الأحد 20 أكتوبر 2019 م - ٢١ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / عامتنا تقول: “ثوب العِيرة ما يدفِّي وإن دفَّى لا يدوم”

عامتنا تقول: “ثوب العِيرة ما يدفِّي وإن دفَّى لا يدوم”

علي عقلة عرسان

نحن بين عقدة الأفاعي المعادية، نعيش اللحظة، ويكسحنا الرعب، ولا نكاد نرى المَدى الأقرب، فكيف نرى الأبعد.. وننشغل في كيفية تحاشي الزُّبانات السامة قدر الإمكان.. ومع ذلك.. مع ذلك.. مع ذلك.. نرانا للأسف، أو نرى كثرة فاعلة منا، توالي أعداءنا، وتضع الثعابين في جيوبنا.. ونجد من يدعو للصهاينة وغيرهم من الأعداء، وإلى التعاون معهم والثقة بهم؟!

قال تعالى في سورة الفتح: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّـهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ… إلى آخر الآية ﴿٢٩﴾.. نحن اليوم، في واقعنا المؤلم، لا نكتفي بقلب نص الآية ومضمونها رأسا على عقب، بحيث لسان حالنا كمن يقول: “أشداء بينهم، رحماء على الكفار”، بل نذهب إلى أبعد من ذلك بكثير، إذ واقع الأمر المُرِّ يشير إلى “حلفاء لأولئك ضد إخوتهم، وبأسهم بينهم شديد”، ويوالون أعداءهم ولا يوالون ذويهم، وإخوتهم في العروبة والإسلام. فمعظم العرب والمسلمين اليوم، يخوضون حروبا لا ترحم ضد بعضهم بعضا، وهم في خصوماتهم وأوضاعهم المأساوية تلك، يتسابقون على موالاة أعدائهم، وجذبهم، بل استجدائهم، ليكونوا أنصارا لهذا الفريق منهم، ضد ذاك الفريق.. والكل يغرق في المحنة، ويكتوي بنار الفتنة.. إنهم يبذلون في سبيل ذلك الأموال وما فوقها، ويفتحون أوطانهم للجيوش المعادية تاريخيا للأمة والدين، ويقيمون لأولئك القواعد، ويمكنونهم من الثروات كافة، في البر والبحر، ويدفعون لها ثمن الحماية من بأس بعضهم ضد بعض.. ويتسابقون، وهم يتباهون، بأي منهم يكسب العدو أكثر، ويضع أكبر الحيتان في حديقة بيته، ويملِّك القوى العظمى مفاتيح حاضره والمستقبل، حاضر الأمة ومستقبلها. إنهم يدفعون في سبيل ذلك المليارات والمليارات والمليارات.. ويعقدون الصَّفَقات والاتفاقيات، ويعتبرون أنفسهم “أندادا للقوى النووية العظمى”، تلك التي لا تكن احتراما ولا صداقة لأمتهم ودينهم، بل تذهب إلى مناصبتهم العداء، وإلى ما هو أبعد من ذلك، مما تضمنته أقوال ومساعي “إيريك برنس، المسؤول في بلاك ووتر، وسواه”، وما رشح عن الاجتماع في جزر سيشل الذي “ناقش تعاون ترامب وبوتين لهزيمة “الفاشية الإسلامية”، كما قال برنس.. وقد سبق أن وصف مستشار ترامب للأمن القومي، مايكل فلين، الإسلام ذاته، بأنه “سرطان منتشر في مليار وسبمئة مليون مسلم حول العالم، وينبغي استئصاله”.
إنهم يدركون تلك الحقائق، وذلك العداء، وتلك المواقف، ومع ذلك يتهافتون على من يقودهم إلى التهلكة.. ويفعلون ذلك، بينما معظم الشعوب، العربية والإسلامية، جَوعى، وشقية، ومُلاحقة، وتعاني من التشريد، والتخلف والبؤس بأشكاله وألوانه.
مئات المليارات تتدفق على الدول العظمى، وعلى الدول الغربية خصوصا “الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وحلف شمال الأطلسي”، ويعلن أولئك الزاحفون إلى حتوفهم وحتوف أبناء أمتهم، عن تعاون استراتيجي، وتحالف استراتيجي، بين تلك القوى العظمى والأحلاف، وبين بلدانهم وجيوشها، وهم يدركون أنهم لا يملكون ما يدافعون به عن مراكزهم وعواصمها، فكيف بهم يكونون شريكاء استراتيجيين لقوى عظمى نووية، ذات عداء لهم، وتاريخ استعماري، وأطماع دولية، وانتشار على مستوى العالم؟!.. فما هو الموقع الذي يمكن أن يحتلوه بينها، وفي صراعاتها، سوى حطب النار، ووقودها؟! وخدمات تبدأ من استباحة الأرض والسيادة، ولا تنتهي باستباحة الأمة والهوية والدين/الإسلام.
إن نظرة بسيطة جدا، بل غاية في البساطة، نلقيها على ما يجري في فلسطين الآن، بعد قرار الولايات المتحدة بشأن القدس، وما يقوم به العدو الصهيوني، رأس أعداء الأمة والدين، وحليف تلك القوى أجمعين، وما يمارسه، وما يسنّه من قوانين، ويطلقه من حملات استيطان واسعة، وتهويد سريع.. وتجرد لأبناء القدس من جنسيتهم وهويتهم المقدسية، وما يهدمونه عليهم من بيوت في وطنهم التاريخي، فلسطين؟! وما بدأ يعلنه إرهابيون منهم، من تطلعات وأفكار، ترتبط بالأهداف الأبعد، والنوايا الأصل، لكيانه كيانه الإرهاب والعنصرية، والاستعمار الصهيوني ـ الأميركي على الخصوص.. وكذلك على الوضع في سوريا، واليمن، وليبيا، والعراق، وحتى على ما تعانيه مصر، الشقيقة الكبرى، وموقع الثقل، ومرتكز الأمل العربي ـ الإسلامي، وعلى ما يجري لها وفيها… تكفي لقراءة الواقع العربي الراهن من جهة، ولمعرفة المآل العام للأمة من جهة أخرى.
ونكتفي، في هذا المجال، بالإشارة إلى أمرين، لكل منهما بعده، ودلالته، ومنعكساته على الجميع.. وأؤكد “على الجميع”، لأن لأي حدث سياسي ـ أمني ـ عسكري عميق، تأثيره الواسع، وانعكاساته الكثيرة، وارتداداته البعيدة المدى.. شأنه في ذلك شأن الهزات الأرضية الكُبرى.. لا سيما لما لهذه الأقطار العربية من موقع، وتأثير، في الحاضر والمستقبل:
الأمر الأول: يتصل بما ينتظر الصراع الدامي في سوريا من تطورات، تتداخل فيها القوى الدولية الموجودة على أرض ذلك الوطن الحبيب، وما تخطط له الولايات المتحدة الأميركية على الخصوص.. فقد قال مايك بومبيو، مدير وكالة المخابرات الأميركية، في محاضرة له في البنتاجون: ((.. رفعت تقريري للرئيس الأميركي ترامب، باقتراح النقاط التالية، وعليه اتخاذ القرار، ويعود الآن الأمر إليه:
1 – إعلان أميركا حظر التحليق الجوي فوق سوريا ولو أدى ذلك للتصدي للطائرات الروسية وبذلك يفقد الجيش السوري البري قدرته.
2 – عزل العراق كليا عن سوريا وتكليف الطيران الأميركي الموجود في العراق ضرب كل القوافل الني تعبر حدود العراق إلى سوريا لأن ضمن هذه القوافل أسلحة إيرانية من مدافع وصواريخ وعتاد عسكري كبير إذا استمر سيجعل جيش الرئيس الأسد من أقوى الجيوش في المنطقة لذا يجب قطع هذا الشريان فورا.
3 – قيام الجيش الأميركي الموجود شمال سوريا على اجتياح المحافظة والانتقال منها إلى ريف حلب وبذلك تكون أميركا قد سيطرت على 48% من الأراضي السورية وبعدها لا تسمح للرئيس الأسد بالتحرك في سوريا في مناطقها وعندها سيسقط الاقتصاد السوري كليا بعد تقسيم سوريا إلى قسم تسيطر عليه أميركا ويبلغ 48% وإلى قسم يسيطر عليه الجيش الروسي والجيش السوري وحلفاؤه ويبلغ 52%.
يجب اتخاذ هذه الخطوات لإخضاع الأسد للتسوية بالقوة.)) (٨/٣/٢٠١٨).
أمَّا الأمر الثاني، فيتصل بأفكار، ومشاريع قديمة، خلنا أننا دحرناها ودفناها إلى الأبد.. لكن يبدو أن الوضع الذي نحن فيه، وما أصبحنا عليه من أحوال مأساوية، وما ينتظرنا من كوارث الحرب وما بعدها، والتمزق وما يجره علينا، والتعادي الذي يزرع انعدام الثقة والثارات، والاعتماد على الأعداء التاريخيين، للأمة والدين، واتخاذ أولئك “أصدقاء وحلفاء؟!”.. يبدو أن كل ذلك وسواه، مما خفي وعَظُمَ شأنه وخطره.. أيقظ الأطماع، وجرأ على إظهارها مشاريع جديدة، ومطالبات، في ظل ما يدبر للوطن وعليه من مؤامرات، وما يعتمل في بعض أحشائه، وفي جوانب من ترابه وسكانه، من توجهات، وأفعال تصنَّف على أنها “خيانة”، وتواطؤ مع العدو، وتحالف معه ضد الوطن والشعب والأمة، لتنفيذ مشاريعه ـ مشاريع المتعاونين معه.. فقد نشرت جريدة معاريف الإسرائيلية مقالا بتاريخ 4/3/2018، تحت عنوان” أفكار محظور التفكير بها”، كتبه عنصري، يدعى مئير عوريئيل، وهو شخص أيا كان موقعه وشأنه، فهو لا يعبر عن نفسه، إنما ينطق باسم مشروع متغلغل في عمق الفكر الصهيوني، ومما تركز عليه ادعاءات الصهاينة، وما جاء في “بروتوكولات حكماء صهيون”، ومما يكرره بعضهم، ويتطلع إليه اليوم، في محنة العرب المُدوِّمة في فضاء الوقت، مثل “البروفيسور ألداد أريه” وغيره.. وقد جاء في المقال المُشار إليه: ((.. هذا ما ينقصنا فقط، الوصول إلى الفرات. ولكن هذا من شأنه، أو كفيل، بأن يحصل لنا في حرب جديدة مع سوريا. هذا النهر، الفرات، الذي يظهر في حدود البلاد التي وعدنا بها، لا يظهر في الأحلام، في التطلعات، أو في أهداف الحرب لإسرائيل، ولا حتى في أماني مفكرينا. ففريضة “لا تترأف”، بالعبرية الإسرائيلية، هي بالأساس فريضة، لا تترأف في توسيع الحدود. بين عظماء فكرنا، اوري تسفي برينبرج هو الوحيد الذي تجرأ على أن يحلم بالفرات. هناك بيت في قصائده الذي أثر في بشدة جمالها وسعيها، يصف كيف ينزل قدميه إلى مياه الفرات. وجدت لديه أيضا بيوتا كهذه عن الأهداف المناسبة للحرب ضد أعدائنا المجرمين: “من بيننا سيقوم المنتقم… وفي مياه البحر المتوسط سيغسل قدميه، وللفرات سيأتي ليغسل ملابسه، ويسقي أحصنته من عطش الطريق”.. هذه الكلمات، ذكر نهر الفرات في سياق الأحلام الروحية، أو أهداف الحرب، محظورة الاقتباس. أفترض أن هناك من سيسعى إلى شطبها من الفيسبوك والواتس أب وكل وسيلة إلكترونية، إذا ما ظهرت فيها في أي مرة)). إن على من يستغرب هذا التفكير، أو يستهين باستعادته، أن هذا هو جوهر تفكير العنصريين الصهاينة وحلفائهم، ومَن هم على شاكلتهم، من عنصريي ترامب، أتباع الكنيسة الأنجليكانية الأميركية، وعددهم يزيد على سبعين مليونا هناك، ومنهم نائب الرئيس مايك بينيس الذي استمعنا إلى عنصريته الفظَّة، في خطاب له أمام الكنيست الإسرائيلية، بمناسبة إعلان ترامب القدس عاصمة لكيان الإرهاب والعنصرية “إسرائيل”.. إن أولئك هم أعداء الشعوب، وأعداء الإنسانية وقيم الخيِّرة، وأعداء كل دين إلهي قويم سليم.. وإن ما أشرنا إليه، في المُقْتَبَس السابق، هو الأنموذج الوسخ من التفكير والتدبير، السائد بينهم، والمتمكِّن من أنفسهم وسرائرهم.. لكن هناك من لا يعلن عن ذاته كلاما، ويتكلم بعد أن يصل إلى ما يريد.
نحن بين عقدة الأفاعي المعادية، نعيش اللحظة، ويكسحنا الرعب، ولا نكاد نرى المَدى الأقرب، فكيف نرى الأبعد.. وننشغل في كيفية تحاشي الزُّبانات السامة قدر الإمكان.. ومع ذلك.. مع ذلك.. مع ذلك.. نرانا للأسف، أو نرى كثرة فاعلة منا، توالي أعداءنا، وتضع الثعابين في جيوبنا.. ونجد من يدعو للصهاينة وغيرهم من الأعداء، وإلى التعاون معهم والثقة بهم؟!
ليس ذلك الوضع العربي محزنا، ولا مضحكا، ولا عجيبا غريبا فقط.. بل هو أكثر من كل ذلك. وحين ينشر فرحا في بعض الأوساط، ويرفع درجة العنتريات، ويصخب في ساحات السياسة والإعلام وحتى المدن، على وقع صَنَّاجته، تغدو تلك الأنواع من “المبهِجات، المُرْقِصات؟!” خناجر مسمومة في قلب الأمة، ومحوا للذات، ومحاولات عجيبة لتشويه الدين ومحقه، باسم ” نصر” على الآخر الأخ والشريك في الوجود والمصير. وذاك في جوهره ومآلاته ونتائجه، نصر لأعداء العروبة والإسلام، على العروبة والإسلام، واحتلال مدفوع القيمة، لأرضهم وثرواتهم وقراره وسيادتهم، وتأدية نقدية، لتكايف قتلهم أنفسهم بأمر أعدائهم، وقتل أعدائهم لهم.
والناجي منهم الآن، أو الآمن في سربه منهم الآن، يدرك أنه مأكول، وأنه لن يكون شيئا خارج أمته، وهويته، ودينه وثقافته، وحضارته، وخصوصيته.. لكن.. لكن.. من تراه يقنع من يخلع ملابسه “أهله وأمته”، ويرتدي أفخر الثياب المُستعارَه، أنه العريان أولا وآخرا، وأنه سيعرى أكثر، ويبرد أكثر.. إذ “ثَوب العيرة لا يُدفِّي، وإن دَفَّى لا يَدوم”، كما تقول عامَّتُنا في أمثالِها.
في دول العرب وأقطارها اليوم، قتلٌ للأبناء والآمال والقيم والأجيال، ونزيف دمٍ، بل جريانه سواقي، على قدم وساق.. وانشغال عن الأعداء، بل واطمئنان لهم.. الجيوش العربية، والإسلامية، تقتُل وتُقتَل، وأعداؤنا يلطخون أيديهم بدمائنا.. وشعوبنا تُفنى وتَذهَل عن نفسها من هول المُصاب. أعداء أمتنا العربية، وأمتنا الإسلامية، وأعداء ديننا وهويتنا وتاريخنا.. يحرقون البَشر والأرض في أوطاننا، ويدمرون العمران، ويتقاضون ثمن صواريخهم، وأجور إطلاقهم لها، ورواتب مواطنيهم الذي يدمرون أطاننا، ويقتلون أناسنا، ويسلبون كرامتنا.. يحدث ذلك في ظل تصفيق البعض، ونشوة البعض، وشماتة البعض، واستشراء الشر والوحشية في قول البعض وفي أنفسهم.. وفي هذا المناخ الموبوء، ولا أقول المَرَضي فقط، يترسّخ العداء البيني، “العربي ـ العربي، والعربي الإسلامي، والإسلامي الإسلامي”، وتترسخ الكراهية، وتنعدم الثقة، ويزداد التمزق.
لا يمكن أن يجد الإنسان تفسيرا، لظاهرة بهذا الحجم من الهول والتَّغَوُّل على الذات، بقدر صادم من التوحش والاتساع والامتداد، ولا درءا وردعا لهذا القدر من تهافت المنطق، وبطلان الحُجج التي تسوغ هذا القدر من الضحايا والانهيار العام، ولا مسوغات لهذا السقوط في شَرَك الأعداء، ولا أسبابا لاستمرار هذا النهج المُؤسس لفداحة الخطوب، وفظاعة النتائج، والاستمرار في الانهيار.. مما يعجز عنه الوصف، ويصعُب تصديقه.. مع أن العيون ترى، والآذان تسمع، والأوضع تفجع، والصوت يعلو في الأرجاء.. “ألَّا بد من بصيرة وتبصر، ومسؤولية أخلاقية ـ إنسانية، تعلو وتحكم”.

إلى الأعلى