الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أوباما إذ يعرض وساطته بين الكيان وحماس

أوباما إذ يعرض وساطته بين الكيان وحماس

د. فايز رشيد

” إن كافة الفصائل الفلسطينية مثل: حماس من خلال “كتائب القسّام”، حركة الجهاد الإسلامي من خلال”سرايا القدس، الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين من خلال ” كتائب الشهيد أبو علي مصطفى ،” أجنحة فتح العسكرية من خلال”كتائب الأقصى” وغيرها من التنظيمات …. كلها تقاتل العدو الصهيوني،”
ــــــــــــــــــــــــــ

في الاتصال الهاتفي الذي جرى بين الرئيس الأميركي باراك أوباما، وبين رئيس وزراء العدو الصهيوني بنيامين نتنياهو، حرص رأس هرم الإدارة الأميركية على تأييد أميركا للحليفة الاستراتيجية في قصف غاراتها الجوية المتواصلة، لقطاع غزة معتبراً ذلك “حقاً مشروعاً في الدفاع عن النفس”. من جانب آخر عرض أوباما على نتنياهو”وساطة الولايات المتحدة مع حماس للتوصل إلى وقف لإطلاق النار”،أسوةً بما تم التوصل إليه بين الكيان والحركة قبل عامٍ ونصف، في الاعتداء الصهيوني على قطاع غزة، في عام 2012، وقد أسمت إسرائيل حينها عمليتها باسم “عامود السحاب”. معروف أن الولايات المتحدة صنّفت حماس، كما معظم الفصائل الفلسطينية، بالتنظيمات “الإرهابية”! عرض الرئيس الأميركي بالتالي يثير الدهشة والاستغراب، فكيف بأميركا تعرض وساطتها مع تنظيم فلسطيني تعتبره”إرهابياً”؟. عرض الوساطة يتقاطع مع ما أعلنه رئيس حركة حماس خالد مشعل في كلمته المتلفزة، والتي قال فيها: “بأن دولاً أوروبية وعربية كثيرة طلبت من حماس ـ بشكل مباشرأو عن طريق وسطاء ـ التوصل إلى وقف لإطلاق النار(تهدئة) مع إسرائيل”، أسوة بتهدئتين سابقتين. ربما قصد أوباما بعرضه، عدم الاتصال بحماس مباشرةً، وإنما عن طريق وسطاء مثل: تركيا ومصر، على سبيل المثال لا الحصر، بغض النظر عن وسيلة الاتصال فإن العرض يمثّل موقفاً فيه بعض التغير ) للإدارة الأميركية من الحركة.
بدايةً، من الضروري التوضيح: أولاً بأن العدوان الصهيوني لا يستهدف حماس وحدها، وإنما عموم الشعب الفلسطيني، وكل الفصائل الفلسطينية، فالغارة الصهيونية لا تفرّق بين هذا وذاك من الفلسطينيين، فالشهداء بالمئات والجرحى بالآلاف(والحبل على الجرّار) ما دام العدوان الصهيوني مستمراً(وهذا ما أوضحه مشعل في كلمته)، وهم موزعون على كافة الفصائل، وغالبيتهم من المدنيين، بينهم الشيوخ والنساء والأطفال وعائلات بأكملها استشهد أفرادها جميعاً.
ثانياً: الهدف الإسرائيلي من اقتصار الإعلان الإعلامي عن استهداف إسرائيل لحماس هو محاولة تزوير لأهداف العدوان، وأبرزها: استهداف الفلسطينيين بالكامل، وفصائلهم المقاتلة جميعها ومخزون الصواريخ في القطاع.
ثالثا:، قتل روح المقاومة لدى الفلسطينيين وإجبارهم على الرضوخ للحل الصهيوني.
رابعا: إن كافة الفصائل الفلسطينية مثل: حماس من خلال “كتائب القسّام”، حركة الجهاد الإسلامي من خلال”سرايا القدس، الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين من خلال “كتائب الشهيد أبو علي مصطفى ،” أجنحة فتح العسكرية من خلال”كتائب الأقصى” وغيرها من التنظيمات …. كلها تقاتل العدو الصهيوني، وتُطلق الصواريخ على أهداف في الداخل الإسرائيلي. لذا فإن العرض الأميركي المنّصب على الوساطة مع حماس هو ترديد للمقولة الإسرائيلية وما تهدف إليه.
إن العرض الأميركي بالوساطة، هو محاولة إنقاذ لنتنياهو، وبخاصة بعد تصريحاته المتعددة، ومؤتمره الصحفي الأخير، وقد وعد فيها “بأن العملية ستطول”،كذلك صرّح بنفس السياق وزير الحرب موشيه يعلون، وأيضاً وزراء وقادة عسكريون آخرون . مما ذكره نتنياهو”لن يمنعنا أي ضغط دولي من العمل بكل قوتنا ضد منظمة إرهابية تدعو إلى إبادتنا”. أما ليبرمان وزير الخارجية (والذي فكّ تحالفه مع الليكود مع بقاء وزراء حزبه في الحكومة) فقد صرّح “بان عملية الجرف الصامد ـ اسم العدوان ـ لا تزال في المرحلة الأولى: الهجمات الجوية، أتوقع أن نقرر قريباً المرحلة المقبلة”. وفي نفس الإطار تصريحات رئيس الأركان. الإنقاذ الأميركي لنتنياهو لتجنيبه المزيد من الخسائر في حرب برية واسعة وتجنيبه المزيد من الإنعكاسات على الداخل الصهيوني، بعدما لاحظت الولايات المتحدة تداعيات الحرب الإسرائيلية على الداخل الإسرائيلي: وصول الصواريخ الفلسطينية إلى أماكن متفرقة في الكيان: مدن ومستوطنات كثيرة في إسرائيل من شمالها إلى جنوبه ومن شرقها إلى غربها، وما تثيره صفارات الإنذار من رعب لدى الإسرائيليين، وهذا ما لم يتعودوه سابقاً، فالحروب وفقاً للعقيدة الأمنية الإسرائيلية تُخاض في أراضي العدو بمعزل عن الجبهة الإسرائيلية. هذه المقولة لم تعد صالحة، فصواريخ المقاومة في عام 2006، وفي عام 2008-2009 ،2012، 2014 تطال أهدافا بعيدة في إسرائيل. أيضاً هناك انقسام بين القيادات السياسية وأيضاً العسكرية الإسرائيلية، فالحرب البرّية إن خاضتها إسرائيل، فستواجَه بمقاومة فلسطينية واسعة، تُلحق بإسرائيل خسائر فادحة في الأرواح والآليات، وبخاصة أن الفصائل الفلسطينية تمتلك صواريخ مضادة للدروع من نوع “كورنيت”، وصواريخ” أرض جو”، وأصيبت مدرعات ودبابات إسرائيلية على الحدود مع غزة، وتم إطلاق طائرة من دون طيار لكشف أهداف صهيونية. الانقسام على الموقف من الحرب البرية وتوسيع الهجوم وصل أيضاً إلى الشارع الإسرائيلي. أيضاً تعاني إسرائيل من أزمات سياسية، واقتصادية، واجتماعية عديدة: انخفاض السياحة، ارتفاع وتيرة الهجرة المعاكسة، عجز الميزانية، اقتطاع من أموال التأمينات والضمان الاجتماعي وغيرها.هذه هي أبرز أسباب عدم قيام نتنياهو بالحرب البرّية حتى اللحظة. لذا وانطلاقاً من أسباب أميركية محاولة التهدئة في المنطقة، فالإدارة الأميركية ليست في وارد حربٍ جديدة لا تعرف نتائجها. لذا تقف الولايات المتحدة ضد توسيع الحرب وقيام بالهجوم البرّي الإسرائيلي، وهي أيضاً تريد إعادة ماء الوجه لنتنياهو، فمن الصعب عليه التراجع عن تصريحاته.
الوضع الإسرائيلي الآن مشابه للوضع إبّان عدوان الكيان على لبنان(الذي نعيش ذكراه الثامنة) في عام 2006. إسرائيل حينها وحليفتها الأميركية، وعن طريق وزيرة الخارجية آنذاك ( في اجتماعها المشترك مع زعماء جهات وأطراف لبنانية عديدة) رفضتا وقف اطلاق النار، لكن حين دخلت إسرائيل حرباً برية في جنوب لبنان ، وبعد الخسائر البشرية الكثيرة التي تكبدتها قواتها وآلياتها، وانطلاق صواريخ المقاومة اللبنانية لتصيب أهدافاً كثيراً في إسرائيل، طلبت الأخيرة من الإدارة الأميركية، التوسط للتوصل إلى التهدئة، هذه المهمة قامت بها رايس رغم كل تعنتها السابق.الحقيقة الوحيدة من كل ما سبق: أن الكيان لا يستجيب إلا للغة القوّة.

إلى الأعلى