الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 م - ١٥ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / مقهى الصعاليك

مقهى الصعاليك

محمد جداد:
في وسط المدينة وعلى إحدى أهم زواياها، يقع مقهى شعبي قديم، معروف بمقهى الصعاليك، اسمه الحقيقي مقهى “البرزة”، ولكن أبناء الحي الفقير الذين يسكنون خلف المقهى أطلقوا عليه اسم مقهى الصعاليك نقمة بملاك المقهى وبنوعية الزبائن التي تتردد عليه، فأصبح مشهورا بين الناس وسائقي الأجرة والعموم بذلك الاسم، مقهى له ثلاث نوافذ كبيرة مطلة على الشارع، له باب خشبي متوسط مصنوع بحرفية ودقة عالية، على زوايا الباب الأربع قطع معدنية ذهبية، ومقبض نحاسي، منقوش على ذلك الباب مدينة صغيرة على البحر، وبعض السفن التي ترسو على أطراف ساحلها، وشمس غائب نصفها، وأشجار جوز الهند نابتة بكثرة بين المنازل المتناثرة وعلى الشاطئ، وخلف تلك المدينة المنقوشة طوقٌ من الجبال يتطلع إلى ذلك المنظر، وتوقيع النجار أسفل الباب وتاريخ نقش الرسمة، خارج المقهى ثلاث أو أربع طاولات موضوعات على جادة الطريق ومظلة مغروزة في وسط كل طاولة، من الداخل إحدى عشرة طاولة خشبية متناثرة في وسط المقهى وفوق كل واحدة منها مزهرية، ترافق كل طاولة أربعة كراسي ، جميعها أيضا من صنع ذلك النجار المحترف، طاولة المحاسب كانت أكبر طاولة داخل المقهى وكذلك الكرسي كان فخماً ومن الجلد الفاخر، خلف المحاسب رسمة لكأس يتصاعد منه دخان القهوة ومكتوب فوقه” المذاق البريطاني الأصيل”، مقهى رغم قِدمه إلا أن أغلب زبائنه من الطبقة المخملية، يعتبر من أهم الأماكن التي تستقطب السياح القادمين من خارج المدينة سواءً كانوا عربا أم أجانب، إلى درجة أن وزارة السياحة كانت تبث صورا للمقهى في إعلاناتها السياحية عن المدينة، وعلى الحائط وخلف الطاولات المتناثرة رسمة كبيرة مأخوذة من رسمة الفنان الشهير سيلفادور دالي “توقف الزمن” إلا أنّ الرسام أضاف لها رسمة لكوب مليء بالقهوة مقلوب ولكن القهوة تعاكس السقوط، كأن الرسام قصد بهذه الحركة أن جلوسك لشرب فنجان قهوة يجعلك توقف الزمن وكان يقصد بها شيئا آخر لم أفهمه، في جداريات المقهى وزواياه صور لشخصيات عربية وعالمية مرت على هذا المكان، كانت تضفي على المقهى قيمة يفتخر بها كل من زاره وأخذ كوباً وهو يستمع إلى الأنغام الجميلة في ذلك المحل.
ملاك المقهى جميعهم لا يعملون في أي مكان آخر، يأتون كل صباح لاستقبال الزبائن مرحبين بهم ولأخذ صور معهم والتعرف عليهم، شهم، يعتبر الشخص الأهم من بين باقي الشركاء الأربعة، رجل تعدى الأربعين من العمر، له عينان جاحظتان، متوسط الطول، شعره دائم اللمعان، ابتسامته تشي بمكر ودهاء، إن غاب عن المقهى يكون نعمان الشريك الآخر متواجدا، نعمان يجيد أربع لغات، وهو شاب وسيم له بنية مشدودة وأنيق دائما، له وجه سمح، هادئ قليل الحديث، عطره الذي يُعرف به مزيج من ماء الورد والقرنفل يُشم قبل أن يطل على شركائه. أما الشريكان الآخران، سلطان “مرغوب” كما يسميه عمال المقهى والذي لا يبدأ كلامه إلا بكلمة “مرغوب” والآخر عابد ويسميه العمال سندباد، لأنه يضع عمامة شبيهة بعمامة السندباد.
خلف المقهى وفي نفس المبنى المكتب الرئيسي للشركاء، وهو عبارة عن غرفتين منفصلتين في كل واحدة منها مكتب لهما بابان لا يتقابلان، كانت تُعقد أغلب الصفقات الكبيرة في تلك المكاتب المتخاصمة، صفقات عقارية، وعقود مقاولات بالملايين، كان المقهى يجمع أكبر شخصيات، تجار، ومسؤولين، ومستثمرين، ولذلك كان المقهى مجرد واجهة او نقطة تجمع لأصحاب المصالح المشتركة. وأصبح شركاء المقهى تربطهم علاقات بكل الشخصيات المهمة، بل أصبحوا همزة وصل بين الكثير منهم. شهم، هو الوجه البارز، وهو المشرط والخيطة لأغلب الصفقات التي تُدار، كانت أغلب الصفقات التي تخرج من تحت يده له جزء منها، وكانت تلك الأموال تذهب إلى جيبه الخاص، نعمان كان يراقب الوضع ونار الغضب بداخله لا تهدأ والأفكار تدور به كطاحونة، ولكن ليس بمقدوره فعل شيء، فالشركاء الآخرون كانوا جسر عبور لأغلب تلك الصفقات، لم يلاحظ شهم عدم رضا نعمان من تصرفاته، لذلك استمر في ضرب الملايين دون أن يكترث، في إحدى المرات قال نعمان لشهم:عمال المقهى أصبحوا غير مطيعين، بعضهم وليس كلّهم، لقد بدأوا يطلقون ألسنتهم على المحاسب، فرد عليه شهم: تصرف معهم، فقام ماجد بتغيير أغلب العمال خاصة الذين في الوجهة، وأتى بعمال من خارج البلد، وأغلبهم من دول فقيرة، من شرق أفريقيا، ومن الهند، حيث أنه على علاقات مع شخصيات في تلك الدول، بعد فترة رأى نعمان شريكيه “مرغوب” و”السندباد” ينساقان وراء شهم ككلاب تتبع صاحبها، سألهم عن أحوالهما فأخبراه أن طلبنا من شهم أن يقرضنا مبلغا لكي نستثمره في سوق الأسهم لكنه قال لنا: مسافر للخارج وعندما يعود سينظر في موضوعهما، ابتسم نعمان وهو يدس طرف شاربه في فمه ثم قال: لما لا تخبراني من قبل بذلك؟، قالا: أنت!! وهما يضحكان، ماذا بإمكانك أن تفعل؟، قال لهما: غداً صباحا سوف اتصل على مدير البنك لكي يقرضكما المبلغ الذي تحتاجانه، نظرا لبعضهما باستغراب!، ثم قال السندباد: تمام يا نعمان، في اليوم التالي اتصل نعمان بمدير البنك وطلب منه أن يقرضهما المبلغ الذي يحتاجانه مقابل رهن عقاراتهم، قدم البنك للشريكين مبلغا لم يكونا يتوقعانه، شهم أو “النشمي” كما يحب أن يُطلق عليه، صار قليل الدوام في المقهى، وأصبح عنده أصدقاء من الفئة التي تقدم له خدمات ما بعد الساعة العاشرة ليلاً، مرغوب والسندباد منشغلان بجمع الأموال من سوق الأسهم، نعمان، بدأ تركيزه على المقهى وإدارته، أقال المحاسب الذي كان الذراع الأيمن للنشمي ووضع أحد العمال الذين يطيعونه طاعة عمياء، ثم استبعد كل العمال الذين على علاقة بأي من الشركاء، كان نعمان يعمل بصمت، وكان يقول لنفسه: اللعبة بدأت الآن يا نعمان.
في أحد الأيام اتصل عليه مدير البنك طالباً منه إبلاغ شركائه بتسديد المبالغ التي عليهم وإلا البنك سيعرض عقاراتهم للمزاد العلني، كانت تلك الفترة فترة انهيار سوق المال في أغلب دول العالم، وبدأت الأمور الاقتصادية تتدهور، اتصل نعمان على الشريكين أبلغهما، قالا: ليس لدينا شيء ندفعه فالحال كما ترى، الخسائر مطبقة حبالها على أعناقنا، ابتسم في داخله وهو يقول هذا ما كنت أنتظره، استغل الفرصة، قائلا لهما: لدي عرض لكما لكي أخلصكما من هذه المصيبة، قالا ما هو؟ قال: أسدد ما عليكما من دين مقابل التنازل عن حصتيكما من المقهى، وافقا مباشرةً ودون تردد، في نفس اليوم ذهبوا إلى كاتب العدل لكتابة التنازل وتوجهوا إلى وزارة التجارة مقدمين صك التنازل ونقل حصتهما إلى نعمان، شهم كان على علم بما جرى ولكنه لم يعر اهتماما لذلك فهو مشغول بأمور يراها أهم، أصبح نعمان يمتلك ثلاثة أرباع الحصص في المقهى، بعد فترة عاد شهم للمقهى، بعدما رأى نعمان بدأ يظهر في كثير من اللقاءات الصحفية والتلفزيونية وبدأ اسمه يلمع على الساحة، فعندما عاد للمقهى تفاجأ بأغلب تلك الأوجه التي لا تعرف إلا نعمان.
في اليوم التالي أتى ” النشمي ” للمقهى وعند جلوسه كان يرى صورة نعمان في أعين طاقم المقهى من الفراش إلى المحاسب، قال لنفسه: فعلا إذا غاب الذئب يلعب القط، بعدها بلحظات أتى نعمان كان ينظر إليه شهم ويرى انعكاس حضوره على العمال رأى بعض الهيبة في تلك الأعين التي كانت تنظر إليه بشيء لا يفهمه، رغم ذلك كان في داخل نعمان بعض من بقايا الخوف من النشمي، فشهم ذو شخصية لا يستهان بها وهو على قدر كبير من الذكاء، قال شهم لنعمان: أريد فواتير الفترة الماضية لكي أعرف الحسابات، ثم أردف سأعود لمباشرة إدارة المقهى من اليوم، رد عليه نعمان الفواتير كلها موجودة، والإدارة استلمها من الآن، في ذلك اليوم لم يستطع أن يحرك ساكناً، جميع العمال رفضوا العمل معه ولم يقبلوا أية أوامر منه، التمرد الذي لم يعرف عنه شهم في حياته رآه بأم عينه، رآه في طاقم غُير بالكامل في فترة غيابه، بل حتى الشخصيات المهمة التي أتت إلى المقهى كانت تتوجه مباشرة إلى نعمان دون أن تُعير “للنشمي” أي اهتمام، في تلك الليلة كان نعمان قد دبر آخر فصل من فصول ترتيباته، ليلتها أُلقي القبض على النشمي ورفاقه في إحدى الشاليهات في حفلة ماجنة، وتم نشر الخبر في جميع وسائل الإعلام، وتقدمت البنوك بشكاوي تطالبه بمبالغ كبيرة، وفسخ أغلب المستثمرين شراكتهم معه، بعدها بفترة حكم عليه بالسجن مع عرض أملاكه للبيع، ومع حق الشفاعة للشركاء في تلك الحصص، اشترى نعمان حصة النشمي وأصبح هو المالك للمقهى وللمكاتب التي تقبع خلف المقهى، وأصبحت شبكة الأموال وأصحاب الأموال تحت إدارته، بعدها قال نعمان لنفسه: استطعت أن أغير كل شيء ولم يبق إلا أن اُغير اسم المقهى من أذهان الناس، علق لائحة كبيرة على طول المبنى مكتوب فيها “مقهى البرزة”، إلا أن اسم “مقهى الصعاليك” مازال راسخاً في عقول العامة، بل زاد رسوخاً.

إلى الأعلى