السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / غزة قد تعيد خلط الأوراق!

غزة قد تعيد خلط الأوراق!

جواد البشيتي

دَمٌ عربيٌّ جديدٌ يُراق الآن، في أرضٍ عربية أخرى، هي قطاع غزة؛ وهذا الدَّم يُراق على أيدي الجيش الإسرائيلي، في حرب جديدة يشنها على قوى المقاومة الفلسطينية، وعلى أَذْرعها العسكرية، التي يتركَّز وجودها الآن في هذا الشريط الساحلي الصغير، الضَّيِّق، المنبسط، الفقير الموارِد، شديد الكثافة السُّكَّانيَّة، والمعزول، بَرًّا وبحرًا وجوًّا، عن العالَم الخارجي؛ فإسرائيل تُحيط به من كل جهة باستثناء جهة واحدة هي التي يَقَع فيها معبره البري الحيوي (معبر رفح) مع مصر؛ لكنَّ هذا الدَّم هو وحده الذي نَفْخَر به، ونَعْتَز، ولا نَخْجَل منه؛ لأنَّه لا يُراق في صراعٍ عربيٍّ قَبَليٍّ جاهليٍّ على ما هو أقل أهمية من الكلأ.
في قطاع غزة، ما عاد من وجود لجنود ومستوطنين إسرائيليين؛ وبهذه الحالة تَسْتَذْرِع إسرائيل لإنكار حق الفلسطينيين في القطاع في المقاوَمة؛ فالاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة انتهى؛ فَلِمَ، من ثمَّ، تُضْرَب إسرائيل منه بالصواريخ والقنابل؟!
وقياسًا على ذلك، ينبغي لمحافَظَة ما من محافظات الضفة الغربية أنْ تُنْهي مقاومتها للاحتلال الإسرائيلي إذا ما خَرَجَ منها (فحسب) الجنود والمستوطنون الإسرائيليون!
وإسرائيل تَفْهَم احتلالها، ولجهة إنهائه، على أنَّه خروج، أو إخراج، جنودها ومستوطنيها، من جزء ما من الأراصي الفلسطينية التي احتلتها في حرب حزيران (يونيو) 1967، كقطاع غزة؛ أمَّا أنْ تُحاصِر هذا الجزء، بعد ذلك، وتعزله عن العالَم الخارجي، وتتحكَّم في كل ما (ومن) يَدْخُل إليه، أو يَخْرُج منه، فهذا ما يؤكِّد (ولا ينفي) انتهاء احتلالها له!
إسرائيل لا مصلحة لها في الاحتفاظ باحتلالها لقطاع غزة، وما عادت قادرة على دَفْع “ثَمَن” الاستمرار في احتلاله؛ فخَرَجت منه، جنودًا ومستوطنين، جاعِلَةً إيَّاه، في الوقت نفسه، في حالة أسوأ كثيرًا من حالة احتلالها المباشِر له؛ كما أنَّ احتمال أنْ تنجح مستقبلًا في دَفْع سكَّانه (أو قسم كبير من سكَّانه) إلى الهجرة منه، وإلى مصر على وجه الخصوص، لم يكن بالاحتمال الواقعي؛ لأسباب شتَّى، في مقدمها رَفْض مصر.
ومع بقاء النزاع بين إسرائيل والفلسطينيين بلا حَلٍّ (يُرْضي الفلسطينيين ولو على مضض) لن يكون قطاع غزة مَصْدَر أمن لإسرائيل؛ ولا بدَّ، من ثمَّ، للعلاقة بين إسرائيل والقطاع، الذي فيه تتركَّز قوى المقاوَمة الفلسطينية، وأذْرعها العسكرية على وجه الخصوص، من أنْ تظل علاقة تَبادُل للعداء بالحديد والنار؛ وهذا ما شدَّد الحاجة لدى إسرائيل إلى خَوْض حروبها على القطاع بما يؤسِّس لعلاقة تسمح لجيشها برَدْع قوى المقاوَمة في القطاع، وفي استمرار، عن ضرب البلدات الإسرائيلية المحاذية لقطاع غزة بالصواريخ والقذائف (على وجه الخصوص).
وما جَدَّ الآن، حيث شنَّت إسرائيل حربها الثالثة على القطاع، هو “الرَّدْع (العسكري) الفلسطيني”؛ فصواريخ قوى المقاوَمة، وعلى الرغم من نظام القُبَّة الحديدية الدفاعي الصاروخي الإسرائيلي، يستطيع قسم كبير منها أنْ يَضْرب مواقع ومناطق ومُدُنا إسرائيلية، بعضها يَقَع قي الشمال الإسرائيلي، وعلى مقربة من حدود إسرائيل مع لبنان. هذه الصواريخ، ولو لم تُلْحِق بإسرائيل خسائر بشرية ومادية كبيرة، يمكنها أنْ تَفْرِض على الإسرائيليين نمط عيش يومي لم يألفوه، من قبل، ويَصْعُب عليهم احتماله، أو التَّكيُّف معه؛ ولا يبقى لدى جيشهم، من ثمَّ، من خيار إلاَّ ما يَفوق هذه الحالة سوءًا في عواقبه عليهم؛ وهذا الخيار هو التمادي في حربهم الوحشية المدمِّرة على قطاع غزة، والتي قد تخالطها معارك برية ضارية يتكبَّد فيها الجيش الإسرائيلي خسائر بشرية جسيمة (قتلى وجرحى وأسرى). ولا شكَّ في أنَّ اندلاع انتفاضة فلسطينية جديدة في الضفة الغربية، في موازاة هذا الصراع بالحديد والنار، سيُخْرِج الصراع برمته عن السيطرة.

إلى الأعلى