الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رج مفهوم العروبة (2) لماذا يكره العرب العرب؟

رج مفهوم العروبة (2) لماذا يكره العرب العرب؟

أ.د. محمد الدعمي

انتفض في وجه الحضور، صارخًا: “لست عربيًّا، أنا سومري!” أثار هذا الشاب العراقي عجبي عندما قال هذا، وكأنه ينفض صفة العروبة عن نفسه لأنها كلفته وأهله الكثير من الدماء والأموال طيلة عقود من السنين.
والحق، فقد قلت في دخيلتي وأنا أرقب احمرار وجه ذلك الشاب المنفعل الذي يتكلم العربية ويحمل لقبًا لقبيلة عربية من أقحاح العرب ويلتزم بثقافة وتقاليد المجتمعات العربية والإسلامية؛ قلت: إذا كان الأخ يعد نفسه سومريًّا وزميله الآخر يعد نفسه أكديًّا، بابليًّا أو كلدانيًّا، فمن إذًا سيبقى عربيًّا يفتخر بعروبته وبنسبه وبما ينطويان عليه من مدلولات؟ هذا سؤال مضنٍ يتعلق بقوة ببقاء العرب والرابطة القومية التي تعرضت في السنوات الأخيرة لأنواع الرجات والصدمات درجة دفع ذلك الشاب أن يتخلى عن عروبته ويفضل أن يوصف بأنه سومري، بدلًا عن ذلك.
لاحظت هذا، واستذكرت كم من الأقوام في إفريقيا وآسيا ادعت أنها عربية وتمسكت بالعروبة عندما كان الادعاء بالعروبة يكافأ بالبترودولار؟ هي أقوام عديدة ومتنوعة الأصول. ولكن يبدو أن ما عكسه الشاب العراقي كان ظاهرة جارفة. الصوماليون في العالم الغربي، ينكرون أنهم عرب، فيفضلون وصف أنفسهم بـ”أفارقة”، للأسف. بعض الشباب من دول شمال إفريقيا يفضل أن يصف نفسه بالـ”أمازيغي” على أن ينتمي لقحطان أو قيس أو عدنان! بل إني التقيت مصريين يعيدون ويكررون التمسك بالرابطة القومية القبطية، علها تبعدهم عن “تهمة” أن يكونوا عربًا في بعض دول العالم الغربي.
أما إذا ما فضل السودانيون الوصف بـأنهم “نوبيون” إفريقيون على الوصف العربي، فهذه حال تستحق الملاحظة بضمن هذا التيار الكاسح الذي يجرف الشبيبة العربية نحو مهاوي التخلي عن انتمائها القومي لصالح انتماءات أثرية يمكن الكلام عنها في سياق تنقيبات علم الآثار. وفي هذه الحال، يمكن للشبان الراغبين عن العروبة في لبنان القول بأنهم “فينيقيون”، وكذا الحال مع أقرانهم في فلسطين، ليقولوا إنما هم، أصلًا، كنعانيون؛ بينما يعلن السوريون بأنهم آراميون، بينما يعلن الأردنيون بأنهم أموريون، وهكذا دواليك.
للمرء أن يقول هذا، ثم يعجب كيف يرتدي المرء صفة “العروبة”، عنوانًا قوميًّا أو لقبًا أو مفخرة أو تبخترًا، ثم ينتزعها بين ليلة وضحاها. لست أدري، بصدق، من سيبقى متمسكًا بعروبته وبانتمائه القومي، إذا ما حدث هذا التخلي بالجملة، عن العروبة عبر ما يسمى الآن بـ”العالم العربي”: فإذا كان الأخ سومريًّا، وذاك بربريًّا، وهؤلاء أقباطًا وأولئك نوبيين والباقي من هذه الشبيبة الواعية والواعدة آراميين وكنعانيين، فينيقيين وكلدانيين وقبطيين، فمن سيبقى على عروبته؟ ولمن ستكون جامعة الدول العربية، ذلك “البيت” الذي لم يتمكن من إيواء العرب ليتمسكوا به وبالحفاظ عليه، للأسف.
أخي العربي، لنلاحظ هذه الظاهرة الخطيرة ونحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب نازعي جلودهم العربية: لماذا يعصف هذا الاتجاه الخطير بالشبيبة والنشء العربي؟ هل كانت نكسات وهزائم العرب وإخفاقاتهم في مواكبة العصر وفقرهم وفوضاهم وراء هذا التيار “الشعوبي” و”الأثري” المتمرد على العروبة، ناصرية كانت أم قومية سياسية، ثقافية أم وراثية.
أدعو جامعة الدول العربية وأذرعها التربوية والثقافية لرصد هذه الظاهرة الخطيرة ولمحاولة فقه اسبابها وسبر أغوار أبعادها النفسية ثم معالجتها.
لماذا، أيها الإخوة، أيها الناطقون بالعربية، يكره العرب أنفسهم! أي لماذا يكره العرب العرب؟

إلى الأعلى