الجمعة 20 أبريل 2018 م - ٤ شعبان ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / حكايتي .. مع “صندوق” الانتخابات

حكايتي .. مع “صندوق” الانتخابات

محمد عبد الصادق

” بعد قيام ثورة 25 يناير تم إلغاء كافة المعوقات الانتخابية وسمح الدستور الجديد لكل مصري يحمل بطاقة شخصية وبلغ 18سنة بأن يشارك في الانتخابات بكافة أنواعها, كما سمح للمصريين المقيمين بالخارج بممارسة حق الانتخاب وعاهدت نفسي أن أشارك بكافة الاستحقاقات الانتخابية وألاًّ أستمع لدعوات المقاطعة مهما كانت وجاهتها, من منطلق أن المشاركة في الانتخابات واجب وطني ولإظهار الوجه المشرق للوطن أمام العالم.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

علاقتي بصندوق الانتخاب بدأت مبكرا في مرحلة التعليم الابتدائي واقتصرت على المشاركة في انتخاب رائد الفصل, ولم أفكر يوما في الترشح لهذا المنصب الرفيع ربما لخجلي الشديد وعدم قدرتي على مواجهة الجماهير. واستمرت هذه العلاقة الناقصة بعد التحاقي بالجامعة في منتصف ثمانينيات القرن الماضي, عندما كانت انتخابات الاتحادات الطلابية أقوى من انتخابات الرئاسة, لوجود منافسة شرسة بين التيارات الدينية والناصرييين في ذلك الوقت, ولأنني لم أكن “مؤدلجا” ولا أنتمي لأي من التيارين قررت اختيار الزميل الذي خلا برنامجه الانتخابي من الشعارات السياسية واقتصر على تقديم الخدمات الطلابية, وكان نشاطي الوحيد في فترة الجامعة هو الرحلات والتي كانت الجامعة توفرها للطلاب بمقابل زهيد , وبفضل هذا النشاط أتيح لي زيارة معظم المدن الساحلية المصرية على البحرين الأبيض والأحمر وزيارة المعالم السياحية بالأقصر وأسوان, وكانت هذه الخدمة تشمل الانتقالات وثلاث وجبات معتبرة وجوائز ومسابقات ترفيهية.
وعقب التخرج التحقت بمؤسسة أخبار اليوم ومن ثم عضوية نقابة الصحفيين, مما أتاح لي فرصة المشاركة في الانتخابات كل عامين, وكان يتناوب على منصب النقيب الصحفيان الكبيران إبراهيم نافع ومكرم محمد أحمد, باستثناء فترات قصيرة تولى المنصب جلال عارف, واتسمت انتخابات النقابات المهنية في مصر بالنزاهة والشفافية, وهو ما انطبق على انتخابات نقابة الصحفيين, وكان هناك تياران في النقابة: تيار يرى أنها نقابة خدمية يجب أن تنأى بنفسها عن السياسة وتتفرغ لخدمة أعضائها بتوفير المسكن المدعم وعضوية النوادي ورحلات الحج والعمرة المخفضة والمصايف والقروض الميسرة للأعضاء, وتيار آخر يرى أن نقابة الصحفيين تختلف عن سائر النقابات المهنية كونها نقابة رأي ويجب أن تشتبك مع القضايا السياسية ويكون لها وجهة نظر فيما يجري من أحداث داخلية وخارجية, بجانب الدفاع عن حرية الرأي ومنع حبس الصحفيين في قضايا النشر ومقاومة التطبيع مع الكيان الصهيوني ودعم القضية الفلسطينية وإدانة التدخل الأجنبي في الشؤون العربية واستهداف الصحفيين في مناطق النزاع .
ولم تكن الدولة تتدخل في انتخاب الأعضاء, بينما كانت تدعم مرشحها لمنصب النقيب بمنح علاوة مالية للصحفيين من خلاله ولما كانت الأوضاع الاقتصادية سيئة لمعظم الصحفيين, فكان الاختيار غالبا للنقيب التابع للدولة, وكان النقيب يُسخر إمكانيات مؤسسته الصحفية لخدمة حملته الانتخابية حتى أن أحد المرشحين حمّل مؤسسته تكلفة إحضار أكثر من 300 صحفي يعملون في الخارج بتذاكر طيران ذهابا وعودة للمشاركة في انتخابه نقيبا للصحفيين.
أما عن علاقتي بالانتخابات الرئاسية في عصر الرئيس حسني مبارك, فرغم رغبتي الدائمة في المشاركة, إلاّ أن النظام الانتخابي كان منيعا ومقصورا على فئة محددة هم أعضاء الحزب الوطني الحاكم, فلم يكن يحق لأي مصري الانتخاب إلاًّ إذا امتلك بطاقة انتخابية, وكان الحصول على هذه البطاقة أمرا صعب المنال, إذ كانت تصدر في نهاية كل عام عن طريق ضباط أمن الدولة المنتشرين بأقسام الشرطة بعد تقديم طلبات وأوراق معقدة لا يقدر عليها إلاّ الموعودون الموثوق في ولائهم, لذلك لم يتخط عدد الذين لهم حق الانتخاب 8 ملايين ناخب يمثلون أقل من 10% من عدد سكان مصر في ذلك الوقت.
حتى قرر مبارك في العام 2005م بشكل مفاجئ وربما نتيجة الضغوط الخارجية تعديل المادة 76 من الدستور المصري ـ التي كانت تنص على انتخاب رئيس الجمهورية عن طريق الاستفتاء بعد تزكيته من أغلبية أعضاء مجلسي الشعب والشورى ـ إلى انتخابات متعددة بين أكثر من مرشح من بين رؤساء الأحزاب السياسية وكان عددهم 10 من بينهم أيمن نور رئيس حزب الغد ونعمان جمعة رئيس حزب الوفد, والباقي رؤساء أحزاب مغمورون حصل كل منهم على مليون جنيه من الدولة نظير نزوله الانتخابات.
وكانت هذه هي المرة الأولى والوحيدة التي توجهت فيها للمشاركة في الانتخابات الرئاسية في عصر مبارك ..,, دخلت اللجنة فوجدتها فارغة إلاًّ من مجموعة من الجالسين تبدو من هيئتهم أنهم مخبرون, انتفضوا واقفين بمجرد أن رأوني واصطحبني اثنان منهم إلى مكان الموظف الذي يمسك بالكشف والذي وجدته فارغا, أبرزت بطاقتي الشخصية, والمذكور بها وظيفتي الصحفية بإحدى الصحف القومية التابعة للدولة فتراجع المخبران المفترضان وابتسم الموظف لي وأومأ برأسه بما يعني أنني “تبع الحكومة” وأشار إلى مكان خلف الستارة بالقاعة الممتدة الفارغة, وهناك فتحت ورقة الانتخاب فوجدت صورة مبارك “مزهزهة” في المقدمة بحجم أكبر من بقية المرشحين الذين لاتكاد تتبين ملامحهم من رداءة الطباعة, المهم أنهيت مهمتي وألقيت الورقة في الصندوق الفارغ, وانصرفت وأنا أتعجب من إقدامي على هذه التجربة التي استنكرها كل من أخبرته بها من زملائي الذين لاموني للمشاركة في انتخابات معروف نتيجتها سلفا, ولم يقتنعوا بمنطق ممارسة حقي الدستوري في الانتخاب والمشاركة.
بعد قيام ثورة 25 يناير تم إلغاء كافة المعوقات الانتخابية وسمح الدستور الجديد لكل مصري يحمل بطاقة شخصية وبلغ 18سنة بأن يشارك في الانتخابات بكافة أنواعها, كما سمح للمصريين المقيمين بالخارج بممارسة حق الانتخاب وعاهدت نفسي أن أشارك بكافة الاستحقاقات الانتخابية وألاًّ أستمع لدعوات المقاطعة مهما كانت وجاهتها, من منطلق أن المشاركة في الانتخابات واجب وطني ولإظهار الوجه المشرق للوطن أمام العالم.
مهما كانت الظروف والتحديات التي حالت دون الوصول إلى الشكل الأمثل الذي كنا نتمناه لتطور التجربة الديمقراطية والتعددية ومشاركة الأحزاب في الحياة السياسية بمصر عقب ثورة 25 يناير, ولكن علينا ألاًّ نفرط في حق الانتخاب والمشاركة, في وقت تخوض فيه الدولة المصرية حربا على مختلف الجبهات وتتربص بمصر المكائد والمؤامرات الداخلية والخارجية.

إلى الأعلى