الإثنين 24 سبتمبر 2018 م - ١٤ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : عظمة روسيا

باختصار : عظمة روسيا

زهير ماجد

قال لي طبيب لبناني تخصص في موسكو، إن كل شيء يمكن للروسي التساهل معه إلا عظمة روسيا.. وقبل سنوات قليلة زرت موسكو وجالست أحد العسكريين الكبار المتقاعدين على مائدة غداء، باح فيها بكلام كل جملة فيه تعبير عن تلك العظمة .. وكان قد عرّف عن نفسه بأنه من أنشأ أو ساهم في وضع اللبنة الأساسية لمحطة طرطوس البحرية التي تحولت إلى قاعدة مهمة وأساسية لروسيا في البحر المتوسط . وفي كلامه أيضا كشف عن حوار جرى بين متقاعدين عسكريين والرئيس بوتين حول روسيا، أوضح أنه قال للرئيس لانريد سوى العودة إلى عظمة الاتحاد السوفياتي، أي روسيا القوية.
هذا التصويت الضخم للرئيس بوتين حلاوته في خيارات المصوتين الذين انزلوا أوراقهم في الصناديق محملة بكل الترحيب والمحبة لرئيسهم الذي بات يمثل القدرة والقدر، وفي ظروف بالغة الدقة. ويبدو أن الشخصية الروسية يعنيها كثيرا السياسة الخارجية لبلادها في حين تنتمي الشخصية الأميركية أولا وأخيرا إلى جيبها ومعدتها بالدرجة الأولى.
من هنا، كانت الملفات الخارجية ما اعتمد عليه الروسي في خياراته .. أولا تحدي روسيا للسياسة الأميركية وبوتين شخصيا مقابل ترامب الذي يهدد ويزيد وخصوصا في الملف السوري الذي تفوق فيه الرئيس الروسي ووضع من خلاله أسس سياسته العالمية، كأن أطل ومن خلالها على تقديم عرض القوة الهائل لمنجزات السلاح الروسي المتطور.
في كل روسي دائما سكن للاتحاد السوفياتي، وعشق لذلك التاريخ الذي صارت فيه القوة تواجه قوة، وباقي الأرض دوائر حولهما. بل في كل روسي، ستالين صغير يعيش في قلبه إذا ماتم الإطلالة عليه، وبقدر من يحمل مميزات تلك الشخصية، سيكون العشق المثالي للروس.
صحيح أن الروسي مثله مثل أي مواطن في العالم يهمه أن يعيش بسلام وطمأنينة وبحياة رغيدة فيها كل التأمينات الاجتماعية، إلا أن عظمة روسيا أولا ، حتى ولو على معدة فارغة، وجيب بلا مال. من يقرأ الثقافة الروسية يمكنه أن يطل على تلك الروح الشرقية التي ترتبط بعالمها وتخصه بكل الانتماءات التي تجعل منه البداية والنهاية قبل التفكير بلقمة العيش ومتطلباتها.
لم يجد النحات من مثال يصنعه في ستالينجراد مثلا سوى ذلك التمثال الضخم الذي يحمل سيفا بطول اثني عشر مترا. هنا الدلالة على أهمية قراءة العقل الذي صنع، والذي هو ترجمة لعقل جمعي مؤسس على تمثيل القوة قبل أي إشارة.
هكذا لخص الرئيس بوتين ماكان يصبو إليه الروس في دورهم العالمي وفي مواجهة ” الأعداء ” الذين مهما قيل في ” صداقتهم ” فهم على طرف النقيض، حتى لو قيل مثلا أن روسيا رأسمالية وعليها أن تلتقي مع الولايات المتحدة ومثيلاتها، لكن السر الكامن في البعد الروسي الداخلي لاتسره مشاعر التقارب مع الولايات المتحدة ولا يرجو أن تكون.
كان معلوما أن بوتين بمكانته الدافئة في قلوب الروس، سيظل سيد الكرملين، لكنه حقق لهذا الروسي الذي طالبه بشيء واحد هو عظمة بلاده، أنه أعطى صوته لهذه الجملة الرنانة ..
على طاولة بوتين ملف الاستحقاقات الداهمة بكل حمولة الصراع المفتوح مع الولايات المتحدة وغيرها من الأوروبيين بعقولهم الأميركية. فهل يفعلها الأميركي الأوروبي لتغيير الخارطة السورية التي هندسها الروسي ببراعة واتقان وبتضحيات، أم أن الشعب الروسي أفهمه سبب اختياره للرئيس فلاديمير بوتين وعليه أن يرتدع.

إلى الأعلى