الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / الحكومات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تعتمد على الدعم لتعزيز الدخول الحقيقية ومكافحة الفقر
الحكومات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تعتمد على الدعم لتعزيز الدخول الحقيقية ومكافحة الفقر

الحكومات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تعتمد على الدعم لتعزيز الدخول الحقيقية ومكافحة الفقر

ـ رغم وصول الدعم إلى الفقراء إلا أن أكثر المستفيدين منه هم الأغنياء الذين يستهلكون قدرا أكبر من السلع المدعمة
ـ في معظم البلدان المصدرة للنفط يمثل حجم برامج الدعم عقبة رئيسية أمام الإصلاح

واشنطن ـ “الوطن”:
يشيع استخدام الدعم في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ـ وخاصة على منتجات الطاقة ـ وتشهد تكلفته ارتفاعا مستمرا على إثر ارتفاع أسعار السلع الأولية وزيادة المطالب الاجتماعية في الآونة الأخيرة، الأمر الذي غالبا ما يساهم في توسيع عجز الحساب الجاري والمالية العامة، ونتيجة لذلك، اكتسب إصلاح الدعم زخما جديدا في المنطقة، ولاسيما في البلدان المستوردة للنفط وان امتد هذا الزخم إلى بعض البلدان المصدرة للنفط أيضا، ويستخلص هذا التقرير من تجارب الإصلاح في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وكذلك بقية بلدان العالم على مدار العقدين الماضيين.
ولضمان استمرار التقدم، ينبغي لبلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي بدأت إصلاح الدعم أن تستكمل جهودها لزيادة شبكات الأمان الاجتماعي وتنفيذ آليات لتحديد الأسعار تلقائيا، وإعادة هيكلة قطاع الطاقة. أما البلدان التي لم تبدأ بعد في الإصلاح فينبغي أن تبدأ في وضع أسسه ، لاسيما عن طريق زيادة الشفافية والوعي بشأن تكلفة الدعم وإعداد البنية التحتية اللازمة لشبكات الأمان الاجتماعي.

الدعم واسع الانتشار وباهظ التكلفة
يؤدي الدعم دورا خاصا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث ظل الدعم المعمم للأسعار جزءا من “العقد الاجتماعي” لعدة عقود، وغالبا ما يحل الدعم محل التحويلات النقدية وغيرها من أشكال الدعم المباشر للدخل التي لا تستخدم على نطاق واسع، ويُلاحظ أن شبكات الأمان الاجتماعي (باستثناء الدعم) ليست متطورة بشكل كاف وعادة ما تعاني قصورا في التمويل، إذ تمثل متوسطا يقل عن 7.0% من إجمالي الناتج المحلي من الإنفاق العام، ونتيجة لذلك، غالبا ما تتكيف حكومات بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مع الصدمات عن طريق زيادة الدعم أو زيادة التوظيف والأجور في القطاع العام، مثلما حدث لمواجهة زيادة المطالب الاجتماعية التي صاحبت موجة التحولات السياسية عبر بلدان المنطقة، وفي كثير من البلدان المصدرة للنفط، يُنظَر إلى المستوى المنخفض لأسعار الطاقة باعتبار انعكاسا لانخفاض تكلفة الاستخراج، الأمر الذي لا يعتبر من قبيل التكلفة على الميزانية، وفي بعض البلدان، يوجد شعور متأصل باستحقاق الدعم كما تعتبر أسعار الطاقة المنخفضة حقا للمواطنين وعنصرا أساسيا من عناصر الشرعية التي تمثل بديلا للمشاركة السياسية.
وللدعم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تكلفة بالغة الارتفاع، فبالنسبة للمناطق الأخرى، نجد أن متوسط الإنفاق على الدعم أعلى بكثير ـ مقدرا على أساس الفجوة بين الأسعار الدولية والمحلية ـ وهو عبء متزايد يصعب تحمله، وكان دعم الطاقة يستحوذ على النصيب الأكبر في الإنفاق، فقد كانت، تكلفة دعم الطاقة قبل خصم الضريبة 5ر236 مليار دولار في عام 2011 أي ما يعادل 48% من الدعم العالمي “6ر8%من إجمالي الناتج المحلي الإقليمي”، ووصلت هذ التكلفة إلى 204 مليار دولار” 4ر8% من إجمالي الناتج المحلي في البلدان المصدرة للنفط و33 مليار دولار “3ر6% من إجمالي الناتج المحلي” في البلدان المستوردة للنفط، وفي عام 2012، توضح التقديرات المتوافرة للديزل والبنزين أن الدعم قبل الضريبة على هذه المنتجات والذي استأثر وحد بنصف الدعم الكلي على الطاقة في المنطقة، بلغ 8ر3% من إجمالي الناتج المحلي الإقليمي. كذلك يشيع تطبيق الدعم على الغذاء، وان كانت تكلفته أقل بكثير، حيث يبلغ حوالي 22 مليار دولار أو 7ر0% من إجمالي الناتج المحلي في عام 2011 والمقصود من الدعم تحقيق عدة أهداف، فنظرا لشبكات الأمان الاجتماعي غير المتطورة، تعتمد الحكومات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشكل كبير على الدعم لتعزيز الدخول الحقيقية ومكافحة الفقر من خلال توفير أسعار في المتناول على المنتجات الاستهلاكية واسعة الاستخدام، ولحماية السكان من الصدمات التي تسببها التقلبات الكبيرة في أسعار السلع الأولية وأسعار الصرف، ولاسيما في البلدان المستوردة للنفط. وفي البلدان المنتجة للنفط، يمثل الدعم أداة أيضا لتوزيع الثروة الطبيعية بين السكان، وفي كثير من بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تساعد الحكومات صناعات معينة وتدعم توظيف الأيدي العاملة في القطاع الخاص عن طريق دعم المنتجين، من خلال توفير مُدخلات الطاقة بأقل من سعر السوق على سبيل المثال.
غير أن الدعم غالبا ما يفتقر إلى الفعالية وينحاز لغير الفقراء، والدعم المعمم للأسعار. وهو أكثر أشكال الدعم شيوعا في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ـ لا يستهدف الفئات المستحقة ولا هو مردود التكلفة كأداة للحماية الاجتماعية، فبالرغم من أنه قد يصل إلى الفقراء إلى حد ما، فإن أكثر المستفيدين منه هم الأغنياء الذين يستهلكون قدرا أكبر من السلع المدعمة، وخاصة منتجات الطاقة، ففي مصر على سبيل المثال، حصلت الشريحة التي تمثل أفقر 40% من السكان على 3% فقط من دعم البنزين في عام 2008.
وبالإضافة إلى ذلك، يفرض الدعم وخاصة على منتجات الطاقة ـ تكاليف للرعاية الاجتماعية عن طريق تشويه الأسعار النسبية في الاقتصاد، مما يزيد من الاستهلاك المفرط وسوء توزيع الموارد، ويؤدي هذا بدور إلى تخفيض الموارد القابلة للتصدير ومن ثم يحد من تراكم الثروة لدى البلدان المصدرة للطاقة، ويضعف الحساب الجاري لدى البلدان المستوردة للطاقة، كذلك يؤدي الاستهلاك المفرط إلى تفاقم الاختناق المروري والظروف الصحية والبيئية والى عدم كفاءة التخصص في الإنتاج المحلي، وهو ما يحدث غالبا في الصناعات الأقل استخداما للعمالة والأكثر كثافة في استخدام الطاقة. كذلك يؤدي الدعم إلى تثبيط الاستثمار في قطاع الطاقة، ويشجع التهريب ونشاط السوق السوداء، مما يمكن أن يؤدي إلى نقص المنتجات المدعمة.
وأخيرا، يتسبب الدعم في الإضرار بالنمو، فبالرغم من إمكانية استخدامه لمساندة القطاع الإنتاجي على المدى القصير، نجد أن للدعم أثرا خافضا للنمو الممكن على المدى الطويل، من خلال تشوهات الأسعار وقصور الاستثمار في القطاعات كثيفة الاستخدام للعمالة وذات الاستخدام الكفء للطاقة، ومزاحمة الإنفاق الإنتاجي على رأس المال البشري والمادي، وزيادة عدم المساواة المرتبط “بعدم الكفاءة في مساندة الفقراء).

الإصلاحات الأخيرة مشجعة
أطلقت ضغوط المالية العامة موجة من الإصلاح تَركز معظمها في البلدان المستوردة للنفط، ومنذ عام 2011، كانت مصر والأردن وموريتانيا والمغرب والسودان وتونس واليمن هي التي حققت أعلى مستويات التقدم في إصلاح الدعم، وركزت الإصلاحات على رفع أسعار الوقود وتعريفات الكهرباء، بينما كان الاهتمام أقل بدعم الغذاء انعكاسا لتكلفته البسيطة نسبيا على المالية العامة وحساسيته العالية من الناحية الاجتماعية، ورغم تشابه السمات المميزة لتجارب البلدان في هذا الصدد، فهي تختلف في إعدادها للإصلاح وسعة نطاقه وسرعة التكيف معه:
ـ كان الإصلاح في معظم البلدان قائما على خطط جيدة الإعداد بوجه عام تمثل جزءا من استراتيجية أوسع نطاقا لضبط أوضاع المالية العامة، وكانت تدعمها في بعض الحالات حملات للتواصل الجماهيري.
ـ تلاشت المكاسب المحققة في بعض البلدان التي أجرت زيادة حادة في الأسعار، بسبب ارتفاع أسعار النفط الدولية وانخفاض أسعار الصرف. وفي المقابل، اعتمدت الأردن وموريتانيا والمغرب وتونس آلية لتعديل الأسعار للوصول بأسعار الوقود المحلية إلى المستويات الدولية.
ـ كان الإصلاح مصحوبا ببعض التعويض، إما عن طريق استحداث أو تعزيز تدابير مخفِّفة تستهدف الفئات المستحقة، مثل التحويلات النقدية، أو تدابير أقل فعالية مثل زيادة الأجور في القطاع العام.
ـ في كل هذه البلدان، ساند صندوق النقد الدولي جهود إصلاح الدعم عن طريق المشورة بشأن السياسات والمساعدة الفنية.
وقد تحقق تقدم أيضا في البلدان المصدرة للنفط، وان كان بدرجة أقل، ولأن ضغوط المالية العامة الحالية أقل بروزا في كثير من البلدان المصدرة للنفط، فإن إصلاح الدعم لم يصل إلى درجة الإلحاح حتى الآن، لكنه أصبح محل نظر متزايد، ففي عام 2010، بدأت إيران عملية إصلاح شاملة للدعم لاتزال جارية حتى الآن، وفي نفس السنة، قامت المملكة العربية السعودية بزيادة متوسط سعر الكهرباء للمستخدمين غير الأسر المعيشية، وفي وقت أقرب، بدأت البحرين ودبي وقطر رفع أسعار الوقود والكهرباء سعيا لتخفيف العبء على الميزانية ومعالجة التشوهات الاقتصادية، بينما تخطط الكويت لإلغاء دعم الديزل.
وتشير التجارب الأخيرة أيضا إلى أن زخم الإصلاح في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يجب أن يتغلب على كثير من العقبات، ويشكل الدور الخاص الذي يلعبه الدعم عقبة مهمة في هذا الخصوص، لكن هناك عوامل أخرى أيضا، ورغم النفع الذي يعود به إلغاء الدعم على النمو في المدى الطويل، فإن إلغاء سيولد آثارا تضخمية على المدى القصير ويؤثر سلبا على تنافسية الصناعات التي تعتمد على المنتجات والخدمات المدعمة كمدخلات في عملية الإنتاج، وفي معظم البلدان المصدرة للنفط، يمثل حجم برامج الدعم وحده عقبة رئيسية أمام الإصلاح.. كذلك يساهم القلق بخصوص الاستقرار السياسي بدور مهم في هذا الصدد، لأن كثيرا من الحكومات ترى في إصلاح الدعم مصدرا ممكنا للاضطرابات ولاسيما في السياق الحالي.
وبالإضافة إلى ذلك، بالنسبة لبعض البلدان الكبيرة المصدرة للنفط، مثل ليبيا والعراق، يصعب كثيرا بدء برنامج لإصلاح الدعم بسبب عدم الاستقرار السياسي وسوء الحالة الأمنية.
وربما كانت عوامل الاقتصاد السياسي هي أكبر التحديات، ومن الممكن أن تتخذ العقبات شكل مقاومة من جانب مجموعة صغيرة ولكنها منظمة من الخاسرين المحتملين بسبب الإصلاح؛ كما يمكن أن تتمثل هذه العقبات في الفترة الزمنية الفاصلة بين الخسارة الفورية للدعم والمنفعة التي تتحقق في المستقبل من الإنفاق الاجتماعي الأكثر كفاءة ودقة في استهداف المستحقين؛ والافتقار إلى الثقة في قدرة الدولة على تطبيق وإدارة شبكات للأمان الاجتماعي مع عدم إساءة استخدام الوفورات، ويمكن معالجة مظاهر المقاومة تلك من خلال التصميم الملائم لبرامج الإصلاح، بما في ذلك تقديم حجج موضوعية للإصلاح؛ وزيادة الشفافية والاستفادة من حملات التواصل الجماهيري؛ وتكوين تحالفات تضم المستفيدين من الإصلاحات؛ وادخال إصلاح الدعم في خطة إصلاح أوسع نطاقا.

لايزال هناك عمل كثير
ثمة حاجة لتعزيز الإصلاحات التي تمت مؤخرا، ويُجري التقرير تحليلا عبر البلدان يتناول 25 تجربة إصلاح في مختلف أنحاء العالم لتحديد عوامل النجاح، ثم مضاهاة هذه العوامل مع تجارب الإصلاح الأخيرة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وبالنسبة لحكومات البلدان التي بدأت الإصلاح، تتيح هذه العملية بعض المؤشرات للبناء على التقدم الذي تحقق بالفعل، وذلك عن طريق ما يلي:
ـ استكمال زيادة شبكات الأمان الاجتماعي التي تستهدف المستحقين بدقة.
ـ وضع خط زمني واضح لرفع الأسعار المحلية بالتدريج إلى مستوى الأسعار الدولية.
ـ إبعاد الاعتبارات السياسية عن عملية التسعير من خلال استحداث أو تنفيذ آليات أكثر دقة في تحديد الأسعار تلقائيا ـ مع إمكانية اقترانها بخصائص لتمهيد التقلبات.
ـ معالجة الدعم في قطاع الطاقة “الأمر الذي قد يتطلب إعادة هيكلة القطاع” الذي يتسبب في خسائر لشركات الكهرباء المملوكة للدولة.
وفي البلدان التي لم تبدأ الإصلاح بعد، هناك تدابير يمكن اتخاذها لتمهيد السبيل أمام عملية الإصلاح في المستقبل، وعلى وجه الخصوص، يمكن للحكومة تحسين الشفافية بشأن تكاليف الدعم والمستفيدين منه، وجمع بيانات ومعلومات عن استهلاك الأسر المعيشية والفقر بما يساعد على إقامة شبكات الأمان الاجتماعي أو تحسينها، وقد أوضحت حالات الإصلاح السابقة أن الأمر يستغرق عدة سنوات حتى يتم الإعداد لإصلاحات الدعم جيدة التصميم، وبناء توافق الآراء المطلوب بشأنها، ثم تنفيذها، ومن ثم، ينبغي أن تبدأ الحكومات التحرك الآن حتى تتيح لنفسها فرصة بناء إصلاح مستمر وطويل البقاء.
وبالنسبة لكل البلدان، من المهم معالجة الأثر الاجتماعي للإصلاح، ويجب أن يتحرك صناع السياسات والأطراف الدولية المعنية بحرص وأن يختاروا مزيج الإصلاحات وتسلسل خطواته بما يحقق التوازن الصحيح بين المكتسبات على صعيد المالية العامة والكفاءة من ناحية وإجراءات تخفيف الأثر من ناحية أخرى، ولاسيما في مصر والأردن وليبيا والمغرب وتونس واليمن حيث لاتزال التحولات السياسية جارية.
ويعني هذا، على سبيل المثال، البدء بزيادات الأسعار الأقل تأثيرا على الفقراء والمضي لاحقا في رفع الدعم تدريجيا عن المواد الغذائية الحساسة من الناحية الاجتماعية، ولذلك تعلق أهمية بالغة على حسن التوقيت في تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي القائمة أو استحداث إجراءات مخفِّفة تركز على المستحقين.

إلى الأعلى