الثلاثاء 19 يونيو 2018 م - ٥ شوال ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / قراءة في كتاب “ماذا يعني هذا كله”

قراءة في كتاب “ماذا يعني هذا كله”

جمال النوفلي
تأليف الفيلسوف توماس ناغل
ترجمة حسين العبري

——————————
أقف على أعلى قمة شاهقة في المدينة حيث يمكنني أن استمتع بتلألؤ الشوارع الذهبية التي تكسو المدينة طولاً وعرضاً في وقت متأخر من الليل، دون أن أجد أي إزعاج من المارة او السياح، هنا على كتف عقبة (العامرات ـ بوشر) حيث الهدوء والسكون والراحة في أقصى تجلياتها في ليلة نهاية الاسبوع، مستمعا الى مقطوعات غنائية من الموشحات الأندلسية القديمة، فجأة يقترب مني شخص يمزق هذا السكون، يسلم عليّ ، يجلس معي ، يجامل نكاتي، ودردشاتي المضحكة، ثم يبدأ يحدثني عن حياته وعن طفولته الجميلة، وكيف أنه نشأ في بيئة بسيطة الامكانيات، وفي أسرة عمانية عادية، حيث كافح وثابر وعانى في حياته، حتى أنه أخيرا حقق كل ما كان يصبو إليه، بل حقق أكثر مما كان يتوقع وبإمكانه، أيضا عمل المزيد، رائع جداً يا صديقي لقد أسعدني حديثك كثيراً، وأثار في الهمة والنشاط لأعمل أكثر واستمتع أكثر بالحياة، نظر اليّ نظرة هادئة باردة، دون ان يرد بشيء، أخذ يتأمل القمر وقد بدأ يشرق بنوره من خلف مرتفعات القرم، ثم نظر إلى المدينة نظرة مستفهمة ثم مشى نحوها وألقى بنفسه من فوق العقبة..مات.
ماذا يعني هذا كله؟ رفعت صوت الموسيقى ثم أخرجت عصير الصبار وأنا استعيد تجليات ليلة الخميس الجميلة، والموسيقى وضوء القمر، وعصير الصبار اللذيذ الذي يأخذك الى أعمق لذات هذا العالم… ، لكن
ماذا يعني هذا كله؟
كتاب (what dose it all mean ) ماذا يعني هذا كله؟ لمؤلفه توماس ناغل وهو فيلسوف أميركي الجنسية ولد عام ١٩٣٧، وهو حاليا متقاعد من جامعة نيويورك التي درس فيها منذ ١٩٨٠ مواضيع فلسفية مهمة مثل فلسفة العقل وفلسفة السياسة والاخلاقيات، ومن أهم كتبه كتاب بعنوان: كيف يكون شعورك ان تكون وطواطا؟ ، صدر عام ١٩٧٤. أما هذا الكتاب فقد صدر عام ١٩٨٧ ألفه البروفيسور توماس أساسا من أجل تبسيط المواضيع الفلسفية المهمة للطلبة الراغبين في تعلم أشياء عن الفلسفة دون التوغل في تاريخ الفلسفة، وأعلامها ومدارسها ومذاهبها وأوجه الخلاف بين الفلاسفة، أو بين القديم والحديث إنه لا يتحدث عن شيء من ذلك البتة، بل هو يذهب بالقارئ مباشرة إلى المسائل الفلسفية المهمة، معتقداً ان مواضيع الفلسفة والتساؤلات الفلسفية هي أصل علم الفلسفة وغايته ومضمونه، وقد اختار البروفيسور تسعة مواضيع فلسفية فقط، تعتبر من أكثر المواضيع التي يتناولها علم الفلسفة ، والتي تشغل بال الإنسان وتثير شعوره الوجودي، لذلك لاقى هذا الكتاب إنتشارا واسعا لدى محبي الفلسفة والمتعلمين والمثقفين عامة، لأن المنطق والفلسفة هي أساس العلوم التي ينبغي على المرء تعلمها قبل أي علم آخر، بل هما أداة ووعاء العلوم. تم طباعة هذا الكتاب عشرات المرات، وترجم الى أكثر من لغة، ليس منها اللغة العربية، لهذا بادر الكاتب والروائي العماني المعروف حسين العبري الى ترجمة هذا الكتاب لذات الأسباب المهمة التي ذكرتها سلفا وربما لأسباب أخرى، وهو عمل كبير ومرهق لأن ترجمة الكتب الفلسفية هي من أصعب أعمال الترجمة، وتكمن الصعوبة في أن المواضيع الفلسفية هي نتاج عملية ذهنية خالصة وخاصة بالشخص الذي يمارسها، بمعنى آخر هي إشغال ذهني يعتمل في ذهن شخص ما عن موضوع ما، ربما لم يتم التطرق إليه قبلاً، ثم يحاول ذلك الشخص بمجهود مضن ان يترجم هذه الأفكار الغامضة والمعقدة الى افكار مرتبة، ثم إلى كلمات يمكن قراءتها وفهم معانيها، واللغة مهما كانت قوتها وإمكانيتها فإنها في الحقيقة تعجز أو لا تعطي صورة كاملة عما يدور في ذهن الكاتب، فإن كان الأمر كذلك فإن دور المترجم هنا يكون من الصعوبة، بما يمكن لك أيها القاريء ان تتخيله، ومن صعوبة التوفيق بين تلك المعاني التي يريد ان يوصلها الكتاب والمعنى الحقيقي لمفهوم الكتاب، ثم ترجمة كل ذلك الى وعي المترجم ليتمكن من نقله إلى لغته العربية بلغة سليمة واضحة، مذللا كل الصعاب التي يمكن ان تواجهه في سبيل ذلك، كابتكار بعض المصطلحات الفلسفية ونحتها الى إعادة صياغة الجمل إلى أكثر من طريقة واكثر من اسلوب حتى يوافق بين الاسلوب الاصلي للكتاب بلغته الأم وبين الأطر والأساليب المعروفة لدى اللغة العربية، والتي يمكن ان لا يكونا متوافقين فيها، لذلك نجد المترجم قد ابتكر ونحت بعض الكلمات من أجل هذا ككلمة (ملغز) وكلمة (تفيز) بشد الياء.
نعود مرة اخرى الى الكتاب المترجم الذي قدمه البروفيسور توماس ناغل بطريقة رائعة حيث يقول: ( هذا الكتاب مقدمة مختصرة للفلسفة موجهة الى الذين لا يعرفون شيئا حول هذا الموضوع. في العادة يدرس الناس الفلسفة حين يلتحقون بكلية جامعية، وأتوقع أن يكون معظم قراء هذا الكتاب من أعمار تلاميذ الكليات أو أكبر، لكن لا علاقة لهذا بطبيعة الفلسفة، وسأكون سعيدا إن اجتذب الكتاب التلاميذ الأذكياء في المدارس العليا الذين لديهم ولع بالأفكار التجريدية والبراهين المنطقية، إن قرأه أحد منهم. إن قدراتنا التحليلية تتطور عادة بشكل عال قبل أن نتعلم أشياء كثيرة عن العالم. وفي سن الرابعة عشرة تقريبا يبدأ كثير من الناس بالتفكير لوحدهم في المشاكل الفلسفية: حول ما الذي يوجد حقا في هذا العالم، وهل بالامكان معرفة أي شيء، وهل هناك حقا ما هو صواب أو خطأ، وهل للحياة أي معنى، وهل الموت هو نهاية كل شيء، هذا الكتاب مقدمة مباشرة لتسع مشاكل فلسفية، يمكن فهم كل واحدة منها بذاتها، من غير حاجة الى الرجوع الى تاريخ الافكار. لن أناقش الكتابات الفلسفية العظيمة للفلاسفة ولا الخلفية الثقافية لهذه الكتابات. ترتكز الفلسفة على أسئلة محددة يجدها العقل الانساني المتفكر ملغزة بطبعها، والطريقة الأفضل لتبدأ دراسة الفلسفة هي أن تفكر في هذه الأسئلة بشكل مباشر. وحين تنتهي من هذا التفكير ستكون في وضع افضل لتفدر أعمال الآخرين الذين حاولوا حل هذه المشاكل ذاتها).
لذا سأنتقل بكم هنا الى هذه المواضيع التسعة التي ناقشها الكتاب:
- كيف نعرف أي شيء؟
ويطرح هذا الموضوع قضية المعرفة ويناقشها، لا يناقشها في ذاتها فحسب وإنما يناقشها من حيث كيفية الحصول. فالانسان غير متيقن من وجود اي شيء حوله حتى الأرض التي يقف عليها والشجرة التي تقع خلف النافذة التي يطل عليها، لا يوجد دليل حاسم على وجود أي شيء خارج عقلك، فكيف نعرف أي شي؟ وما هو العقل ؟

- عقول أخرى
هذا الموضوع إكمال لما قبله فإن كنت غير متيقن من وجود شيء غير عقلك ونفسك فما بالك بالعقول الأخرى، هل لديها نفس الوجود وتفكر بنفس الطريقة أم بطرق أخرى، أم إنها جزء من الحلم والخيال الذي وجدت فيه فما هي الا خيالات وأوهام متولدة في مخيلتك.

- معنى الكلمات
وفيه يتحدث عن المعنى والكلمة والصوت وعلاقتها فيما بينها، و(كيف للكلمة التي هي في الأصل ضوضاء أو مجموعة من العلامات على ورقة، ان يكون لها معنى؟)
- الإرادة الحرة
وفيه يتحدث عن الإرادة الحرة، فهل الانسان حر في إرادته أم لا، ومدى مسؤوليته عن فعل الخطأ ان كان حر الارادة .. .
- الصواب والخطأ
وهذا مبحث مهم إذ يحاول ان يجيب على تساؤلات مثل ما الذي يجعل من الفعل خطأ او صوابا، هل هو سبب نابع من النفس او من الآخرين او شيء آخر، ما الذي يمنع الانسان من ارتكاب جريمة قتل لأجل سرقة محفظة نقود إن كان متيقنا من فراره بالجريمة.
- العدالة
يتحدث هنا عن العدالة واللامساواة ويجيب على تساولات مثل ( أليس من الظلم ان يولد بعض الناس أغنياء ويولد بعضهم فقراء؟ وإن كان ذلك ظلما فهل يجب فعل أي شي حوله؟)
- الموت
وهو مبحث صغير يجيب عن ماهية الموت وماذا يحصل بعد الموت؟ يفنى الجسد ام يذهب الى عالم آخر أم يصبح شبحا أم ماذا؟
- معنى الحياة
مبحث عن الحياة وجدواها وسببها وغايتها ولماذا نحن موجودون أصلا. ( فاذا كانت الحياة ليست حقيقية، وليست جدية، وهدفها القبر، فربما يكون سخيفا أن نأخذ أنفسنا بجدية كبيرة. في المقابل اذا كنا لا نستطيع إلا أن نأخذ أنفسنا بجدية كبيرة فربما علينا أن نتحمل كوننا سخفاء وربما لا تكون الحياة عديمة المعنى فحسب بل وعبثية ايضا) .

إلى الأعلى