الجمعة 15 ديسمبر 2017 م - ٢٦ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار “لا تندهوا مافي حدا”!

باختصار “لا تندهوا مافي حدا”!

زهير ماجد

شجع بعض العرب إسرائيل على القيام بعملية برية .. لم تستشرهم بالطبع، لكنهم يعرفون قراراتها عن بعد فيشدون على يدها .. طالما أنها لم تحقق ولن تحقق عن طريق القصف عن بعد وعن قرب. هزوا رؤوسهم أن افعليها عن طريق البر .. فلتهجم الدبابات ولتمزق القطاع، ولتقتل ‍‍.. إذا كانت الاستراتيجية الإسرائيلية أن اقتل بقوة واقلع ما يخيف، كي يضطرب المجتمع ويخاف، فبعض العرب يؤيد، يريد عالما عربيا بدون غزة، وبدون جنوب لبنان، وبدون سوريا، ولماذا لا يكون بالتالي بدون إيران.
ثقافة الوله بالقتل ليست إسرائيلية إذن، هي من حصة بعض العرب الذي لم يسمع حتى الآن صوت النشيج الغزاوي، ورؤية الأطفال القتلى، والدمار الذي يشبه مدنا في الحرب العالمية الثانية دمرها النازي الذي يتجاوزه الصهيوني الإسرائيلي في خيارات القتل والدمار.
بعض الذي رأيناه في غزة قد نعتذر ولو متأخرين من هتلر وكل الفاشيين في التاريخ وعبر التاريخ. لكننا ما نراه عند الجمهور العربي مؤسف وغاية في الإزعاج .. كأن ما يحدث في غزة في كوكب آخر، حتى مجرد التعاطف لم نره، ومجرد الكلمات الصارخة لم نسمعها. كما ابتلينا بإعلام عربي بعضه كأنه محايد، وابتلينا أكثر ببعض السياسيين والمسؤولين العرب وقد أكل لسانهم، أو أنهم باعوه منذ زمن بعيد.
كانت فيروز تقول “مافي حدا .. لا تندهي مافي حدا” .. حقا كأن غزة تصرخ في وادٍ عميق فلا هو مسموع، ولا من أحد يسكنه .. بل الأنكى، أن البعض العربي طار صوابه على مدى أكثر من عشرة أيام أن غزة صامدة بل مقاتلة، هؤلاء يريدون سباتا، هم يؤيدون الصهيوني القائل بأن أفضل العربي هو العربي الميت.
إذا كان العالم أيضا فقد حاسة البصر والسمع كما فقد الإحساس بالإنسانية سوى أنها صارت مسجلة في كتبه وفي مجلات يقرأ عنها، فقد ابتلينا أيضا به لأنه بكى ثلاثة إسرائيليين قتلوا في ظروف ما، فيما المشهد الغزاوي الصعب والمؤذي للروح الإنسانية والمحرض على الصراخ، ليس سوى مشهد يمر في الأخبار بلا تعليق أو نشك بأن أحدا يتابع .. ومع ذلك، مع أهمية الموقف الدولي والعالمي، يظل الموقف العربي هو المطلوب، ويظل العرب مطالبين بل ومجبرين على الالتزام بالشقيق العربي الذي لا يتعذب فقط، بل يتعرض لموت جماعي قل نظيره في تاريخ البشرية.
“لا تندهوا مافي حدا” .. كأنما الشعوب خدرت أو صارت خاتما في إصبع محركات .. بل كأنما فقدت تلك الشعوب ما كان متوفرا عند جيل عربي لو حدث ما حدث على عهده لأقام الدنيا ولم يقعدها.
هذا الفيلم الإسرائيلي الطويل الذي فيه أعلى نسبة قتل في التاريخ، بمخرجه الأميركي، وبمتفرجيه، الغربيين عموما، والعرب تحديدا، لا أعرف بما أصفه سوى أنه نكران لذاته .. غرابة عن الإنسانية، فظاعة في فهم الدور المطلوب. لقد مللنا النداء، مللنا القول والكتابة في موضوع كررناه .. هم لا يسمعون، لكنهم أيضا لا يقرأون، وإن قرأوا لا يشعرون ولا يحسون.
وماذا بقي بعد غير القول بأن محمود عباس قرر المقاومة بالكلمة كما قال، بعثر أمنه في الضفة الغربية بناء على طلب أميركي إسرائيلي بمنع حتى التظاهر من أجل الشقيق الغزاوي، ثم راح يطلب العون من الذين شدوا على يد إسرائيل بأن تزيد من عدوانها .. وأما هؤلاء الإسلاميون فلم يسمعوا بإسرائيل بعد .. وهذا “الحدا” هو أسوأ المافي حدا!

إلى الأعلى