوان الذهاب إلى تحديد تاريخ مولد سويري حيث يقول:” ومن سيرته هذه يمكننا أن نقرب تاريخ ولادته مع تاريخ وفاته، فإذا كان حقا أنشد قصيدته التي عنوانها الطريق المعبد في عام 1929م، فإنه يمكن أن يكون يومها في عمر 20 أو 25 بمعنى أن مولده يكون بين عامي 1904و 1909م، وحيث وفاته المؤكدة في 1964م بذلك يمكننا القول أنه عاش قرابة 50إلى 60 عامًا تقريبا، مع أن من عايشوه في آخر حياته ذكروا أنه كان شيبة دون الهرم”.
وعن ديوان “حداء الساري” نقرأ من تقديم المرحوم سالم بن محمد الغيلاني الشاعر والباحث في الشعر الشعبي العماني ما يلي: ” إن المتصفح لديوان سويري يدرك بوضوح أن حركة الأدب الشعبي التي عاشها شاعرنا (سويري) كانت منتعشة ومليئة بالشعراء الشعبيين، الذين كانوا ينتشرون في المناطق التي زارها وعاشر أهلها، ومكث في بعضها مدة طويلة وتأثر بعاداتها وأعرافها وأنماط حياة اهلها، وسامرهم وتبادل معهم المطارحات والمساجلات الشعبية في فنون مختلفة اشتهرت بها تلك المناطق أهمها فنون الميدان والرزحة والقصيد بمختلف أغراضه، وتميز بها ديوانه هذا، إن مآثر أولئك الشعراء الذين عاصرهم شاعرنا سويري وما تركوه بعد وفاتهم من أشعار ليست مدونة بل تناقلتها الألسن جيلا بعد جيل، هي بحاجة إلى دراسات منظمة وأبحاث مستفيضة تبين لنا اتجاهاتهم الفنية ومذاهبهم الشعرية وألوانهم المختلفة في الشعور والتعبير”.
وتضمن ديوان “حداء الساري” أربعة أقسام، ضم القسم الأول سبع قصائد قالها الشاعر في مناسبات مختلفة، وقد سعى محقق الديوان إلى تثبيت وتحديد باعث قول كل قصيدة، ومن أبرز قصائد هذا القسم القصيدة التي قالها الشاعر سويري بمناسبة افتتاح الطريق المعبد الذي يربط بين مطرح ومسقط عبر ريام، وهذه القصيدة قالها الشاعر في ديسمبر 1929م.
ويحتوي القسم الثاني على القصائد التي تنضوي تحت ما يعرف بالألغاز والأمثال وهي عبارة عن نمط من القصائد يتبادله الشاعر مع أصدقائه وأقرانه من الشعراء لاختبار قدراتهم في فك الألغاز والحكم، وفي بعض الأحيان تكون قصائد هذا الفن عبارة عن رسائل تحايا يبعثها الشاعر لغيره من الشعراء مذكرا إياهم لحالته وإظهار حبه لهم. وبلغت نصوص هذا القسم (11) نصا شعريًا.
أما القسم الثالث فقد اشتمل على نمط آخر من الشعر الشعبي في عمان وهو الأسلوب السائد في قصائد الرزحة وهو عبارة عن مساجلة أو مبارزة بالشعر بين شاعرين أثناء انعقاد الرزحة فكل واحد منهما يقف في صف من الرجال وينشد الشعر ليتغنى به المشتركون ويرد عليه الشاعر الآخر وهكذا حتى انتهاء الرزحة، وهذا النمط من الشعر لا يتعاطاه إلا من لديه بديهة حاضرة. وبلغت قصائد هذا القسم (12) قصيدة. واحتوى القسم الرابع على قصائد ومساجلات في شعر الميدان الذي تشتهر به السلطنة بشكل عام ومحافظات الشرقية والباطنة والظاهرة بشكل خاص، وهذا النمط من الشعر الشعبي له أسلوب خاص في نظمه حيث يعتمد على التورية والطباق والجناس وإعطاء معان مختلفة للكلمة الواحدة وهذا النمط من الشعر يجذب إليه الكثير من محبي ومتذوقي الشعر الشعبي، وعدد نصوص هذا القسم (13) نصًا شعريًا.

إلى الأعلى