الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
في فتح مكة

في فتح مكة

أنس فرج محمد فرج
من ثلاثمائة وخمسة مسلمين مقاتلين في بدر إلى عشرة آلاف مسلم في فتح مكة ومن النصر بالتحام السيوف في بدر إلى النصر بالرعب في فتح مكة ولكن المسألة ليست هينة كما تبدو في ظاهر سردها المبسط فإن حكاية هذا الفتح لهى أهم وأخطر مراحل المواجهة في صدر الإسلام فإن المخاطر لم تأخذ هدنة في هذا الدين الناشئ ولا لحظة واحدة لا قبل الفتح ولا خلاله ولا بعده إلى أن أمكن في نهاية المطاف أن يفتح له الضوء الأخضر فصال وجال وبدد الظلمات تماما واستقر شجرة مورقة أصلها ثابت وفرعها في السماء، أجل . فعلى درب طويل في المعاناة والإيمان والصبر ونظرة ثاقبة إلى آفاق المستقبل الواعد وقبل هذا كله إلهام نبي ووحي يوحى والقتال في هذه المرحلة قتال كبير ودرس أكبر،
بعد ستة أعوام من الهجرة برح الشوق بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فمكة والكعبة والقبلة والأهل والذكريات على مسيرة فراسخ وهم عاجزون عن بلوغها وطلع عليهم النبي بأسعد لأنباء والرؤى أنهم سيدخلون المسجد الحرام إن شاء الله محلقين رؤوسهم ومقصرين لا يخافون سيدخلون بغير قتال وإنما ابتغاء العمرة والحج وأذيعت الأنباء وكان الشهر ذا القعدة حتى ترامت إلى قريش في بطن مكة إذن فقد أذن بالحج لا بالغزو وبدأ الزحف السلمي والروحي في عدد يبلغ ألفا وأربعمائة من المسلمين غير أن قريشا توجست خيفة وصممت وهى في عرينها ومنعتها وحميتها أن تحول بينهم وبين دخول أم القرى ، ارتابوا في نوايا المسلمين رغم إحرامهم وأمعنوا في عنادهم ولو شاء الله تعالى لمكن لمسلمين أن يحجوا في عامهم هذا ولكن لله تعالى إرادة (( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون )) العنكبوت آية 2 تجمع الفرسان والمشاة من قريش صفوفا كأنها السياج والحصون حول مكة وقد وقرت الفكرة في أذهانهم أنها الحرب لا الحج ورأى البعض أن يستوقفوا من حقيقة هدف النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فأوفدوا واحدا إثر آخر ليستبين الأمر فكانت الرسل تعود مؤكدة أن القوم لا يبتغون سوى البيت فخلوا بينهم وبينه ، ولكن أبدا ما صدقوهم كل هذه الاستخبارات لم ترجعهم عن رأيهم وما أحلمك يا رسول الله بعث إليهم بعثمان يفاوضهم وطالت المباحثات وساور النبي وأصحابه القلق فألهم الرسول أن يدعوا صحابته إلى البيعة وألا يفروا ولو هلكوا فبايعوه بيعة الرضوان التي نزل فيها قول الله تعالى (( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا )) سورة الفتح آية 18 فكانت هذه أول إشارة من السماء باقتراب الفتح وكان وعد ربنا حقا لمن يصبرون ويناضلون وشاع أن قريشا قتلت عثمان فبدا أنه لا مفر من القتال والشهادة بيد أن عثمان لم يلبث أن عاد إليهم برسالة قريش والتي مؤداها أن لو حججتم هذا العام بعددكم الكبير لأحرجنا أمام العرب أجمعين واعتبرونا قد انهزمنا أمامكم وبالتالي تتضعضع مكانتنا فحفاظا على هيبتنا فقد قررنا بإصرار ألا تحجوا هذا العام وإلا فهي الحرب إذا شئتموها وفى الأشهر الحرم واستؤنفت المباحثات وكان محلها الحديبية وكان موقفها متأزما ألم أقل أن طريق الفتح لم يكن هينا ميسورا وأن النصر لم يأت فوق طبق من ذهب أو فضة فقد كانت مباحثات الحديبية أكثر إيلاما لمشاعر المسلمين ولكن النبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي يعرف ما يريد وأوحى إليه ربه ما أوحى تحمل الكثير من رذالة مندوب قريش ومفوضها في المباحثات سهيل بن عمرو وكان على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن يقنع أصحابه ويطيب خاطرهم الذي انكسر مرتين مرة بمنعهم من دخول مكة بالتلبية حجاجا ومرة بهذه المفاوضات المضنية مع طاغوت قريش حتى أن عمر بن الخطاب ثار وساءل أبا بكر أوليس برسول الله ؟ أولسنا بالمسلمين ؟ فعلام نعطى الدنية في ديننا ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم ( يا عمر أنا عبد الله ورسوله ولن أخالف أمره ولن يضيعني ) وتم الاتفاق على ما سمى بـ عهد الحديبية وكانت الوقاحة القرشية كالهم الثقيل من أول حرف في هذا العهد وبدا أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لا ينهم فصلح الحديبية هدنة بين الطرفين عشر سنين فترة راحة من الحرب مع قريش ليتفرغ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم للدعوة رجع النبي والمسلمون إلى المدينة وقد شق عليهم خيبة أملهم في الحج على مضض وكان الكثير يحاول فهم الحكمة من تعاقد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مع قريش في الحديبية
لكن الله تعالى كان أرحم برسوله وبالمؤمنين وشاء الله تعالى أن يطمئنهم ويشفى غليلهم في هذه المحنة ففي الطريق بين مكة والمدينة وفى الوقت الذي اختاره الله نزل الوحي على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بسورة الفتح (( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا )) الفتح 1/2/3 وكانت سورة الفتح هي الإشارة التالية والحاسمة لفتح مكة كما باركت السورة الحكمة السياسية في عهد الحديبية فإن عهدها على ما في ظاهره هو بداية فتح الطريق إلى الفتح المبين ولو بعد حين وهو ما حدث بالفعل بل أن عهد الحديبية طمأن المسلمين ونشر الإسلام انتشارا سريعا واسعا فاق التصور لكن المسلمين لم يركنوا إلى هدوء استمروا في الدعوة إلى الله تعالى والمعاهدات والغزوات وبالنسبة لقريش لم تحترم عهد الحديبية فبعد عمرة القضاء في العام التالي فجعت قريش بإسلام فارسها المغوار خالد بن الوليد ومن بعده عمرو بن العاص وعثمان بن طلحة حارس الكعبة وأخذت تتخلخل قطعة بعد قطعة بغير حرب وينضم عدد من أشرافها وفرسانها إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فيزيدونه قوة على قوته ولم يكن عداء اليهود المتربصين في أطراف المدينة المنورة أقل من عداء قريش للدعوة المحمدية بل أشد وكم عاهد اليهود محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم ونقضوا عهدهم كدأبهم وجزاء وفاقا فقد لاحقتهم الهزيمة منذ عزوة بني قريظة وبني قينقاع وبني النضير ثم أخيرا في خيبر حيث قضى على نفوذهم تماما فمن دخل منهم في الإسلام دخل ومن رحل منهم رحل وتطهرت الجزيرة العربية كلية في سنة 628 ميلادية من هذا البلاء المستشري حتى عاد بعد 1320 عاما إلى فلسطين وفى السنة الثامنة للهجرة نقضت قريش عهد الحديبية بالاعتداء المسلح وبالذبح الغادر فبات النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في حل مما قد يقدم عليه في غدة والفرصة مواتية وتأهب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لفتح مكة ونصرت يا رسول الله يا ابن عبد الله وفتحت مكة .
هذا والله ورسوله أعلى والله أعلم

إلى الأعلى