الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رج مفهوم العروبة…. النسابون (1)

رج مفهوم العروبة…. النسابون (1)

أ.د. محمد الدعمي

” ظهرت شخصية “النساب” على أبهى صورها: رجل يرتدي بدلة رسمية وربطة عنق، صيفاً وشتاءً، فتراه يحمل حقيبة دبلوماسية، يتنقل من بيت لبيت ومن دائرة لدائرة بحثاً عمن يحتاج لتوثيق نسبه بالقبائل العربية القح، مقابل أموال، بطبيعة الحال. لو كان المرء يحيا في عراق البعث، فانه لم يكن في منأى عن واحد أو أكثر من هؤلاء النسابين….”
ــــــــــــــــــــــــ
يعد جيلي من أقوى الأجيال تواشجاً بالعروبة وبآفاق الانتماء القومي. ربما كان هذا من معطيات الأنظمة القومية والتي توالت على السلطة في العراق من سنة 1963 حتى 2003، إذ تحول الإنتماء القومي حقبة ذاك إلى حال من الإعتداد والفخر، بل وحتى الحمى، خاصة عندما وظف الانتماء القومي شرطاً مسبقاً للانتماء للعراق، على عهدي البعث، الأول 1963، والثاني 1968-2003.
كانت من النتائج المضحكة لهذه “الحمى” التي مهدت الطريق للحرب العراقية الإيرانية، بعد أن أُطلقت الأجهزة البوليسية آنذاك بعمليات مكثفة لاصطياد العوائل ذات الأصول الإيرانية، والتي وصمت بالـ”تابعية”، باعتبار تابعيتها إلى إيران وليس إلى تركيا العثمانية، أقول إن النتيجة المضحكة تبلورت بظهور “تجار انساب”: نسابون، إتخذوا من تتبع شجرة عائلة المرء إلى قحطان أو عدنان أو قيس حرفة. كانت هذه، بطبيعة الحال، حرفة مدرة للغاية اثناء إنطلاق “حملات صيد” التابعية الإيرانية، لأن الأغنياء من هذه الأسر كانت على استعداد لبذل الغالي والنفيس في سبيل البقاء في العراق بعد تتابع عدد من أجيال العائلة فيه، ناهيك عن أن نسبة كبيرة من هؤلاء التابعية كانوا من الأثرياء الذين كانت، عمليات تهديدهم واصطيادهم وتخويفهم من “التسفير” إلى إيران، تنطوي على صفقات ورشاوى أسطورية، استغلها ضباط الأمن والمخابرات والمسؤولين الحزبيين آنذاك أيما استغلال، فاستحال بعضهم إلى رجال أغنياء بين ليلة وضحاها بعد أن كانوا في حال يرثى لها من الفقر والعفاف.
على كل حال، ظهرت شخصية “النساب” على أبهى صورها: رجل يرتدي بدلة رسمية وربطة عنق، صيفاً وشتاءً، فتراه يحمل حقيبة دبلوماسية، يتنقل من بيت لبيت ومن دائرة لدائرة بحثاً عمن يحتاج لتوثيق نسبه بالقبائل العربية القح، مقابل أموال، بطبيعة الحال. لو كان المرء يحيا في عراق البعث، فانه لم يكن في منأى عن واحد أو أكثر من هؤلاء النسابين: المهيأين بالكامل، مع نسخ قديمة من (سبائك الذهب)، بعضها مطبوع في إيران! إضافة لهذه الشخصية المضحكة ولكتبها ومصادرها السرية، تجد في حقائب هؤلاء الفاسدين أنواع شجرات العائلات التي تتبع نسب المرء، لمن يريد! فهل تريد أن تنتسب إلى هاشم؛ أم إلى أمية، لا بأس فكلاهما قريش!
وهكذا تبلورت طبقات النسب العربي على عهد الشوفينية الذي قاد إلى أن يتمكن البعض من الأثرياء، من ذوي الأصول الإيرانية، أن “يشتروا” نسباً يعربياً مناسباً يضعهم في منأى عن غارات البوليس السري. بل أن للمرء، إن كان متمكناً بما فيه الكفاية أن “يشتري” نسباً إلى الدوحة الهاشمية. وهكذا، انقلب العديد من الأفراد إلى “أشراف”، أو “سادة”، حسب اللهجة العراقية، حيث يوقرون، ليس على انجازاتهم، ولكن على نسبهم الشريف.
أما المأزق الحقيقي، فقد حاق بغير العرب من العراقيين، كالآشوريين والتركمان والكلدان، من بين سواهم من الأقوام التي تمسكت بالعروبة آنذاك، وانتزعتها لحظة سقوط النظام 2003.
ومن الطريف أن نذكر حكاية مفادها أن القوم قد تفاجأوا، يوماً، عندما أعلن رجل هندي، ممن يستقرون في إحدى مدن العتبات المقدسة (الكاظمية)، بأنه “سيد” اي شريف ينتسب ليس إلى آل كابور ولا إلى آل خان ولا إلى آل راجندرا، وإنما إلى هاشم بالذات، بناء على حلم:
إذ أنه رأى في المنام، كما يدعي إحدى نساء آل النبي صلى الله عليه وسلم، وهي تقول له “أي ولدي”. وهكذا اكتسب الهندي نسباً شريفاً من أنقى مصادره الهاشمية بفضل منام، دون أن يدفع فلساً واحداً.

إلى الأعلى