الثلاثاء 11 ديسمبر 2018 م - ٣ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: ذاكرة مسبقة عن سلام مفترض

باختصار: ذاكرة مسبقة عن سلام مفترض

زهير ماجد

كلنا لدينا ذاكرة، وهي تعني ماكان وقع في السابق، أصعب أنواعها أن تصبح مسبقة، أي ان تتذكر ذاكرة ستقع .. الأمر ملتبس في هذه الحالة، بل صعب التحقق كما يقول كثيرون.
لكن من خلال مامر في الحياة من تراكمات منوعة وكثيرة، يمكن اختيار الملائم كي نطبعه في القادم من الايام والسنين. فحرب كهذه التي تجري على سورية، سوف تنتهي يوما، وككل الحروب التي سبقتها، لابد ان يتم تعبيد طرق مابعدها بما سيفعله السوريون مثلا بعد ان تنطفيء النيران المشتعلة وينجلي غبار المعارك ويتوقف القتل، وتعود الجغرافيا كما كانت ويتلاقى الاهل من كل تلك الامتدادات الجغرافية، وتتواصل القرى والمناطق والمدن ببعضها.
تقول الذاكرة الى امام، ان اكبر الاسئلة التي ستسأل لماذا حصل كل هذا وانتهت الامور الى هذه النتيجة. ستبدأ عملية الاعمار واعادة تزيين ماتهدم .. ستبدأ عملية فنية ضخمة في المحطات التلفزيونية وفي المسلسلات وفي المسرح والسينما والفن التشكيلي بحيث يكون هناك (عورنيكا) سورية تلمع عيناها في فضاء ماحصل من مآسي، ويرتسم على جسدها عذاب السنين والقهر الاجتماعي الذي عاشته المجتمعات السورية. وستكون هنالك بحوث اقتصادية حول الليرة السورية وحول اقتصاد مابعد الحرب وترتيباته، وسيفكر كثيرون بالعودة الى مدنهم وقراهم واريافهم ، لكن هنالك من غيّر نظام حياته بناء على مستجدات عاشها في الخارج ، وقد يكون كادرا علميا مهما سوف تخسره سورية بالتأكيد .. وستبدأ النقاشات في كل وسائل الاعلام حول اعادة البناء وكيفيتها ، ومن ثم المصالحات ، لكن من ينسّي الخاسرون ارزاقهم وعائلاتهم .. من خسر الاهل والشقيق والاخت، ومن يعيد الطفولة الى هدوئها في التربية كي تنسى، وثمة من سيسأل لماذا فقد رجليه او يديه او عيونه .. اسئلة كثيرة ستقال في الزمن المقبل، في الذاكرة التي ستقال كي تتحول الى ماض ويمضي ، لعله لن يتكرر .. ومن المؤكد ان عشرات السنين لن تنسي من عاشها، بحاجة الى اجيال جديدة لم تعش الحرب ولم ترها. زرت اسبانيا في العام 1970 وكان قد مضى على حربها الاهلية اكثر من ثلاثين سنة، سمعت احد المغتربين العرب الذين سكنوها طويلا يقول لي ارجو ان لاتسأل احدا عما جرى في الحرب الاهلية الاسبانية لأن الذاكرة مازالت مفتوحة ولا احد يريد استرجاعها.
اصعب من الحرب مابعدها، كما يقال هو الجرح الذي يبرد لأنه سيكون مصحوبا باسئلة لااجابة عليها سوى المرارة. وجوه الناس لن تبقى كما هي، بل ستضطرب لتصبح قاسية الملامح، كلام الناس سيخرج منه الفرح ليجلس الحزن مكانه .. عادات الناس ستتغير .. اذا انفجر بالون مثلا ستهتز له قلوب من كانوا حوله. اماكن الحروب والمعارك ستظل بعيدة عن اهلها ولن تزار لأنها عناوين الاسى .. قد يتحول المواطن الى لامبالي وهي طبيعة مابعد الحرب ، وقد تزداد اشكال الافراح من اجل التغطية على حزن دفين ، حتى بكاء الاطفال سيتغير على سبيل المثال .. نحن امام ذاكرة مسبقة ستحصل حتما لتكون علاجا ثم عبورا الى مرحلة اخرى، لكن النسيان لن يكون الا اذا اصيب الشعب السوري باكمله بالزهايمر وهذا لن يحصل ابدا.
فلنستعد جميعا لنكون الى جانب السوريين في ذاكرتهم المسبقة تلك.

إلى الأعلى