الثلاثاء 19 يونيو 2018 م - ٥ شوال ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق: نحو توظيف الأسماء التجارية عمانيا

في العمق: نحو توظيف الأسماء التجارية عمانيا

د. رجب بن علي العويسي

يطرح هذا الموضوع تساؤلات حول دور الجهات المعنية في تنظيم هذا الملف وتقنينه، في ظل الانتشار غير المبرر لأسماء تجارية غير عمانية سواء لمولات أو مراكز تجارية أو محلات صغيرة أو مسميات لبعض الأنشطة الاقتصادية والتجارية كأسماء بلدان أو مدن لدول أخرى، وما يعكسه ذلك من توجهات أو قناعات تظهر في فقه الأجيال ونظرتها لمفهوم الهوية الاقتصادية والاقتصاد الحر وقضايا الأمن الغذائي والاكتفاء المعيشي ومسألة الحضور القوي لرجال الأعمال والتجار العمانيين في تشكيل صورة السوق التجاري المحلي والذي تبرز فيه هذه المسألة اليوم بشكل أكثر وضوحا، في ظل تعدد التفسيرات التي تقرأ الموضوع بوجهات نظر مختلفة وربط ذلك بمنظومة الهوية الوطنية وتحويل الأنظار من خلال هذه الأسماء إلى هذه المعالم أو البلدان أو المدن وانعكاسات ذلك على اهتمام المواطن بمعالم وطنه وكنوز بلاده الثرية في مختلف المجالات الحياتية، خاصة أن التعامل معها أصبح بصورة يومية وترديد ذكرها أصبح عادة حياتية.
على أن ما يثار من مسوغات في أن هذه المسميات تأتي احيانا باختيار المستثمرين القائمين عليها أو المالكين لها من خارج السلطنة، إلا أنه في الوقت نفسه نعتقد بأنه يمكن أن تضع الجهات المختصة بالسلطنة الشروط المناسبة عبر بدائل لمسميات عدة يمكن الاختيار من بينها باتفاق الأطراف لأسماء أخرى شائعة أو مشتركة أو معروفة عالميا بدون أسماء لأماكن أو بلدان أو معلم خاص في دولة المستثمر، إذ من شأن إدخال البعد الوطني في هذا الجانب أن يؤصل مساحات التقارب الإيجابي من قبل المواطن مع هذا النشاط التجاري في تعاطٍ معه بثقة وأريحية. فإن بناء مسار الهوية الوطنية وتعزيز حضورها في حياة المواطن إنما هو نتاج تفاعل للكثير من العناصر والظروف يأتي من بينها المساحة التي تعطي للبيئة العمانية في ثقافة الأجيال سواء كانت معلما سياحيا أو مفردة حضارية أو مسمى لمدن وقرى عمانية؛ وتعبّرفي الوقت نفسه عن رؤية هذه المراكز أو الأنشطة التجارية وفلسفة الجودة والمنافسة التي تؤكد عليها في شموخها أو اخضرارها أو مناخها الجميل أو اتساعها، فتأتي رسالة النشاط وقيمه لتعبر عما يحمله هذا الموقع ومستوى الحضور له في بناء الشخصية العمانية، فالتعامل معه ليس من باب الترف الفكري ، والدعوة إلى إعادة النظر في الأسماء التجارية وتوظيفها عمانيا ليس استنكافا عن قبول الآخر، ولكنه ضرورة يحتمها الانتشار الحاصل في الأسماء التجارية غير العمانية في كل المحافظات والولايات حتى يكاد تجد في ولاية واحدة مركزين أو أكثر، جميعها تحمل مسميات غير عمانية.
إن مسؤولية تعزيز الهوية الوطنية عبر توظيف الأسماء التجارية عمانيا منطلق لبيئة استثمارية فاعلة على المدى البعيد تضمن ثقة المواطن فيها وعدم تأثره بما يتداول من أفكار أو معلومات حول عمل هذه المراكز في بلدانها، بالإضافة إلى البحث عن مداخل أوسع للتسويق المستمر لهذه العلامات والاسماء التجارية التي تحمل مسميات عمانية؛ سوف يضمن ربط الأجيال ببيئاتهم وتراثهم وثقافتهم ويغرس في ذاتهم مساحات التأمل والقراءة الفاحصة التي تقترب بهم من واقعهم الاجتماعي فيتعايش معها المواطن بكل طمأنينة ويقرأ فيها حضور الوطن وأبنائه، حتى تتلاشى أمام عينيه أو خيالات فكره التساؤلات التي قد يطرحها عندما يقرأ في لوحة هذا المركز التجاري أو إشارات الوصول إليه اسما آخر لدولة ما أو اسم بلد أو مدينة في دولة مجاورة أو غيرها، لذا سيكون تعامله معها وقناعته بها ليس بنفس الاندماج والشعور الذي يصاحبه عندما يكون اسم هذا المركز أو العلامة التجارية تعبر عن ثقافة وطنه وبيئاته الجميلة، وعليه يبقى البحث في إعادة النظر في هذه المسميات منطلقا لقراءة استثمار المواطن العماني في بلده ومشاركته في بناء هذا المنجز التنموي ، وتبقى مسألة التعاطي معها مرهونة بما تحمله قناعات المواطن وأفكاره حول وطنه فإن الكثير من المفاهيم التي باتت تتردد على ألسنة الصغار والكبار حول دور رجل الأعمال العماني والتاجر العماني في الاستثمار في وطنه في ظل وجود هذه الأسماء – خاصة تلك التي لا ترتبط بماركات معينة أو بعلامة تجارية عالمية -، فيعتقد أن الاسم يعكس بلد المستثمر ذاته فتترسخ في ذاكرته قناعات أخرى حول المستثمر العماني وانتمائه وولائه الوطني وانعكاسات ذلك على الأسعار وعمليات الترويج والاستهلاك وغيرها.
وعليه تبقى مسؤولية إيجاد إطار وطني في التعامل مع معطيات هذا الملف ومتطلباته وتعزيز منصات التواصل والحوار بين السلطات التشريعية والتنفيذية في هذا الشأن في سبيل إيجاد تشريع يضمن حيادية التعامل مع الموضوع وما يترتب عليه من نتائج وأضرار أو مسوغات، ليشمل ذلك أيضا بعض الأسماء التجارية التي تحمل كلمات أو عبارات تتنافى مع القيم والأخلاق والعادات الأصيلة والذوق العام، وبالتالي توفير قاعدة بيانات وطنية بالأسماء التجارية والخيارات الممنوحة للمستثمر فيها لتشكل بمثابة ذاكرة تخزينية يمكن الرجوع إليها واعتمادها وإعادة النظر في هذه المسميات وإيجاد آلية واضحة لدى الجهات المختصة المعنية بإصدار تصاريح السجلات والأنشطة الاقتصادية والتجارية تضمن توفير بدائل متعددة وأسماء وطنية تعكس عراقة هذا الوطن الغالي وأصالة بلدانه، بحيث يجد المواطن في توظيف الأسماء التجارية عمانيا مدخلا للتعرف على معالم وطنه وفرصة للاقتراب منها والبحث عنها والحرص على زيارتها فيتملكها قلبه وتسمو بها نفسه وتعكس ملامح الشخصية العمانية التي تجد في الأنشطة التجارية والاقتصادية أكثر من كونها نشاطا ربحيا أو مجرد تقديم سلعة أو منتج استهلاكي معين، إلى كونها تحمل دلالات أخرى وطنية وثقافية واجتماعية، فيقرأ المواطن خلالها ملف الأسماء التجارية وفق معادلة التناغم بين الأنشطة الاقتصادية وعمليات الترويج والتسويق لها وموقع الخصوصية الوطنية في ظل منظومة قيمة وأخلاقية تسع فقه المواطن وتحتويه وتجيب عن تساؤلاته.

إلى الأعلى