الثلاثاء 18 سبتمبر 2018 م - ٨ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / هل الماضي حقا أفضل؟!

هل الماضي حقا أفضل؟!

د.احمد مصطفى

”لكل ظرف وعصر محاسنه ومساوئه، فالماضي لم يكن كثيف استهلاك الطاقة وبالتالي لم يكن البشر أكثر تدميرا للبيئة. وفي الماضي كان التطور بطيئا فيسهل على الناس استيعابه، أما الآن فلا يكاد المرء يلاحق التطور وتنفصل أجيال متقاربة زمنيا بسبب اتساع الفجوة وما يترتب عليه من قيم وسلوكيات. كانت المتعة والترفيه في الماضي تتطلب جهدا وكلفة وبالتالي يطول أثرها،”

تمتلئ صفحات مواقع التواصل بالصور والفيديوهات (بعضها أبيض وأسود) التي تذكر بمظاهر الحياة في بلاد ومجتمعات مختلفة في سنوات بداية القرن الماضي أو منتصفه أو حتى ما قبل عدة عقود. وبعض تلك المنشورات يقارن بالصور والفيديو بين الأمس البعيد والقريب واليوم، في الأغلب الأعم ليبرز من المقارنة أن الماضي كان أفضل وأن مسيرة البشر على الأرض إلى تدهور. بل إن هناك مواقع ومجموعات (جروب) تتفرغ لذلك وتبذل جهدا بحثيا لانتقاء ما يتناقض مع الحاضر ويبرز جمال الماضي. ولعل من الأمثلة الأكثر شيوعا أن تجد صورا لشرطيات في إيران وشواطئ مصر قبل انتشار الحجاب والخمار والنقاب ومدارس تونس المختلطة ولبس البنات على الموضة. وفي بعض الأحيان توضع تلك الصور مقابل صور منتقاة من الحاضر تظهر العكس. هناك أيضا صور من خمسينيات وستينيات القرن الماضي تظهر مدنا بها شوارع واسعة غير مزدحمة ومبان منسقة .. الخ وأيضا توضع مقابلها صور لعشوائية الواقع من طرق ومبان وزحام. والقصد النهائي في الأغلب الأعم هو أن يخلص المتابع إلى فكرة “كم كان الماضي جميلا، وكيف أن الحاضر بشع”.
ليست تلك الخلاصة صحيحة تماما، وإنما هو لعب بصري لا يختلف كثيرا عن تحرير الصور والفيديوهات بشكل متعمد لإيصال رسالة معينة ليست بالضرورة واقعية أو صحيحة. مفهوم أن الناس تحن للماضي (نوستالجيا) بغض النظر عن كونه جميلا أم لا، وربما يأتي ذلك الحنين أكثر كلما تقدم العمر وأحس المرء أن ما فات أكثر مما بقي وبالتالي لن يستطيع أن يحسن كثيرا من وضعه. ويكون رد الفعل النفسي هو الرغبة في العودة للماضي وبالتالي تصوره جميلا. لكن الأهم هو أن تلك المقارنات بين الماضي والحاضر تفتقر للسياق، الذي قد يكون عاملا حاسما في استخلاص أن الحاضر ربما كان أفضل كثيرا من الماضي. فالابتسار والتبسيط الشديد يعطي غالبا صورة غير دقيقة تؤدي لنتائج ليست سليمة في الأغلب. ولأن التبسيط يسهل ابتلاعه يستهلكه الناس بسرعة دون أي تفكير أو تمحيص. وتلك سمة كادت أن تصبح عامة في العقود الأخيرة مع وفرة المعلومات وسهولة الاتصال عبر الانترنت وتطور التكنولوجيا التي تسهل الاجتزاء والتلفيق. وبالطبع فالنتيجة هي السطحية الشديدة وضحالة التفكير في أي أمر على طريقة (لماذا أتعب نفسي، كله في جوجل).
ماذا لو نشر المرء صورا لكل ما يعبر عنه التطور في مجالات حياة البشر في شوارع القاهرة والاسكندرية وبيروت حاليا، مقارنة بالإنجازات المتواضعة قبل خمسين أو مئة عام؟ هل سيعني ذلك أن الحاضر “أجمل من الماضي”، أو حتى أن الماضي لم يكن أجمل؟ ماذا لو بث فيديو لوسائل المواصلات الحالية وامكانية التنقل بين عمان واثينا مقابل استخدام وسائل النقل في بدايات القرن الماضي أو الذي قبله؟ الواقع أن الأجمل والأقل جمالا مسألة نسبية في القياس، تعتمد على زاوية النظر وظروف الحكم في وقتها وفي الأخير ليس هناك حياد ولا موضوعية في مثل تلك الأحكام. كان الحاضر أجمل في بساطته وقلة عدد الناس على الأرض والحاضر أجمل بسرعة الوصول للأماكن وسهولة التواصل عبر التقنيات الحديثة. نعم، يظل هناك حنين للماضي لدى الأجيال الأكبر سنا ممن كانوا يعرفون عبر قراءة الورق، حتى لو طوروا امكانياتهم وأصبحوا يعرفون باستطلاع الشاشات الكبيرة والصغيرة (الهواتف الذكية), لكن ذلك لا يمكن أن ينفي جمال الحاضر بكم المتاح رقميا في مساحات لا تكاد تلحظ مقابل تلك المعارف الورقية في أطنان من الكتب والملفات.
لكل ظرف وعصر محاسنه ومساوئه، فالماضي لم يكن كثيف استهلاك الطاقة وبالتالي لم يكن البشر أكثر تدميرا للبيئة. وفي الماضي كان التطور بطيئا فيسهل على الناس استيعابه، أما الآن فلا يكاد المرء يلاحق التطور وتنفصل أجيال متقاربة زمنيا بسبب اتساع الفجوة وما يترتب عليه من قيم وسلوكيات. كانت المتعة والترفيه في الماضي تتطلب جهدا وكلفة وبالتالي يطول أثرها، أما الآن فأصبحت الخيارات أوسع والوصول إليها أسهل ومن ثم لا تدوم كثيرا. في الماضي كانت المجتمعات أكثر تماسكا، والعلاقات العائلية والأسرية قوية، أما الآن فالفردية أصبحت مسارا رئيسيا حتى تكاد تصل لدى البعض إلى “انفصام” لدى الشخص الواحد. هل يمكن الحكم هنا على “أيهما أجمل؟”! هذا أمر صعب، فما كان يناسب الماضي لا يمكن أن يستمر مناسبا في الحاضر مع كل التطورات التي تشهدها البشرية ومبتكراتها للتعامل مع الطبيعة.
غالبا ما يردد العلماء مقولة “إن الطبيعة تجد طريقها بنفسها”، وهذا ينطبق أيضا على الحياة بشكل عام. وهكذا مع التغيرات التي تطال حياة البشر تتغير سلوكياتهم ومفاهيمهم وعلاقاتهم بما يحيط بهم. سيظل البعض يحن إلى الماضي، وستأتي أجيال تحن إلى هذا الحاضر الذي نعيشه، بل إننا الآن نشهد جيلا حديثا لا تمر بضع سنوات حتى يحن إلى ماض قريب جدا. أليس من يستخدمون “التخزين الإلكتروني السحابي” حاليا في حنين للأقراص المدمجة؟ ألا يضحك بعض الأولاد والبنات الآن حين تحدثهم عن الووكمان والآيبود كوسائل لسماع الموسيقى؟

إلى الأعلى