الإثنين 16 يوليو 2018 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن: الـبر وأثـره في النفـس (6)

شـذرات مـن هـدي القـرآن: الـبر وأثـره في النفـس (6)

ناصر بن محمد الزيدي:
الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلين، وخاتم النـبيين وإمـام الـمتـقـين وحجـة الله رب العـالـمين وعـلى آلـه وأصـاحـبه أجـمعـين ، وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـلازال الحـديث مـوصـولاً عـن الـبر وأثـره في الـنفـس الـبشـرية: والله هـو الـبر واسـع الإحسان، صادق الـوعـد، عـظـيم الجـود لـعـباده، فهـو مصـدر الـبر يـمـن بـعـطائه عـلى عـباده في الـدنيا والآخـرة، ولا يـقـتـطـع الإحسان عـلى خـلـقـه بسبب عـصـيانهـم، فهـو الـبـر بـعـباده، العـطـوف عـلـيهـم ومـن مـظـاهـر بـره وإحـسانه بهـم:
بـر بهـم قـبـل عـالـم الـذر: وهـذه الـمـرحـلة هي التي يمـكـن أن نـطـلـق عـليها مـرحـلة اللا شـيء، لا للـعـدم لأن العـدم شئ، فهـو سـبحانه قـدر عـباده في اللـوح المحـفـوظ ، وخـلـق الخـلـق ولـم يـكـونـوا في عـالم الـوجـود الـذي نـطـلـق عـليه (شئ) والـشئ وجـود، أمـا ما قـبـل الـشئ فـما هـو؟.
بالتأكـيـد لـيـس هـو العـدم، لأن العـدم خـلـق مـن خـلـق الله، ولـكـن خـلقـهـم بالـقـدرة الـربانية مـن لا شئ، قـبـل خـلـق الـشئ الـذي مـنه العـدم والـوجـود، بمعـنى قـدرهـم في عـلـمه الـذي هـو محـدث مـنه، ولم يـكـن له سـابـق عـلـيه وهـو عـز وجـل يظـهـر مـن عـلـمه بـقـدر ما يريـد، وقـدرته سـبحانه وتعالى مـتنـاهـية مـع عـدم تعـارض الـقـدرة مـع الارادة، فـهـو يـقـدر عـلى كل شـئ بشـرط الا تـتعـارض الـقـدرة مـع الارادة، وهـذا الـذي نـقـول مـن تمـام الـقـدرة الـمـتنـاغـمة الـمتسقـة مـع الارادة.
ومـن هـنا لـما تساءل نبي الله زكـريا ـ عـليه السلام ـ عـن الكـيفـية التي سـينجـب بها الـولـد ، مـع عـلـمه بأن الـقـدرة الإلهـية التي لا تتـعـارض مـع الأسـباب، وإن كان هـذا الـتعـارض في الظاهـر، أما في حـقـيقـة الأمـر فـلا تـعـارض، أخـبره الله تعالى بأن قـدرته لا يحـدهـا حــد ولا يـقـيـدها قـيـد مـن عـقـل، فـقـدرة الله لا تـتـقـيـد بالسـبب ولا تتحـرر إلى الـمـطـلق، والله عـنـده الـمـطـلـق ولا قـيـد لـديه، ولـيـس عـنـده سـبب لأنه هـو خـالـق كل شيء فهـو خـالـق الأسـباب، فهـو خـالـق الـشيء ومـا قـبـل الـشئ.
وتـفيـدنا نحـن بالعـقـل الـذي يتـقـيـد بالسـبب، مـع دعـوته سـبحانه وتعالى للانفـكاك مـن قـيـد الـقـيـد إلى أطـلاق المـطـلق، مـع الـيـقـين بأن لا مـطـلـق يـتأتى إلا مـن خـلال التـقـيـد بـقـدرة الـعـطـوف الـبر الـرحـيم، الـذي لم ينس مـن يتعـلـق بـبره ورحمته، فـيكـسر له كل الـقـواعـد الكـونية الـمعـمـول بها، لأن تلك الـقـواعـد والـقـوانيـن والـنـواميـس مـن خـلـقه، وهـو قـادر عـلى فـعـل الشيء وضـده، مـع عــدم التعـارض بـين الـقـدرة والارادة كـما أسـلـفـنا.
فـلما كانت الـقـوانيـن الـمتـعـارف عـليها ألا ينجـب مـن قـد بـلـغ مـن الكـبر عـتيـا مـن زوجـة عـاقـر طاعـنة في الـسـن، فـهـنا لا قـدرة بشـرية تقــدر عـلى فـعـل شئ، ولــكـن إرادة الـبر الـرحـيم بـعـباده، الـذي يـريـد أن يـدخـل الـسـعـادة عـلى قـلـب الـنبي زكـريا ـ عـلـيه الـسلام ـ قـدرت غـير ذلك إذ هـو الـذي خـلـقه مـن قـبـل ولـم يـكـن شـيئا قـبـل خـلـقـه له.
قال تعالى:(كهيعص، ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا، إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا، قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا، وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا، يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا، يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا، قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا، قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا) (مـريـم 1 ــ 9).
فــمـن عـطـاء الله وقـدرته ورحمته وبـره، أبقى سـيـدنا زكـريا ـ عـليه السلام ـ وزوجـه عـلى حـال الشـيـخـوخـة وأحـسـن إلـيهــما وبـرهـما بنـعـمة الـولـد، مـع قـدرته عـلى ردهـماً شـباباً، ولا يـوجـد ما يمـنع ذلك، لـكـنه الـبر الـرحـيم الـذي يمـلك الـقـوة والـقـدرة، فـيظـهـر قـدرته في بـره وعـطـفـه، فـلا يمـنـع مـن عـطائه وبـره عـقــم ولا شـيخـوخـة ولا وهــن عـظـم، وكـيـف يمـنعه سـبب ويحـول دون إرادته سـبب مـن الأسـباب وهـو خـالـق الأسـباب؟.
وكـيـف يـسأل عـن الـشيء وهـو خـالـق الشيء مـن لا شيء، لـذا فـقـد قال الله تعالى:(.. وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا) وهـذا مـا قـلـناه إنه خـالـق كل شئ مـن لا شئ، وهـذا اللا شيء هـو نقـطة الارتكاز في اظـهـار بـره الشامـل الـواسـع الـذي وسـع جـميـع الـمخـلـوقات، فـهـو قـادر عـلى بـر مـن يشاء دون تقـيـد بسبب، فـإذا كان هـو الـذي قـدر الشيء مـن لا شئ، فـكـذلك لا يمـنـع عـلى بـره شيئاً.
فـله الحـكـم الـمـطـلـق والارادة الـمـطـلـقـة، وإلـيه يـرجـع الأمـر كله، ولا إرادة إلا إرادته ولا ينــفـذ إلا أمـره، بـربهـم وهم في عـالم الـذر، قال تعالى:(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ، أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ) (الأعـراف 172 /173).
وعـالم الـذر عـالم يكـمـن في عـالـم الـتـكـوين الـروحي، عـالـم له وجـود بكـيفـية أخـرى غـير مستساغـة عـقـلاً، وإنما مـقـبـولة تعـقـلاً وحـكـماً، وهـنا نسأل: ألـيـس العـلـم الحـديث وصـل إلى أن يخـلـق مـن الخـلـية الحـية مـثـل صاحـبها.
ألـيـس العـلـم الحـديث قـد وصـل إلى تقـنية يحـفـظ بها الحـيـوان الـمـنـوي الـذكـري والـبـويضة الأنثـوية، ويسـتـطـيع أن يمـزجـهـما لـيـاتي لـنـا بمخـلـوق جـديـد مـن ذلك الخـلط.
والسـؤال الـذي نـقـدم به لـكل ذي تبـصر وتعـقـل هـو: ألـيست قـدرة الله مطـلـقـة؟، أليـست حـكـمة الله مـطـلـقة؟، ألـيـس الله فـعـال لـما يـريـد؟ ألـيـس الإنسان مـدعـوا لخـلافة الله في الأرض؟.
.. وللحـديث بـقـية.

إلى الأعلى