الثلاثاء 11 ديسمبر 2018 م - ٣ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / نحن .. والذكاء الاصطناعي

نحن .. والذكاء الاصطناعي

فوزي رمضان
صحفي مصري

” العالم يلهث نحو التقدم ويتصارع على مجالين، كلاهما ثورة في عالم الاقتصاد، فمن يتحكم في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، يتحكم في الإنسان ومن يمتلك المعادن النادرة يتحكم في الطبيعة، فلم يعد العالم يغريه التنقيب كما قبل عن ثروات قابلة للنضوب، إنه الآن يبحث فيما لاينضب أبدا،”

نكون أو لانكون .. العالم يتغير ويتطور ومن المستحيل نظل كما نحن، وعوالم على كرتنا الأرضية تمتطي صهوة الريح وتسابق الزمان، وأخرى تمخر عباب الجهل والغباء والتخلف إلى كوكب العلم المزهل، عكس عوالمنا العربية التي مازال بعضها يعيش حالة التردي والتشرذم، وحالة التخلف في مجمل مناحي الحياة، ويعيش كوارث متعاقبة وأوجاعا دائمة، جراء إحصاء قتلاهم كل يوم وبالمئات وبفعل أيديهم.
في ذات الوقت ينطلق غيرنا إلى أكبر ثورة في تاريخ البشرية، تفوقت على ثورة اكتشاف النفط وثورة اختراع الكهرباء، إنها ثورة الذكاء الاصطناعي الجديدة، التي يتوقع أن تؤثر وبشكل كبير على عالم الاقتصاد، من خلال زيادة الإنتاجية وتقليل التكلفة واستهلاك الطاقة ، تخيل كيف وصل الذكاء البشري مثلا في استخدام الذكاء الاصطناعي، لإنتاج روبوتات الناتو متناهية الصغر والتي يمكن إدخالها إلى مجرى الدم، لإعادة برمجة الجينات البشرية، واستخدامها كخلايا دم بيضاء فائقة الذكاء، تسهم في تعزيز صحة الإنسان.
أيضا استغل العلماء تلك الثورة الرهيبة، في تحليل الجنيوم البشري، للتنبؤ بكافة الأمراض بل والوقاية منها، المذهل هنا أيضا أن الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يكلم حتى الموتى بعد أن طور علماء تقنية (الدودوبوت) مستخدمين حوارات قديمة، كانت قد أجريت مع من كان محل اهتمام ذويهم، ومازال ابن الأميركي جيمس يتبادل الحوارات مع والده الذي توفي بمرض السرطان، ويشاركه الدعابات، حتى بعد موته طبقا لنظرية في الذكاء الاصطناعى تسمى (التحدث من الفراغ).
واستبدل علماء اليابان الإشارات المرورية التقليدية، باستخدام الذكاء الاصطناعي في إسدال ستائر ضوئية باللون الأحمر وبعرض الطريق توقف السير ويظهر عليها عداد تنازلي بتغيير الستارة الضوئية إلى جهة السير الأخرى، واستطاعت شركات تطوير الهواتف النقالة الوصول بها إلى الجيل الخامس فائق الذكاء، الذي يستشعر المستخدم عن طريق نظرات عينيه ونبرات صوته، بل وتبادل الحوارات معه وتحديد كافة المهام المطلوبة لتنفيذها تماما كالسكرتير الشخصي.
إنه الذهول المطلق فقد استطاعت شركات الدعاية، في تطوير ملصقات دعائية لعرض الإعلانات مدعومة بكاميرا، إذا التقطت صورة رجل تعرض على الشاشة صورة إعلان للسيارات، وإذا التقطت صورة امرأة عرض على الشاشة إعلان يخص العطور النسائية، وأما إذا التقطت صورة رجل وامرأة معا، تقسم الشاشة بين الإعلانين. ويشكل هذا التطور خطرا كبيرا على البشر، إذ أصبحت الأجهزة الآلية منتشرة في كافة القطاعات، وتفوفت عليهم، والآن ينجز الإنسان الآلي مهام معقدة، كانت حكرا على البشر، فمن مجالسة الأطفال إلى قيادة سفن الفضاء، ليصبح الذكاء الاصطناعي متحكما في غالبية جوانب الحياة الحديثة.
العالم يلهث نحو التقدم ويتصارع على مجالين، كلاهما ثورة في عالم الاقتصاد، فمن يتحكم في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، يتحكم في الإنسان ومن يمتلك المعادن النادرة يتحكم في الطبيعة، فلم يعد العالم يغريه التنقيب كما قبل عن ثروات قابلة للنضوب، إنه الآن يبحث فيما لاينضب أبدا، ووجد ضالته في غاز الهيدروجين الذي يشكل 80% من كتلة الغلاف الجوى، ومعلوم أن هذا الغاز لايعمل بمفرده سوى بإضافة عناصر أخرى، فإذا أضيف إليه عنصر أوكسجين ينتج الماء، وإذا أضيفت أربعة عناصر أوكسجين وعنصر واحد من الكبريت ينتج حمض الكبريتك المستخدم في إنتاج البطاريات، وهكذا إنه عنصر وسيط لو أضيف إليه أي عناصر كيميائية أخرى تنتج مركبات غاية الندرة والأهمية.
العالم يبحث عن ثروات حتى من الهواء الطائر، معظم دول العالم كفرت بالسياسة والجدل العقيم وسفسطائية الحوارات الكاذبة، ووجهوا شبابهم نحو العلم والتكنولوجيا، إنهم يدفعون بأجيالهم الصاعدة نحو البحث والتنقيب عن كل ماهو جديد، عكس عالمنا العربي ، عوالم التقدم يفقدون 10% من الوظائف القديمة، لكنهم يطرقون كل يوم مجالات جديدة، تضيف نفس النسبة مرة أخرى، إذا لا فقد في الوظائف رغم أن التوسع في إنتاج الروبوتات الآلية يقلص من فرص الإنسان في الوظائف.
أتخيل ومن مجمل الغباء المسيطر على البعض منا، فماذا لو طبق مجال الذكاء الاصطناعي في السيارات ذاتية القيادة، تخيل وللوهلة الأولى يستخدمها المتطرفون وما أكثرهم، في التفجيرات والتخريب وفي الدهس وقتل المعارضين لأفكارهم، وماذا لو استخدم نفس النوعية من البشر تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في الانترنت، بالتأكيد يوظفون ذكاءهم المحدود والملهم في الشر، لنشر الأخبار المزيفة وفبركة الفيديوهات والأصوات المقلدة، للنيل من سمعة معارضيهم.
وما بين الذكاء الاصطناعي والغباء بون شاسع، هم يستخدمون العلم لإسعاد البشر وحمايته وتنقيته من الأمراض، والتقليل من مجهوده العضلي بمعنى تحسين جودة الحياة، لنجد متطرفو عالمنا، يستخدمون تكنولوجيا الهواتف النقالة في تفجير السيارات المفخخة عن بعد، إنهم يستغلون العلم لقتل وتدمير بني أوطانهم ويستخدمون تكنولوجيا الكيمياء لتجهيز القنابل شديدة الانفجار لتنشطر في نفس بني جلدتهم، إنه الفرق بين الحياة والموت والفرق بين الذكاء في أعلى مراتبه وبين الغباء في أحط صوره.

إلى الأعلى