الخميس 21 يونيو 2018 م - ٧ شوال ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق : نحو إطار وطني لصناعة العقل الاستراتيجي بالمؤسسات

في العمق : نحو إطار وطني لصناعة العقل الاستراتيجي بالمؤسسات

د. رجب بن علي العويسي

تنطلق نظرتنا لصناعة العقل الاستراتيجي الوطني من تعظيم القيمة المضافة للفكر الخلاّق والخبرات والتجارب الاستراتيجية بالمؤسسة، وأفضل الممارسات الرائدة الناتجة عن تفاعل الخبرات والتجارب والتوجهات والنماذج العملية والقيمية التي تتكون منها ذاكرة المؤسسة، وتشكّل رصيدا فكريا وعمليا يرسم مسارات وخطوط الإنتاج فيها، بحيث تمتلك المؤسسات خلاله مسارات استراتيجية في إدارة طبيعة الظروف والمستجدات الحاصلة في عملها، وضبط العمليات الداخلية التخطيطية والتنظيمية والتقييمية ومنظومة الموارد البشرية بما يعزز من جودة الأداء وتنويع الخيارات وبدائل المعالجة، وترقية مستوى الشراكات لتصبح أكثر إنتاجية، وتعزيز التكامل وتجسير فجوة السياسات والممارسات، وتوفير نماذج أداء وممارسات عمل نوعية متوازنة، قادرة على ربط منجز المؤسسة بطموحات المستهدفين، وتوظيف عمليات التشخيص والمتابعة والتحليل والمقارنات، في رصد أفضل الممارسات الرائدة الناتجة عن تفاعل الخبرات والتجارب والنماذج العملية والقيمية التي تتكون منها ذاكرة المؤسسة، وتحويل الابتكارية في الممارسة وأدوات العمل وآلياته إلى استراتيجيات مستديمة تظهر في قوة المنافسة والكفاءة الأدائية الداخلية والخارجية في الكادر البشري وثقافة إدارة المؤسسة وصناعة القرار فيها، وتوظيف الخبرات المؤسسية والممارسات المجيدة، في بناء اتجاهات إيجابية ترقى بأنماط العمل، وتسهم في تعزيز الكفاءة في المهام الادارية، وتفعيل إدارة نظم المعلومات والمؤشرات من خلال تحليل نتائج الاحصاءات والبيانات وتيسيرها، وتعظيم القيمة الاستثمارية لها في المؤسسة.
هذا الطموح يضع المؤسسات أمام تحول جديد في طبيعة الممارسة وطريقة أداء الخدمة ومنهجية التعامل مع التوقعات المتجددة، وهو المدخل الذي يمكن لمنظومة الجهاز الإداري للدولة ومؤسسات المجتمع المدني الفاعلة والمؤسسات الخاصة ومؤسسات التعليم والجامعات، أن تعمل على استدراكه في ظل بيئة مؤسسية محفزة وهياكل تنظيمية مرنة، ومنظومة قرارات استراتيجية منتجة، بما يقدم لها فرص قراءة التطوير من زوايا مختلفة، واليات تتفاعل مع الواقع وترتبط به وتتماشى مع قواعده، فتقلّل من مسألة الاجتهاد وتباعد الأهداف وتضارب التوجّهات، فإن التحدي المالي الذي تواجهه منظومة العمل الوطني الناتج من تراجع أسعار النفط يجعل منه محطة نهوض لصناعة البدائل والابتكارية فيها واستثمار الفرص وإيجاد مداخل استثمارية تبدأ من تعزيز دور الرأسمال الاجتماعي والمعرفي البشري في إدارة برامج التطوير وتفعيل فرص البحث في مواردها، وإدارة ذاتية لخبراتها وتجاربها وجوانب التميز في أدائها، وما يرتبط بذلك من فرص التقارب والشراكة والتناغم في الوصول للغايات الوطنية العليا، وتكامل محتوى الخطاب المؤسسي في توظيف البيئات الرقمية والتقنية والاعلام والموارد والتقدير المجتمعي بشكل يضمن تحقيق معادلة التوازن بين مسارات التسويق للمنجز المؤسسي والمهنية في طريقة تقديم عملياته ونواتجه للمستفيدين واستيعابهم لهذه الإجراءات وتفاعلهم معهم.
وعليه فإن تمكين العقل الاستراتيجي من النمو بمؤسسات الجهاز الإداري للدولة، يرتبط بمسألة المرونة في التشريعات والقوانين وتنوع معايير القياس والرصد ووضوحها وسلامة أدوات التطبيق ومسارات العمل، إذ تكون السياسات الموجهة لصناعة العقل الاستراتيجي مختارة ومنتقاة بما يضمن لهذا المنجز فرص الدعم له من قبل العاملين بالمؤسسة ودفاعهم عنه، كونه مبنيا على تخطيط متقن ونواتج متوقعة مدروسة ، وليس كردّات فعل وقتية أو اهتمامات لحظية، إذ من شأن ذلك أن يعمل على إدارة حركة التجويد وتقنينها وضبط مساراتها، وتقريب روح التطوير من قناعات العاملين والمستفيدين بما يضمن توافقهم الفكري واندماجهم في خطط التطوير ذاتها، لذلك لم يعد دورها مجرد تأدية خدمة في مجال اختصاصاتها، بل عليها البحث في توقعات المستفيدين من الخدمة واستقراء البدائل المناسبة في التعامل مع احتياجاتهم مراعية معايير المنافسة ومتطلبات إدارة المشاعر وتمكين القدوات والاستخدام الذكي للمعرفة في رصد التوقعات.
من هنا تأتي أهمية إيجاد إطار وطني يؤسّس لبناء مراكز الفكر الاستراتيجي الداعمة للمؤسسات في عملها سواء كان على مستوى المؤسسات أو على المستوى الوطني ( مظلة مؤسسية عليا لصناعة العقل الاستراتيجي تحتوي هذه الجهود وتقرأها وتعيد انتاجها بطريقة استثنائية عبر جهد علمي متخصص ودقيق يدخل في العمق المؤسسي ويقيم ما بين السطور ويستشرف نواتجه في توجهاتها القادمة ) تحظى بالاستقلالية والصلاحيات وقوة التشريعات الداعمة لعملها ، وهو ما يضمن وضع العقل الاستراتيجي ( القيمة النوعية لمتلازمة الخبرة والتجربة والمهارة ) بمؤسسات الدولة المختلفة في موقعه الفاعل في هياكل المؤسسة وتقسيماتها التنظيمية وقربه من القرار المؤسسي، وبالتالي تكوين قاعدة بيانات بالخبرات والتجارب والممارسات النوعية بالمؤسسات والاستثمار فيها والتحليل النوعي لها، بما يقدم للمؤسسة فرصاً أكبر لقراءة التطوير من زوايا مختلفة.
إن قناعتنا بقدرة مؤسسات الدولة على ضمان حضور العقل الاستراتيجي في الفعل والقرار المؤسسي، والشعور المشترك بأهمية التكامل في التوجهات وأنماط العمل الاحترافية، يستدعي الاستمرار في خط سير المراجعة للسياسات البرامج، وإعادة النظر في تقسيمات المؤسسات ودمج بعضها وتقييم نشاط الاخر وإعادة صياغة بعض المهام والاختصاصات بشكل يحدد موطن القوة وجوانب الخلل، مستفيدا من تقرير جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة ومشروعات القوانين والدراسات البرلمانية لمجلسي الدولة والشورى وغيرها كمنطلقات تعيد النظر في الممارسات التي تتجافى مع متطلبات العقل الاستراتيجي الوطني لتظل خلاله المؤسسات في عملية تطوير دائم، ومثار نقاش مستمر لإنجازاتها، وطريقة تعاملها مع توقعات المواطن وطموحاته ووفائها بمبادراتها، عندها يمكن أن يوجه العقل الاستراتيجي بوصلة مسار العمل وجاهزيته لذلك.

Rajab.2020@hotmail.com

إلى الأعلى