الثلاثاء 17 يوليو 2018 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / الأديبة لينا كيلاني لـ ” أشرعة “: كرستُ في تجربتي الأدبية مفهوماً جديداً في الأنسنة

الأديبة لينا كيلاني لـ ” أشرعة “: كرستُ في تجربتي الأدبية مفهوماً جديداً في الأنسنة

ادب الأطفال هو أدب السهل الممتنع

أغلب الافكار التي أنسج حولها قصصي هي مما يثير اهتمام الطفل

الطفل بحاجة الى إنسان حقيقي يشبهه ولا يضلله

أجرى اللقاء: وحيد تاجا
قالت أدبية الأطفال السورية لينا كيلاني ان ” عالم الطفولة سحبني اليه منذ وقت بعيد لم أكن فيه قد ابتعدت عن سنوات العمر الصغير” وأضافت في حوار شيق مع ” أشرعة”: ان ادب الأطفال هو جنس أدبي قائم بذاته، له شروطه وأدواته، وما لم يتقن الكاتب أي كاتب فن استخدام تلك الأدوات لما أدت كتاباته غايتها. وحول اختيارها لموضوع قصصها قالت: ان موضوعات قصصي تأتي إليّ عموماً من الحياة.. وفي عالم الطفولة تحديداً فإن أغلب الافكار التي أنسج حولها قصصي هي مما يثير اهتمام الطفل. واعتبرت ان الأنسنة هي من صلب أدب الطفل لأن الطفل بخياله الواسع يؤنسن كل ما حوله.

ويذكر ان لينا كيلاني نشأتْ في بيئة أدبية، فوالدتها هي الكاتبة السورية المعروفة قمر كيلاني، ورغم أنها لم تفكر في أن تكون كاتبة، لكنها ومنذ صغرها غامرت بالكتابة للأطفال، فأخلصت لهم حتى الآن وقدمت لهم أكثر من 150 مؤلَّفاً بين مجموعات قصصية تتوجه للطفل وروايات لليافعين فضلا عن رواياتها للكبار..وتعتبر حاليا من أهم كتاب أدب الأطفال في الوطن العربي. تُرجِم بعض من إنتاجها إلى اللغات الألبانية، السلافية، الروسية، الإسبانية، وأُدرِج اسمها في أكثر من تسع عشرة موسوعة عالمية في بريطانية واميركا والهند ..وحصلت على العديد من الجوائز .

* ـ متى كتبت أول قصة للأطفال .. وما مدى صحة القول ان لطفولتك أثرا كبيرا باتجاهك وحبك للكتابة للطفل… ؟
** عالم الطفولة سحبني اليه منذ وقت بعيد لم أكن فيه قد ابتعدت عن سنوات العمر الصغير.. ولعل الطفولة الغنية التي عشتها، والمناخ الفكري والأدبي الذي نشأت فيه، وكنت قريبة من تلك الأسماء الأدبية اللامعة كالنجوم في سماء الأدب، أقول لعل ذلك كان سبباً ودافعاً لي لمحاولات الكتابة الأولى التي بدأت مع موضوعات التعبير المدرسية، والقصص التي ينسجها خيال الطفولة المبكرة. تلك المغامرة التي لم تنته مع أول قصة لي نشرت في جريدة (تشرين)، وكانت البداية الحقيقية للدخول في عالم أدب الطفل، وأنا ما أزال طالبة في مرحلة الدراسة، وشكلت لدي فرحاً غامراً عندما قرأت اسمي لأول مرة في الصحيفة مما كان بدوره حافزاً حقيقياً للمضي في هذه الطريق، والنموذج المثال الذي تأثرت به كان ماثلاً في ذهني دوماً، وهي والدتي التي علمتني أن أفرح، وأن أتألم، وأن أحس الروح في كل الأشياء، كما وصفتها في إهداء كتابي الأول.. وهكذا سرت بعيداً في هذه الطريق عندما لاقت تلك القصص استحسان الأطفال أنفسهم ذلك أنها جاءت وبشكل عفوي بما يتناسب وعقلية الطفل، ونظرته الى الحياة من حوله.. ولعلي آنذاك أي عندما بدأت بالكتابة، ونشر قصصي في الصحافة كنت أصغر كاتبة تكتب للأطفال، ولا تفصلها سنوات الأعمار إلا قليلاً عنهم.. بل طفلة تكتب للأطفال.. وبالطبع لم تكن في ذلك الوقت قد ظهرت شبكة المعلومات، ووسائل التواصل لتعلن عن ذلك. وأمي التي هي معلمتي الأولى في درب الأدب لم تكن لتشجعني في البداية قبل أن تتأكد من إمكاناتي وقدرتي الحقيقية على الكتابة.. فانتقل الأمر لدي فيما بعد من الهواية الى الاحتراف.
* ـ هل تعتبرين الكتابة للطفل فناً قائماً بذاته له أدواته الخاصة، أم أنه اجتهاد خاص من الكاتب يبحر فيه متى يشاء ..و بماذا يجب أن يمتاز أديب الأطفال عن غيره من الكتاب …؟
**ـ بل إنه جنس أدبي قائم بذاته، له شروطه وأدواته، وما لم يتقن الكاتب أي كاتب فن استخدام تلك الأدوات لما أدت كتاباته غايتها. إنه أدب السهل الممتنع الذي يجب أن يراعي المرحلة العمرية للطفولة التي يتوجه اليها، وهو الذي يجب ألا يخرج عن القاموس اللغوي للطفل، أما الخيال فهو من نسيج هذا الأدب، الى جانب القيم التي يبثها الكاتب بأساليب غير مباشرة وبعيداً عن الوعظ والإرشاد، والكاتب يجب ألا يغيب عنه أن هذه الطريق على جمالها ورحابتها صعبة في الدخول إليها لأن الشروط التي يجب أن يمتلكها هي شروط دقيقة تتعلق به ككاتب، وتتعلق بما يلم به من معارف ومعلومات تناسب الطفل، ومن إطلاع على علوم بعينها كعلم الاجتماع، وعلم نفس الطفل.. إذ ليس المطلوب الاختصاص وإنما المعرفة لاسيما فيما يتعلق بمراحل نمو الطفل لا حسب السنين فقط بل حسب الأشهر أيضاً.
* ـ المتابع لإصداراتك للأطفال يلاحظ تحميل الأسماء نفسها قيما أخلاقية ومعرفية. وسؤالي كيف تختارين موضوع القصص.. ؟
**ـ موضوعات قصصي تأتي إليّ عموماً من الحياة.. وفي عالم الطفولة تحديداً فإن أغلب الافكار التي أنسج حولها قصصي هي مما يثير اهتمام الطفل، ومما يقترب من عوالمه الداخلية ويريد أن يعرف عنه أكثر. فالطفل كائن ذكي يعرف ما يحب، وما لا يحب.. وما إقباله على كتاب ما، أو عزوفه عنه إلا تعبيراً نقياً عما يقنعه ويحبه، أو يرفضه لأنه لا يصل الى قلبه وعقله بآن معاً.. وأي فكرة مهما كان تصنيفها يمكن مقاربتها لتقريبها الى الطفل ضمن شروط أدب الأطفال، وبحيث لا تخرج عنها. وأنا قد تناولت في مؤلفاتي موضوعات كثيرة سواء في القص الخيالي، أو الآخر الواقعي.
ومن خلال هذا التنوع في الموضوعات التي حفلت بها مؤلفاتي كان لذوي الاحتياجات الخاصة نصيباً في سلسلة من عشرة كتب بعنوان (بذور الأمل) صدرت عن الدار المصرية عام 2006، وفي طبعة ثانية عن مكتبة الأسرة في مصر عام 2007، تناولت فيها أغلب الإعاقات التي يتعرض لها الصغار ليتعامل معهم أقرانهم على أنهم من ذوي القدرات الخاصة لا الاحتياجات، في محاولة لإدماجهم بالمجتمع على أنهم جزء من نسيجه.
أما القص العلمي فقد نال القسم الأكبر من مؤلفاتي، وأنا لم أتردد حتى في أن أقدم للطفل أصعب الأفكار العلمية وصولاً الى (النانو) تكنولوجي، فكان مؤلفي الذي يحمل عنوان: (الجدة والساحرة نانو)، الصادر عن دار الفكر عام 2013.
* ـ الأسطورة والرمز والأنسنة والخيال العلمي تتكرر في أدب الأطفال. أين الواقع في هذا الأدب…؟
**ـ الأسطورة هي غير الخرافة، والأسطورة مستمرة على مدى الأزمان لأنها تحمل في عمق مضمونها بذرة حقيقية وقد تكون علمية.. في حين أن الخرافة قد تجاوزها السبق العلمي بمراحل كثيرة فلم تعد تقنع، أو تنفع.. أما الرمز فهو لا يأتي الى أدب الطفل إلا حسب المراحل العمرية للطفولة، إذ أنه عصي على فهم أطفال المرحلة العمرية الأولى، في حين أن منه ما يمكن أن يفهمه من هو في المرحلة العمرية الثانية، أو في عمر اليفاعة، وهذا مزلق دقيق على الكاتب أن يتنبه اليه حتى لا يقع فيه، وحتى لا تكون أساليب التعبير، كما الصور والتشبيهات مغلقة، أو غامضة على الطفل، ولعل تجربة عملية في هذا المجال لو روى أحدهم إحدى هذه القصص المرمزة لمن هم في مرحلة عمرية صغيرة لواجه أسئلة كثيرة من الطفل في الاستفسار عن كلمة، أو معنى، أو ما المقصود بالقصة عموماً.
والأنسنة هي من صلب أدب الطفل لأن الطفل بخياله الواسع يؤنسن كل ما حوله، وعند هذا المفهوم تحديداً أتوقف لأقول إنني أوجدت لنفسي توجهاً جديداً كان موضوعاً لبعض الرسائل الجامعية لدارسين. أما الخيال العلمي فقد أصبح ضرورة في أدب الطفل بعد أن قطع العلم أشواطاً بعيدة في مسار الاكتشافات، والمخترعات، والمعرفة في كل العلوم. ونحن إذ نقترب من الخيال العلمي في أدب الطفل، ومن الادب العلمي فإنما نهيئ الطفل لغده حتى لا تصيبه صدمة المستقبل، وحتى يتجاوز مرحلة الأمية الحضارية. وأنا كتبت كثيراً ومنذ البدايات في القص العلمي الذي يقوم على تقريب المعلومة العلمية بأسلوب مبسط للطفل، ولم أكتف بذلك عندما توجهت في مرحلة تالية من مسيرتي الأدبية الى الخيال العلمي وللرواية النصيب الأكبر منه كروايات: إجازة في المريخ، الرأس المفتوح، من أنا من أكون؟، النبات الذي أصبح قاتلاً، الكهف المخبوء، سراب تحت الماء، العمر الوضاء في جزيرة الفضاء، وغيرها.. وقد صدرت جميعها في عدة طبعات، وكان لها السبق العلمي إذا ما عدت الى تواريخ كتابتها أو إصدارها في كتب.

* ـ اشرت الى انك ” كرستُ في تجربتك الأدبية مفهوماً جديداً في الأنسنة” . هل يمكن إيضاح الفكرة ..؟
**ـ أجل فقد كرست في تجربتي لمفهوم جديد حول الأنسنة عندما تناولت عدداً من الحيوانات على مدى ثلاثين مجموعة قصصية كل واحدة منها تحتوي على (10) قصص متصلة منفصلة، وبطلها واحد من الحيوانات.. هذا المفهوم الجديد عندي لا يخرج به الكاتب عن خصائص الحيوان الذي يتحدث عنه، بل يظل يدور في عالمه، وضمن مواصفاته التي عرف بها في عالم الحيوان. وفي الوقت نفسه يشعر الطفل أنه يحاوره، وأنه قريب منه، يفهمه أو يتعايش معه. ودون أن يكسر الحاجز بين عالمه وعالم الطفل. أما الحواجز فقد جعلتها شفافة ورقيقة بحيث يستطيع الطفل أن يمد يده اليها ويرى ما وراءها، وإن حطمها فهي لا تؤذيه. إنها تحتفظ له بحدوده كطفل أمام حدود الآخرين.. ولكل عالمه رغم الصلة بينهما.
وفي رأيي أيضاً أن للأنسنة جوانب عديدة، وأنا اخترت هذا الجانب من سلسلة الحيوان تتناسب مع قيم معينة، ومدلولات معينة. ولما كان الطفل يملك خيالاً خصباً، وقدرة على اختراق عوالم الآخرين إن لم نقل التوحد معها فإننا بهذا السبيل نغذي خياله، ونشبع رغبته في المعرفة، ونسليه ونمتعه، وفي الوقت نفسه نأخذ بيده لكي يفصل ذاته عما هو حوله. وكتاب (الزرافة فوز) الذي نال جائزة الصحافة العربية عن فئة صحافة الطفل عام 2008 هو نموذجاً لهذا التوجه الجديد في الأنسنة. وكذلك كتاب (أنفلونزا يا فايزة) الذي نال جائزة سوزان مبارك لأدب الطفل عام 2006.
*ـ هل الطفل بحاجة إلى شخصية ( سوبر مان ) أي الرجل الذي لا يقهر. أم أنه بحاجة إلى شخصية الإنسان الذكي والضعيف نسبيا …؟
**ـ الطفل بحاجة الى إنسان حقيقي يشبهه ولا يضلله، وهو بحاجة الى النموذج المثال الذي يقتدي به، ويتمنى أن يكون شبيهاً به في المستقبل، أما فكرة (سوبرمان) نيتشه، أو الرجل الخارق الذي يتقن كل الأشياء، ولا يقهره شيء فهي نسيج ثقافة استعمارية تفرز العالم الى أقوياء وضعفاء، أو أغنياء وفقراء، وعذراً لو أضفت: الى أذكياء وأغبياء.. إذن فالطفل ليس بحاجة الى هذه الصورة الوهمية التي أصبحت نمطية ليستقي منها صورته المستقبلية. أما مبدأ القوة فأرى أنه ذلك الذي يعتمد على استخدام العقل، واتباع طريق العلم، ليتقد الذكاء وليصبح الضعف حالة يمكن تحليلها، وعلاجها، والتفوق عليها.
* ـ بالتالي كيف يتجاوز الكاتب المبدع الفروقات بين الأطفال والبيئات وصولا لتحقيق المهمة الإبداعية في الكتابة للطفل… ؟
**ـ لابد للكاتب أن يميز بين بيئات الأطفال فيما يكتبه لهم، فطفل المدينة تختلف بيئته عن طفل الريف، ومن يعيش في أجواء الثلج تختلف تجربته عمن يعيش في الصحراء، كذلك البيئات الاجتماعية، وما قصة (الأمير والفقير) لمارك توين من الأدب الأمريكي وبطلاها طفلان متشابهان أحدهما أمير والآخر فقير إلا نموذجاً لمدلول اجتماعي وفلسفي عميق، وهو أن الظروف والأوضاع الاجتماعية هي التي تميز بين الاثنين وليس القدرات العقلية والذكاء، وبالتالي تأثير البيئة على السلوكية بحيث أن ما يتصرفه الأمير من باب الاعتياد هو غير ما يتصرفه الفقير الجاهل بوسط بيئة الأمير، وانه لا فرق إنسانياً بين الاثنين بدليل انسجامهما معاً حتى قررا أن يتبادلا الأدوار، والفوارق إنما تكمن فقط في عقلية المجتمع.
* ـ قدمت سلسلة السيرة النبوية الشريفة، وكذلك سلسلة صحابة الرسول ص”. وغيرها ..مما سبق وتم تناوله مئات المرات , فماذا أضفت أنت من جديد… ؟
**ـ الجديد الذي أضفته في هذه السلاسل هو أنني تناولت سيرة الحياة بقالب قصصي أدبي، ومن دواخل الأبطال أنفسهم، واستلهمت شخصية كل بطل من هؤلاء من مفردات حياته التي عاشها ليأتي رسم الشخصية على الورق نابضاً بها كما لو أنها من لحم ودم تتحرك ضمن مساحات اختياراتها أمام قارئها.. فكان فيها التجديد بعيداً عما تعودنا أن نقرأه في مثل هذه السير، ولعل هذا كان سبباً لترجمة السيرة النبوية الشريفة المؤلفة من عشرين جزءاً الى الفرنسية، والإسبانية، والى اللغات الاسكندنافية الخمس إضافة الى أنها صدرت في طبعتها الأولى باللغة الانكليزية.
*ـ أيضا قدمت الكثير من قصص الخيال العلمي. ويرى البعض أن أدب الخيال العلمي لم ينتعش إلى اليوم، و لا يزال مكبلا بكثير من القيود الاجتماعية والأخلاقية والرقابية وغيرها من القيود التي توضع على أطفالنا. ماقولك…؟
**ـ ما أظن أن هناك قيوداً اجتماعية أو رقابية أو أخلاقية كما تقول على أدب الخيال العلمي.. وأرى أننا لم نهيئ أجيالنا بما يكفي للتوجه نحو آفاق العلم، ومنها الخيال العلمي.. هذا من جانب.. ومن جانب آخر فإن هذا الجنس الأدبي مازال مفهومه ملتبساً على من يكتبون فيه في عالمنا العربي لتأتي أعمالهم أقرب الى الفانتازيا منها الى الخيال العلمي الحقيقي الذي أساسه الفكرة العلمية الصحيحة، ليأتي بعد ذلك دور الكاتب في استشراف ما يمكن أن يصل اليه العلم. وفي الغرب لا يقام مؤتمراً علمياً إلا وكاتب الخيال العلمي في الصفوف الأولى من الحضور ليستفيد العالم من خيال الكاتب، ويمضي في بحوثه، ونظرياته بما يمكن أن يحقق ذلك الخيال الذي انطلق بشكل صحيح من أسس علمية. أما الناشر العربي فمازال لا يتحمس لنشر مثل هذه الأعمال الأدبية لأنه يعتبر الأمر نوعاً من المغامرة التي قد تكون خاسرة، في وقت يقبل فيه الصغار والكبار على أفلام الخيال العلمي التي تنتجها (هوليود) لما فيها من إبهار، وإقناع، وحرفية في النص، والإخراج. معادلة صعبة لابد من الوقوف عليها ليصبح أدب الخيال العلمي جنساً أدبياً معترف به عربياً، يهتم به القارئ قبل الناشر.
*ـ ما مدى التكامل في المواضيع والمضمون بين قصصك للأطفال وقصصك للشباب او للكبار…؟
**ـ بما أنني خضت مغامرة الكتابة والأدب في عمر مبكر فقد كنت، ومازلت أحقق ذلك الإنسجام بين تطور تجربتي الحياتية وكتاباتي الأدبية.. فعندما توجهت في البداية لأدب الأطفال لمن هم في المرحلة العمرية الثانية كانت تجربتي لا تتجاوز تلك الفئة العمرية للأطفال، وفي مرحلة تالية عندما أصبحت الموضوعات التي أطرحها في مؤلفاتي وأعالجها لمن هم أكبر سناً توجهت عند ذاك الى رواية الشباب، ومن بعدها روايات الخيال العلمي، ورواية الكبار.. وكأنني بذلك عكست المقولة إذ أن كبار الكتّاب الذين كتبوا للأطفال لم يُقدِموا على تلك المغامرة إلا بعد أن اكتملت تجربتهم الأدبية لما لهذا الجنس الأدبي من خصوصية، وما يتطلبه من الكاتب من براعة حتى يصل فعلاً الى قلوب الأطفال وعقولهم.. وكما ذكرت سابقاً فعندما بدأت بالكتابة للأطفال لم أكن قد ابتعدت عن سنوات الطفولة فجاءت أعمالي من داخل عقلية الطفل، أرى بعينه وأتحدثه بلسانه، وهذا بالتالي ما جعلني أكرّس نفسي ككتابة للأطفال لسنوات قبل أن أنتقل الى مرحلة رواية الشباب، ومن ثم الكبار.
*ـ يلجأ الأديب في كثير من الأحيان الى طرح أسئلة ” مقلقة ” بين ثنايا كتاباته .. وغالبا ما يتركها دون إجابات ..هل يصح هذا أيضا على الأدب الموجَّه للطفل او للبالغين..؟
**ـ قد لا يكون الجواب صريحاً ومباشراً لكن براعة الكاتب تكمن في إجابات مغلّفة لا مغلقة تتفتح في ذهن الطفل كلما تقدم في العمر، ففي كل مرحلة يبلغها تزداد تجربته في الحياة، ويتوسع إدراكه بحيث تتفك الرموز أمامه ليغدو الجواب صريحاً ومقنعاً. والعالم من حول الطفل ليس هو المشرّف دوماً، وإنما هناك ما يجترحه من التجاوزات.. وفي رأيي لا يجوز أن نغمض عين الطفل إلا عن كل ما هو مشرق وجميل، إذ بالإمكان أن نطلعه على ذلك الجانب غير المشرق من الحياة بشرط ألا يصدمه، وأن يحمل العلاج والحلول معه.. وهذا ما حرصت عليه في بعض مؤلفاتي عندما تعرضت الى مشكلة أطفال الشوارع مثلاً في مؤلفي (قنديل في ليل طويل)، وكذلك في المجموعة القصصية (أطفال في خطر)، وغيرها كثير من المؤلفات في القص الواقعي الذي يهتم بمشكلات الطفولة وحقوقها ككتاب: (وئام لا خصام)، و(بأيدينا معاً)، والمسرحية الشعرية (أشواك وورود) حول عمالة الأطفال، وغيرها من المؤلفات.
* ـ بالتالي ماهي الأسئلة ـ التي تعمد الكاتبة لينا إلى طرحها في قصصها للصغار .. وهي تعرف جيدا ان الثقافة العربية أميل إلى الخوف من السؤال، ..لأنها ثقافة مجتمعات تخاف على أطفالها من تبعات طرْح الأسئلة، ولا سيّما الإناث.. ؟
*ـ ما من سؤال لا يجوز طرحه.. فكل الأسئلة مشروعة لكن الأهم هو كيف نجيب عليها، وأنا شخصياً أحب جرأة الصغار عندما يسألون، وإذا ما حاولت أن أجيب على أسئلتهم فلا مبرر عندي للوم، أو الصمت فمن حق الطفل أن يعرف.. وخبرة الأديب في مجاله لا تجعله مرتبكاً حيال الإجابات، ولعلي في مؤلفاتي التي تجاوزت (155) مؤلفاً وهي تتنوع بين المجموعات القصصية، والروايات قد تعرضت الى العديد من الموضوعات التي تحمل في ثناياها أغلب الإجابات. فما بالك ونحن في زمن شبكة المعلومات، والتواصل والاتصال بحيث لم يعد هناك ما نستطيع أن نخفيه عن صغارنا وهم يحملون بين أيديهم تلك الأجهزة الصغيرة الفائقة التي تصلهم بكل ما في العالم؟!! فهل نستطيع بعد كل ذلك أن نحجب أسئلتهم؟؟
*ـ توقف العديد من النقاد امام اللغة المستخدمة في قصصك للأطفال.. وسؤالي ما هي خصوصية اللغة التي يجب ان نتوجه من خلالها للأطفال …؟
**ـ لغتي في قصص الاطفال هي تلك الفصحى المبسطة، وهي التي تأتي من قاموس الطفل اللغوي حسب مراحله العمرية، وهذا جانب مهم جداً في أدب الطفل أحرص عليه بدقة شديدة. إضافة الى أنني أنصت الى (موسيقى داخلية) للنص أتحسسها بنبض قلبي، فلا أستطيع أن أضع تعبيراً مكان آخر، ولا أن أستبدل كلمة بغيرها. وعلى أديب الأطفال عموماً أن يلتزم بقاموس الطفل اللغوي حتى لا يغيب المعنى عن الطفل، وألا يستخدم تعابير الكبار حتى لا ينصرف الأطفال عن قراءة الكتاب الذي هو بالأساس موجه لهم.
*ـ ما هو دور الرسم في أدب الأطفال .. وهل تلغي القصص المرسومة النص الأدبي فعلا .. بالتالي أيهما أهم الصورة أم النص.. الصورة بدون حوار.. أم الحوار بدون صورة …؟
**ـ بل هي عملية تكاملية بين النص والرسوم وكلٌ يعزز الآخر، والكتاب الجيد هو الذي يتميز بالمضمون، وبالرسوم التي تعبر عنه. ففي المرحلة العمرية الأولى تكبر مساحة الرسوم ذات الخطوط البسيطة على حساب الكلمات، وتتضح حرارة الألوان ولا تتنوع كثيراً حتى تلتقط عين الطفل. أما في المرحلة العمرية الثانية فهو العكس عندما تكبر مساحة الكلمات على حساب الرسوم. والرسوم تحتوي على تفاصل تتجاوز الخطوط البسيطة التي هي لأطفال المرحلة العمرية الأولى، كما تتعدد الألوان بنسبة أكبر. فطفل المرحلة العمرية الثانية يكون قد تعلم القراءة، ولم يعد بحاجة لرسوم تساعده على الفهم كمن هو أصغر منه عندما تقوم الرسوم بتوضيح المعنى له.. وهكذا يسير الأمر كلما توجهنا نحو الأعمار الأكبر للأطفال حتى يزدان الكتاب بـ (اسكتشات) بالأبيض والأسود فقط. أما الغلاف الملون لكتاب الطفل فهو أساسي، كما العنوان ليعلن عن الكتاب، ويجذب الطفل اليه.
*ـ هل يمكن ان تعرضي كتاباتك على الأطفال قبل نشرها لمعرفة مدى تقبلهم لها. وإلى أي مدى تأخذين برأيهم…؟
**ـ لابأس بذلك.. بل إن كثيراً من الكتّاب يفعلون.. وأنا طبعاً أهتم بآراء الأطفال حول مؤلفاتي.. فالطفل هو الناقد الأول، وهو الذي يحدد جودة الكتاب من عدمها.. وعلينا أن نأخذ برأيه دون تردد فهو الهدف، والمقصد.. ولا أنسى طرفة حصلت مع طفلتين توأمين في السابعة من العمر، وقد تنازعتا حول مؤلفي (الأفعى سامو).. فما كان من الأب إلا أن قسم الكتاب قسمين، وأعطى كلاً منهما قسماً لتتبادلا القراءة فيه.
* ـ لدينا كمٌّ كبير من كتب الأطفال المترجمة من الآداب العالمية، ولكن كم كتاباً عربيًّا تُرجم لأطفال العالم؟ وهل ما ترجمناه لأطفالنا يناسبهم حقًّا..؟!
**ـ هذه أزمة حقيقية فعلاً، وأنا شخصياً لم أوفر مناسبة إلا وتحدثت في هذا الأمر، ومراراً طالبت في معرض القاهرة الدولي للكتاب لأن يبادر الناشر العربي بترجمة ولو لمؤلف واحد من العربية الى لغة أجنبية مقابل ما نترجمه نحن من كم لا يستهان به من الكتب الغربية.. ومازلت أنتظر منذ سنوات.
أما المترجمات التي نطرحها بين أيدي أطفالنا فلي منها موقف لعله غير مشجع، إذ ليس كل ما يترجم يناسب بيئة الطفل العربي. وتحدثنا عن آثر البيئة في سؤال سابق، والبيئات العربية عموماً هي متشابهة إلا من بعض الفروقات في الخصوصية، أما القيم، والممارسات الحياتية فهي تكاد تكون واحدة لدى كل البلاد العربية، وما يناسب الطفل الغربي يختلف حسب قيم مجتمعاتنا، وتقاليدها عما يناسب الطفل العربي.. ولهذا لابد لنا أن نجتهد للحصول على كتاب عربي متكامل من حيث النصوص، والرسوم، والإخراج، والطباعة بما ينافس الكتاب الغربي الذي نشتري حقوق ترجمته بأغلى الأثمان، في الوقت الذي نحاول أن نخفض فيه من تكاليف طباعة كتاب الطفل، وهو الأغلى طبعاً لما يتطلبه من رسوم، وألوان، وورق صقيل حتى تمتد اليه يد الطفل. لقد سَربت الينا مضامين الترجمات كثيراً من فكر الغرب وقيمه، حتى نسينا ما تحفل به حضارتنا العربية من تفوق في الفكر والعلم، ولبسنا ثوباً غير ثوبنا.

إلى الأعلى