الخميس 20 سبتمبر 2018 م - ١٠ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن الـبر وأثـره في النفـس (5)

شـذرات مـن هـدي القـرآن الـبر وأثـره في النفـس (5)

(الـبَّرُ الـرحيـم) هـو الـذي يستـوعـب الكل دون أن يستثـني أحـداً مـن بـره

ناصر بن محمد الزيدي:
الحـمد لله رب العـالـمين، والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلين، وخاتم النـبيين وإمـام الـمتـقـين، وحجـة الله رب العـالـمين، وعـلى آلـه وأصـاحـبه أجـمعـين ، وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـلازال الحـديث مـوصـولاً عـن الـبر وأثـره في الـنفـس الـبشـرية: ولـقـد جـمعـت الأم بـين النـقـيضين بـفـضل ما أفاض عـلـيها الله مـن واسـع فـضـله، لأنه هـو الـبر الـرحيـم بـعـباده، وذلك مـن رحـمته الـواسـعـة، مما جـعـل تستـعـذب الأم ذلك العـذاب مـن الحـمـل والـولادة.
وكـذلك نجـد الأم تسعـد بالآلام وتستمتع بالـوهـن، لهـذا أمـر الله الإنسان أن يحـسـن إلى الـوالـدين، ولاسـيما الأم لـما أعـطـت مـن بـر ورحمة ممـزوجـين بالـوهـن (الضـعـف).
الـبر الـرحيـم: هـو الـذي يـرحـم كلـما حصـل الالـتجـاء إلـيه سـبحانه وتعالى، ولـذا كلـما الـتجـا إلـيـه عـبـد مـن عـبـاده حـفـظـه مـن كل سـوء وعـطـش وجـوع وفاقـة.
وقـد أوحى الله إلى رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم)، أن يـذكـرهـم بمـوقـف الـنبي إبـراهـيـم خـليـل الـرحمن حـيث قال تعالى:(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ، إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ، قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ، قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ، أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ، قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ، قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ، أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ، فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ، الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ، وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ، وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ، وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ، وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ، رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ، وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ، وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ) (الشعـراء 69 ـ 85).
والـبر الـرحيـم: هـو الـذي يستـوعـب الكل دون أن يستثـني أحـداً مـن بـره ولـذا فـهـو الـبر الـكامل بالحسنات ولا نقـيصة فـيه.
والـبر: مـصـدر وليس مـشـتقـاً، أي: إنه مصـدر للاشـتقـاق، ولـذا فـهـو الـذي تسـتـمـد مـنه الحـسنات والـرحـمات.
فالطائـر الـذي يحـمـل الـطــعـام في مـنـقـاره الصـغـير لأفـراخ له أعـجـزها الـبـرد والـصـغـر والـضـعـف، مـمن اسـتـمـد هـذا الحـنان الـذي جـعـله يتحـمـل ذلك؟، اسـتمـده مـن الله الـبر الـرحـيم.
والحـيـوان الـذي يحـنـو عـلى صـغـيره، بالـرغـم مـن كـونه وحـشاً غــير ألـيـف، مـن الـذي دفـعه لـتـلك الـرحـمة الحـانـية، عـلى صـغــير مجهـول المسـتقـبـل في عـلاقـته بأبـويه؟، مـا دفـعه إلى هـذه الـرحـمة إلا الله الـبر الـرحيـم.
وهـذا مـما قال الله تعالى في كـتابه العـزيـز، قال تعالى:(وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) (الإسـراء 23 ـ 24)، وقال تعالى:(وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) (لـقـمان ـ 14).
والحـقـيـقة التي لا جـدال فـيها أن كل مظـهـر مـن مـظاهـر الـبر يكـمـن سـره في سـريان نـور الاسـم (الـبر) في هـؤلاء الـرحـماء وغـيرهـم، مـن مخـلـوقات الله التي لا يـحـصـيها إلا هـو سـبحانه الـبر الـرحـيـم.
ومـا وصـلنا إلـيه بـعـد تعـمـق في مـصادر الـعـلـم مـن كـتاب وسـنة وكـتب لـغـة، وكـتب تـفـسير وشـرح للحـديث، أن الاسـم الـبـر (كـمادة لـغـوية) لها عـلاقة بها بالشـكل الـمـرسـوم هـكـذا (الـبر) بالـباء الـمـفـتـوحة) فـهـذا الـمـظـهـر لا ينـطـبـق إلا عـلى الله الـبر الـرحـيـم.
و(الـبـر) بسـكـر الـباء، هـو مجـمـوع الخـلـق الحـسن والخـير والإحسان في صـوره وأفـعـاله، وهـذا هـو الـمـظـهـر العـملي للـبر، أو ما يمـكـن أن نسـمـيه بالـنـمـط الـسـلـوكي، الـمـشـتـمـل عـلى الـقـول والـفـعـل، والحافـز الـذي يحـفـز الـفـرد للـفـعـل وبـدافـع مـن الشـعـور الـداخـلي، الـمـفـعـم بـكل أحـاسيس الـوفـاء والـرغـبة، في تـقـديـم فـعـل مماثـل لـما قـدم له مـن خـير في مـراحـل عـمـره الـمخـتلـفة.
لـذلك فإن الـبار وهـو الـمتخـلـق بـهـذا الاسـم يحـوي الـشكـر والعـرفان وأداء ما عـلـيه مـن واجـبات نـحـو الآخـرين، سـواء أحـسـنـوا إلـيه أم أسـاءوا، فـيـتـوجه بالـرحـمة والـبر لكل مخـلـوق عـلى وجـه البسيطة، وهـذا الـمتخـلـق بالـبر الـمـطـلـق، الـذي هـو مـدار الـبحـث في أسـماء الحـسنى مـن حـيث الـمـدلـول، والعـلاقة بالخـلـيـفة الـمـتـخـلـق بالاسـم الـبـر.
الاسـم الـبر في أسماء الله الحـسنى: جـاء في التـنـزيـل العـزيـز قـوله تعالى:(إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ، فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ) (الطـور 28 ـ 29)، فـقـوله:(إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ) ورد مـرة واحـدة وفـيها إشارة وتنبيه لـنا بأن الـبر واحـد كـما أن الله إلـه واحـد، وأنه لا بـر إلا الـبر، ولا أبـر مـن الـبر الـرحـيم الـمـطـلـق ، لأنه هـو الـواحـد فـلا يـبره بـر أحـد.
وهـذا لأن الـبـر مصـدر مـن حـيث اللـغـة، والـبار مشـتـق اسـم فاعـل ولا يصح أن يـكـون الـبر المـطـلـق الـذي يسـع الكـون ومـن فـيه وما فـيه مشـتق مـن غـيره بـل الـذي يصـح أن يـكـون الـبار الـذي يتمـثـل الاسـم الـبر أن يـكـون مشـتقـا مـن الـبر الأعـظـم المـطـلق، فـيتـمـثل أمـره ويجـتنـب نهـيه، والـذي يتمثـل بالـبر هـو الخـليفـة الـذي يسع غـيره بجـوده وإحسانه وعـطـفه ولـطـفه وكـرمه.
.. وللحـديث بـقـية.

إلى الأعلى