الخميس 19 يوليو 2018 م - ٦ ذي القعدة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / سورة الكهف (37)

سورة الكهف (37)

اعداد ـ أم يوسف:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد .. نعيش مع سورة الكهف من خلال تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي
سُميّت ‏سورة ‏الكهف ‏لما ‏فيها ‏من ‏المعجزة ‏الربانية ‏في ‏تلك ‏القصة ‏العجيبة ‏الغريبة ‏قصة ‏أصحاب ‏الكهف‎، وهي: مكية، من المئين نزلت بعد سورة “الغاشية”، تبدأ باسلوب الثناء، بدأت بالحمد لله، تحدثت السورة عن قصة ذي القرنين وسيدنا موسى والرجل الصالح. وهي إحدى سور خمس بُدِئت بـ “الحمدلله” وهذه السور هي الفاتحة، الأنعام، الكهف، سبأ، فاطر” وكلها تبتدئ بتمجيد الله ـ جلَّ وعلا ـ وتقديسه والاعتراف له بالعظمة والكبرياء والجلال والكمال.
(فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً، قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً) (11 ـ 23)
فيه ثلاث عشرة مسألة، الأولى ـ قوله تعالى:(حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ) في صحيح مسلم عن أبي بن كعب عن النبي (صلى الله عليه وسلم):(لئاماً) فطافا في المجالس فـ(اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ) يقول: مائل، قال:(فَأَقَامَهُ) الخضر بيده، قال له موسى: قوم أتيناهم فلم يضيفونا، ولم يطعمونا (لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً، قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً) قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(يرحم الله موسى لوددت أنه كان صبر حتى يقص علينا من أخبارهما)، والثانية: واختلف العلماء في القرية فقيل: هي أبلة ـ قال قتادة، وكذلك قال محمد بن سيرين، وهى أبخل قرية وأبعدها من السماء وقيل: أنطاكية وقيل: بجزيرة الأندلس، روي ذلك عن أبي هريرة وغيره، ويذكر أنها الجزيرة الخضراء، وقالت فرقة: هي باجروان وهي بناحية أذربيجان، وحكى السهيلي وقال: إنها برقة، الثعلبي: هي قرية من قرى الروم يقال لها ناصرة، وإليها تنسب النصارى، وهذا كله بحسب الخلاف في أي ناحية من الأرض كانت قصة موسى والله أعلم بحقيقة ذلك، والثالثة: كان موسى ـ عليه السلام ـ حين سقى لابنتي شعيب أحوج منه حين أتى القرية مع الخضر ولم يسأل قوتاً بل سقى ابتداء، وفي القرية سألا القوات، وفي ذلك للعلماء انفصالات كثيرة، منها أن موسى كان في حديث مدين منفرداً، وفي قصة الخضر تبعاً لغيره، قلت: وعلى هذا المعنى يتمشى قوله في أول الآية لفتاه (آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا) فأصابه الجوع مراعاة لصاحبه يوشع .. والله أعلم، وقيل: لما كان هذا سفر تأديب وكل إلى تكلف المشقة، وكان ذلك سفر هجرة فوكل إلى العون والنصرة بالقوت، والرابعة: في هذه الآية دليل على سؤال القوت، وأن من جاع وجب عليه أن يطلب ما يرد جوعه خلافاً لجهال المتصوفة والاستطعام سؤال الطعام، والمراد به هنا سؤال الضيافة بدليل قوله:(فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا) فاستحق أهل القرية لذلك أن يذموا، وينسبوا إلى اللؤم والبخل، كما وصفهم بذلك نبينا ـ عليه الصلاة والسلام، قال قتادة في هذه الآية: شر القرى التي لا تضيف الضيف ولا تعرف لابن السبيل حقه، ويظهر من ذلك أن الضيافة كانت عليهم واجبة، وأن الخضر وموسى إنما سألا ما وجب لهما من الضيافة، وهذا هو الأليق بحال الأنبياء، ومنصب الفضلاء والأولياء وقد تقدم القول في الضيافة في (هود) والحمد لله، ويعفو الله عن الحريري حيث استخف في هذه الآية وتمجن، وأتى بخطل من القول وزل فاستدل بها على الكدية والإلحاح فيها، وأن ذلك ليس بمعيب على فاعله، ولا منقصة عليه، فقال:
وإن رددت فما في الرد منقصة
عليك قد رد موسى قبل والخضر
قلت: وهذا لعب بالدين، وانسلال عن احترام النبيين، وهي شنشنة أدبية، وهفوة سخافية ويرحم الله السلف الصالح، فلقد بالغوا في وصية كل ذي عقل راجح، فقالوا: مهما كنت لاعبا بشئ فإياك أن تلعب بدينك، والخامسة: قوله تعالى:(جِدَاراً) الجدار والجدر بمعنى وفي الخبر:(حتى يبلغ الماء الجدر)، ومكان جدير بُني حواليه جدار، وأصله الرفع وأجدرت الشجرة طلعت ومنه الجدري، والسادسة: قوله تعالى:(يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ) أي: قرب أن يسقط، وهذا مجاز وتوسع وقد فسره في الحديث بقوله:(مائل) فكان فيه دليل على وجود المجاز في القرآن، وهو مذهب الجمهور، وجميع الأفعال التي حقها أن تكون للحي الناطق متى أسندت إلى جماد أو بهيمة فإنما هي استعارة، أي: لو كان مكانهما إنسان لكان متمثلا لذلك الفعل، هذا كلام العرب وأشعارها كثير، فمن ذلك قول الأعشى:
أتنتهون ولا ينهي ذوي شطط
كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل
فأضاف النهي إلى الطعن، ومن ذلك قول الآخر:
يريد الرمح صدر أبي براء
ويرغب عن دماء بني عقيل
وقال آخر:
في مهمه فلقت به هاماتها
فلق الفؤس إذا أردن نصولا
أي: ثبوتاً في الأرض، من قولهم: نصل السيف إذا ثبت في الرمية، فشبه وقع السيوف على رؤوسهم بوقع الفؤوس في الأرض فإن الفأس يقع فيها ويثبت لا يكاد يخرج، وقال حسان بن ثابت:
لو أن اللوم ينسب كان عبداً
قبيح الوجه أعور من ثقيف
وقال عنترة:
فازور من وقع القنا بلبانه
وشكا إلي بعبرة وتحمحم
وقد فسر هذا المعنى بقوله:(لو كان يدري ما المحاورة اشتكى).
وهذا في هذا المعنى كثير جداً ومنه قول الناس: إن داري تنظر إلى دار فلان وفي الحديث:(اشتكت النار إلى ربها) وذهب قوم إلى منع المجاز في القرآن، منهم أبوإسحاق الإسفرايني وأبو بكر محمد بن داود الأصبهاني وغيرهما، فإن كلام الله عز وجل وكلام رسوله حمله على الحقيقة أولى بذي الفضل والدين لأنه الحق كما أخبر الله تعالى في كتابه، ومما احتجوا به أن قالوا: لو خاطبنا الله تعالى بالمجاز لزم وصفه بأنه متجوز.
وأيضاً فإن العدول عن الحقيقة إلى المجاز يقتضي العجز عن الحقيقة، وهو على الله تعالى محال، قال الله تعالى:(يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) وقال تعالى:(وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) وقال تعالى:(إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً) وقال تعالى:(تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى) و(اشتكت النار إلى ربها) (واحتجت النار والجنة) وما كان مثلها حقيقة، وأن خالقها الذي أنطق كل شيء أنطقها، وفي صحيح مسلم من حديث أنس عن النبي (صلى الله عليه وسلم):(فيختم على فيه ويقال لفخذه انطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك ليعذر من نفسه وذلك المنافق وذلك الذي يسخط الله عليه) هذا في الآخرة، وأما في الدنيا ففي الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنسان وحتى تكلم الرجل عذبه سوطه وشراك نعله وتخبره فخذه بما أحدث أهله من بعده)، قال أبو عيسى: وفي الباب عن أبي هريرة، وهذا حديث حسن غريب.

إلى الأعلى