الإثنين 24 سبتمبر 2018 م - ١٤ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / أبو خليل القَبَّاني

أبو خليل القَبَّاني

علي عقلة عرسان

“إن وجود التمثيل في البلاد السورية، مما تعافُه النفوس الأبية، ونراه على الناس خطباً جليلاً ورزءاً ثقيلاً، لاستلزامه وجود القيان ينشدن البديع من الألحان، بأصوات توقظ أعين اللذات في أفئدة من حضر من الفتيان والفتيات، فيمثل على مرأى من الناظرين، ومسمع من المتفرجين، أحوال العشاق، فتطبع في الذهن الصبابة والجنون، وتميل بالنفس إلى أنواع الغرام والشجون، والتشبه بأهل الخلاعة والمجون.”

هو أحمد أبو خليل بن محمد آغا بن حسين آغا آقبيق، “١٢٥١ -١٣١٩ هـ ١٨٣٣ -١٩٠٢ م”، ولد في دمشق، وينحدر من أصل تركي يتصل بأكرم آقبيق ياور السلطان سليمان القانوني، وأحد أجداده هو شادي بك آقبيق، وأصل أسرته من قونية استقرت في دمشق. وقد لقب بالقباني لأنه كان يملك قبان باب الجابية بدمشق، وكان ملك القبابين يعود لفريق من العائلات في كل حي من أحياء دمشق في ذلك الزمن.
عاش القباني يتيماً، فقد ماتت أمه بعد أن وضعته، وكفله خالُه أبو أمين النَّشَواتي. درس أبو خليل في الكتَّاب، وفي جامع الطاووسية في حلقة والده، وتعلم التركية والفارسية، وكان مولعاً بالتمثيل، وقدم أول مسرحية بعنوان “ناكر الجميل”، ألّفها من حادثة معينة وقعت بين صديقين، وقدمها في سهرات البيوت الدمشقية التي كانت تعقد بصورة دورية.
وعندما عُيِّن مدحت باشا “أحمد شفيق مدحت باشا ١٨٢٢ -١٨٨٤ “والياً على دمشق “١٨٧٨ -١٨٨٠”، بحث عمن يستبدل بفن “الأرغواز”أو “قرة قوز”الذي كان يقدم مشاهد سمجة بأسلوب منحط، فناً أرقي، فذُكر له أبو خليل القباني واسكندر فرح وجورج ميرزا، فدعاهم مدحت باشا، وحث القباني على تقديم “روايات أدبية”محترمة، لأهل دمشق، وقدَّم له مساعدة، بناء على طلبه، مقدارها /900/تسعمئة ليرة ذهبية، وطلب إليه أن يعد “رواية”عالية المستوى، يحضرها هو ووجوه المدينة. فاستعان القباني باسكندر فرح وجورج ميرزا، وقدم مسرحية “الأمير محمود نجل شاه العجم”، في خان العصرونية، ودعا مدحت باشا المشايخَ ووجوه دمشق لمشاهدة التمثيل، الذي شارك القباني فيه فتاتان أحضرهما من لبنان هما :لبيبة ومريم، واستعان بفِتيان منهم :راغب سمسمية وتوفيق شمس وموسى أبو الهيبة. ولما نجح العرض، وأعجب به الوالي والذين حضروه، أقبل القباني بحماسة على المهنة، فباع القبان الذي كان يملكه، وأرضاً كانت له في جديدة عرطوز، قرب دمشق، وجهَّز مكاناً للعرض المسرحي في خان الجمرك ـ منطقة باب البريد، وأنفق على تجهيز ذلك المكان مبلغ /2000/ألفي ليرة ذهبية، وبدأ التمثيل فيه عام 1880م، وكان إقبال الناس، من جميع الفئات، جيداً على المسرح، ولكن بعضاً منهم كانوا لا يدفعون ثمن “تذاكر”الدخول، وآخرين من ذوي النفوذ شاركوا القباني في دخل المسرح، مما عرَّضه لخسائر مالية، كان يتغاضى عنها، حُباً في ترسيخ هذا الفن، ورغبة في تقديم ما يرفع من سوية الناس، ويحسّن صورة التمثيل لديهم. وقد ذكر الدكتور ابراهيم الكيلاني الدمشقي، أن أول مسرحية قدمها القباني “كانت بعنوان “وضاح”، ألفها في ثلاثة أيام ولحنها، وقدمها مع زملائه في البيوت. وأن القباني كان قد شاهد مع زملائه مسرحية “البخيل “لموليير، عندما عُرضَت في العازارية بدمشق، فقلَّد ذلك الفن.” إبراهيم كيلاني ـ مجلة العربي السنة الأولى ـ العدد الأول ص48 ـ صفر 1367 هـ كانون الثاني 1948 م ـ دمشق/.وعن إقبال الناس على مسرح القباني، يروي الدكتور ابراهيم الكيلاني، بعض الطرائف، منها قوله : “ولم يكد أبو خليل القباني يمثل رواياته، حتى فتن بها الدمشقيون على اختلاف طبقاتهم، حتى صار الباعة وصغار التجار يقتطعون أول ما يقتطعون من دخلهم اليومي، أجر الدخول أو لمشاهدة “القوميضا”، الكوميدي حسب اللهجة الشامية القديمة. وقد بلغ شغف العوام بالتمثيل أن أهملوا واجباتهم العائلية، وصار سكان النائية ـ تجنباً لأخطار المرور ليلاً في الأزقة ـ يأتون زرافات منذ العصر، ويبيتون على أبواب المسرح حتى الصباح. وحدثني أحد المعمّرين ممن أدركوا أبا خليل وشهدوا رواياته، أن الناس كانوا يتناقلون، على سبيل التندر، خبر اللَّحام محمد البحصاص، الذي باع قبر أبيه، ليشاهد بثمنه روايات أبي خليل . “/ المصدر السابق/.
وقد استمر مسرح القباني في دمشق سنة وأحد عشر شهراً، وتوقف بعد ذلك بسبب نقل الوالي مدحت باشا من دمشق إلى الحجاز، وتولي أمور دمشق /حمدي فاضل باشا /والياً جديداً عليها، فأعرب له بعض المشايخ في مطلع ولايته، عن عدم رضاهم عن روايات القباني وفنه “البِدعة”، وجاء في شكواهم إليه ما نصه:
“إن وجود التمثيل في البلاد السورية، مما تعافُه النفوس الأبية، ونراه على الناس خطباً جليلاً ورزءاً ثقيلاً، لاستلزامه وجود القيان ينشدن البديع من الألحان، بأصوات توقظ أعين اللذات في أفئدة من حضر من الفتيان والفتيات، فيمثل على مرأى من الناظرين، ومسمع من المتفرجين، أحوال العشاق، فتطبع في الذهن الصبابة والجنون، وتميل بالنفس إلى أنواع الغرام والشجون، والتشبه بأهل الخلاعة والمجون. فكم بسببه قامت حرب الغيرة بين العوازل والعشاق، وكم سلب قلب عابد، وفتن عقل ناسك، وحل عقد زاهد … الخ “.ويذكر حسني كنعان، أن بعض أدعياء المشيخة، كانوا يحرّضون الصبيان على إزعاج القباني وملاحقته في الأزقة، مرددين “الأهازيج الموضوعة، من أجل إغاظته”. وننقل عنه منها، قول الصبيان:
أبو خليل النّشواتي يا مزيِّف البناتِ
ارجع لكارك أحسن لك ارجع لكارك نَشواتي
أبو خليل من قال لك على الكميضة من دلَّك
ارجع لكارك أحسن لك ارجع لكارك قباني
أبو خليل القبَّاني يا مرقّص الصبياني
ارجع لكارك أحسن لك ارجع لكارك قباني
وممَّا كان يَهزج له به أيضاً:
أبو خليل يا بومة يا بو اللَّفة المبرومة
أعطيني من ذقنك شعرة لاصلِّح هالتاسومة
والتاسومة : الحذاء بلهجة أهل حلب .
ولنا أن نتصور وقع هذا الكلام، والمعاملة السيئة، والتحقير المتعمَّد، على فنان مرهف، وعلى موسيقي مولع بالرقة، هو أبو خليل القباني، وتأثير كل ذلك عليه نفسياً واجتماعياً. وقد صدر أمر الوالي، بعد أن بلغت الشكوى السلطان عبد الحميد، كما قيل،”بإغلاق مسرح القباني”، ولم يسلم المكان من نهب وشغب وحريق، وخسر القباني بذلك ثروته، وتوارى عن الأنظار فترة من زمن.وكان له صديق يعمل في التجارة، ويقيم معظم وقته في الإسكندرية، فكتب إليه شارحاً وضعه، مستفسراً عن إمكانية العمل في مصر، فشجعه صديقه/سعد الله حلابو/على القدوم، وسافر القباني إلى الإسكندرية، ورتب أمر تقديم عروض فيها، وسهل له صديقه أن يحضر وجوقه في باخرته المسماه” قاصد كريم”- وكان لذلك الصديق بواخر تنقل البضائع بين المدن الساحلية ـ فنقلته مع جوقه، ومَن أحب صحبتَه إلى الإسكندرية، فوصلها في تموز /1884/وقد ذكرت ذلك جريدة الأهرام المصرية في العدد 1974 تاريخ 23/7/1884م. ويذكر أن القباني جال في الأقاليم المصرية، قبل أن يقدم عروضاً مسرحية في القاهرة. وقد قدَّمه سعد الله حلابو للخديوي إسماعيل الذي مكّنه من التمثيل في دار الأوبرا في القاهرة لمدة سنة، من دون أن يرتب عليه أية نفقات للدار جراء استخدامها، “ووهبه أرضاً في حيّ العتبة الخضراء، أشاد عليها مسرحه الخاص. “وقد حضر الخديوي إسماعيل أول عرض مسرحي قدمه القباني في دار الأوبرا وكان لمسرحية “الحاكم بأمر الله.”.
ولقي القباني نجاحاً، ولقي مسرحه إقبالاً في مصر، وترك أثراً واضحاً، واستقطب من حُفَّاظ القرآن حَسني الصوت الذين يحسنون إلقاء الموشحات، ممن أصبحوا بعد أن ملكوا الدُّربة، وأتقنوا هذا الفن، عماد النهضة الفنية في مصر، لا سيما في الغناء. وواجه القباني صعوبات كثيرة ومشكلات، كان أبرزها إحراق مسرحه للمرة الثانية بعد ـ مسرح خان الجمرك ـ إذ عاد من جولة في الأقاليم المصرية، ليجد “مسرح عناية “قد احترق، وبذلك خسر للمرة الثانية ثروته، وعاد إلى دمشق ليبيع منزله الجميل فيها. ولكن الولاية العثمانية الحاكمة عطفت عليه، وردت إليه ثروته، وعينت له راتباً، ظل يتقاضاه حتى توفي عام 1902″.
قدم القباني في مصر عدداً كبيراً من العروض المسرحية، لنصوص من تأليفه أو من تأليف سواه، ونذكر مما قدم فيها: الحاكم بأمر الله ـ ناكر الجميل ـ متريدات ـ عفيفة ـ ملتقى الخليفتين ـ الأمير محمود نجل شاه العجم ـ السلطان حسين ـ لويزا.
وفي مسيرة القباني الشآمية، اعتمد على نصوص معظمها مستقى من التاريخ العربي والقصص الشعبي (ألف ليلة وليلة ـ عنترة .. الخ )، وكان يلحن ويغني ويدير شؤون الجوق الفنية، ولم يكن يتوقف عند تلك الحدود، فهو المؤلف والمشرف الفني العام والمخرج، بمفهوم ذلك العصر للعملية الفنية وتفاصيلها ومهمات العاملين فيها. وأرسى القباني تقاليد الفُرجة في عصره، تلك التي استلهمت ذوق الجمهور، وتابعت تلبية رغباته، فكان ما يُقبل عليه الجمهور يقود الفرقة أو يصنع توجهها ويرسم سياستها “الفنية والفكرية”.
وقد عرف عن القباني أستاذيّتُه في التلحين والغناء وأداء الأدوار الغنائية والموشّحات، وربما كان ذلك هو الأبرز في نشاطه، على حين يكتنف، عندي على الأقل، اليقينَ ـ شك في نسبة تأليف كل ما نسب تأليفه إليه من مسرحيات.
وحين نذكر من مسرحياته مثلاً :ناكر الجميل ـ الأمير محمود ـ هارون الرشيد مع أنيس الجليس ـ قوت القلوب وغانم بن أيوب ـ عنترة بن شداد ـ عفيفة “جنفياف LodvigTieck”ـ لباب الغرام “متريدات لراسين “ـ حيل النساء “لوسيا “، وهي مسرحية مترجمة لم أقع على أصلها بعد ـ “حين نفعل ذلك نجد أن النصوص التي تُرجمت عن الفرنسية أو سواها، لم يكن هو مترجمها، وإنما وقع عليها تحريف وإضافات ومزج للشعر في حوارها، قد يكون هو شريك فيه وقد لا يكون، كما أن هناك نصوصاً نُسبت إليه، نجدها منسوبة لغيره من الشخصيات الثقافية التي عُرفت عنها القدرة على التأليف، ولا سيما الشيخ ابراهيم الأحدب (1826ـ 1891)الذي تنسب إليه عشرات النصوص اليوم. ومن مسرحيات الشيخ إبراهيم الأحدب، وهو من طرابلس – لبنان : عروة بن حزام وابنة عمه عفراء ـ مجنون بني عامر مع محبوبته ـ جميل بثينة وكثير عزة ـ الزباء ملكة الحضر مع جذيمة الأبرش وعرفت باسم : نائلة ملكة الحضر ـ شيرين مع كسرى أبرويزـ مزدك الخارجي الإباحي ـ الوزير بن زيدون مع ولادة بنت المستكفي ـ يزيد بن عبد الملك مع جاريته حبابة ـ عبد السلام الحمصي المعروف بديك الجن مع زوجته ـ من تجاوز سن الستين فتزوج زوجة أخرى سنها دون العشرين ـ رواية أبي نواس مع جنان جارية آل ثقيف .. الخ. وقد كان معروفاً قيام بعض الشيوخ بكتابة مسرحيات، وقد ذكر منهم: الشيخ يوسف الأسير ( 1815 ـ 1890 ) كتب : سيف النصر ـ الشيخ قاسم أبو الحسن الكستي ( 1840 ـ 1909 ) كتب : حكمة الأفكار ومثلت عام 1875 محمد أمين أرسلان (1838 ـ 1868 وكتب : فرح بن سرور ـ ثم : الشاب المسرف . حسين بيهُم ( 1833 ـ 1881 ) كتب : الرواية الجميلة في تزويج جميل بجميلة ـ عمر الأنسي ( 1821 ـ 1876 ) كتب : كشف الظنون فيما جرى بين الأمين والمأمون ومثلت عام 1874 ـ والشيخ أحمد عباس الأزهري ( 1853 ـ 1927 ) وكتب: النصر القريب.
ولكن القباني حمل اسم عروضه الشيقة التي أعجبت الجمهور، ونسب إليه النص واللحن والغناء والعرض والمسرح والفضل، وربما نُسي غيره من أصحاب الباع الطويل في جانب من جوانب هذا الفن المركب المعقد الذي يحتاج إلى مشاركة طاقات خلاقة ومبدعين آخرين فيه.
وسوف نتوقف لاحقاً، عند مسرحيات القباني، لنزداد معرفة به وبها.
يتبع…

إلى الأعلى