الثلاثاء 17 يوليو 2018 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق جنوح الأحداث : مؤشرات تبحث في الضبطية الأسرية والرسمية

في العمق جنوح الأحداث : مؤشرات تبحث في الضبطية الأسرية والرسمية

د. رجب بن علي العويسي

تطرح مؤشرات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات حول جرائم الأحداث تساؤلات ونقاشات مستفيضه تتعلق بمساحات الضبطية الاحتوائية الأسرية والرسمية، والإجراءات المتخذة في سد منابع جنوح الأحداث ، ودور التعليم والضبط الاجتماعي الأسري والمجتمعي في بناء موجهات تصحيحية تسهم في إيجاد سياسات وبرامج عمل وطنية مستديمة قادرة على احتواء هذه الفئة وتمكينها من الانخراط الفاعل والإيجابي في المجتمع وسوق العمل.
لقد بلغ عدد الجناة الأحداث في العمر (9-17) سنة في عام 2016 ( 765) طفلا، شكلت ما نسبته (3.7%) من جملة الجناة ، وكان العدد الأكبر منهم في الجرائم الواقعة على الأموال بنسبة (49.3 %) من إجمالي الجناة الأحداث ، ويندرج تحت هذا الصنف ( السرقة والشروع فيها وإساءة الأمانة والاحتيال والإضرار بالأموال والحريق المتعمد ) وهي نسبة ارتفعت عما كانت عليه عام 2015 (48.7 %)،حيث بلغت جريمة السرقة والشروع فيها لوحدها (59.4%)، ومن حيث النوع فقد شكّل الجناة الذكور نسبة (95%) من مجموع الجناة من الجنسين عام 2016، كما شكلت الجرائم الواقعة على الأفراد المرتبة الثانية حيث بلغت(29.0%)، ويندرج تحتها ( الإيذاء، وإهانة الكرامة، وانتهاك حرمة المساكن، والمشاجرة، والتهديد والوعيد، وإقلاق الراحة العامة، بالإضافة إلى تسيب القاصر والضرب المفضي إلى الموت)، حيث بلغت نسبة جريمة الإيذاء لوحدها (38.5%)، تليها إهانة الكرامة (26.7%)، في حين كانت أقل الجرائم لدى الأطفال الجانحين هي جرائم الخمور والسكر(0.1 %) .
إن تزايد نسبة جرائم الأحداث في الجرائم الواقعة على المال والأفراد يرتبط بمؤشرات رصدتها نتائج الدراسة الدولية للعلوم والرياضيات ( TIMSS ) لعام 2015، التي طبقت على الصفين الرابع والثامن بمختلف مدارس السلطنة، وفق عينة بلغت ( 8.498) طالبا وطالبة للصف الرابع، و(8.225) طالبا وطالبة للصف الثامن ؛ تمثلت في اتساع انتشار حالات التنمر لدى طلبة المدارس ( السلوك العدواني والسخرية من الزملاء )، حيث بلغت مرتبة حسب الصفين في العبارات : سخرية الطلبة من زملائهم وإطلاق عبارات غير لائقة على بعضهم البعض (42%- 51.48%)؛ واستحواذ بعض الطلبة على بعض الألعاب والمناشط المدرسية(43.7%-50.35%)؛ ونشر الأكاذيب وإثارة التهم (36.73%- 41.88%) ؛ وسرقات أغراض الآخرين وأدواتهم (46.25% – 47.39%)؛ والضرب وإلحاق الأذى بأدوات ووسائل مختلفة (50.95%- 42.53%)؛ والإكراه على بعض الممارسات والأفعال مع عدم الرغبة من الآخر في فعل ذلك (31.06%- 37.08%) ؛ والترويج للإشاعة والمعلومات المضللة (38.25%- 39.99%)؛ ونشر معلومات أو صور محرجة عبر شبكات التواصل بغرض التهديد (32.93%- 23.72%). وبالتالي باتت هذه النتائج تبرز مؤشرات لممارسات غير مسؤولة يوجه الطالب اهتمامه بها، تقوم على الاعتداء والتهديد واللامبالاة أو السخرية بالآخرين أو حتى السرقة واستخدام أدوات أقرب للتحايل على زملائه في حصوله على المال حتى أصبحت عادة يمارسها ولغة يتقنها سواء داخل بيئة التعليم أو خارجه ، وعلاقة ذلك أيضا بحالات التسرب والانقطاع الدراسي لدى الطلبة – وإن كانت الإحصائيات السنوية للمركز الوطني لم تشر إلى مسألة التسرب أو الانقطاع ، إلا ما ذكر في تقرير الأطفال الصادر من المركز نفسه لعام 2018 ، بأنه لا يوجد نسب انقطاع في جميع الصفوف عدا الصفين (11-12) حيث شكل الذكور (3.9%) والإناث(1.3%)، وما يمكن أن يقدمه ذلك من مسوغات بالحاجة إلى إبراز هذه الإحصائيات، والتعرف من خلالها على مدى نجاعة الإجراءات التي اتخذتها وزارة التربية والتعليم في هذا الشأن، إذ قد يصبح هذا الانقطاع أو التسرب فرصة لهذه الفئة للوقوع في إشكالية الجنوح. لقد اتخذت السلطنة بموجب اتفاقية حقوق الطفل العديد من الإجراءات التي تستهدف حماية الأطفال من جهة وتحصينهم من الوقوع في الأحداث الجرمية وغيرها من جهة أخرى، كما صدر قانون مساءلة الأحداث بموجب المرسوم السلطاني 30/ 2008 الذي نص على العديد من المواد التي تنظم مساءلة الأحداث وتحدد الجهات والهيئات المسؤولة عن الأحداث الجانحين والمعرضين للجنوح وأوجدت الصلاحيات ( الضبط القضائي) للمراقب الاجتماعي في تطبيق أحكام هذا القانون، وقد بلغت عدد مواد القانون (47) مادة مدرجة ضمن أربعة فصول، حيث عرف الحدث بأنه: كل ذكر أو أنثى لم يكمل الثامنة عشرة من العمر، كما عرف الحدث الجانح: كل من بلغ التاسعة ولم يكمل الثامنة عشرة من العمر وارتكب فعلا يعاقب عليه القانون.
ومع إدراك حجم الجهود التي تقوم بها مؤسسات الدولة المختلفة سواء فيما يتعلق بشؤون الأحداث في وزارة التنمية الاجتماعية أو كذلك وحدة شرطة الأحداث ودار ملاحظة الأحداث بشرطة عمان السلطانية ومساهمة القطاع الخاص والشركات في توفير بيئة حاضنة لهذه الفئة والإجراءات التثقيفية والتوجيهية والإصلاحية والتشخيصية التي تتخذ بشأن الحدث؛ إلا أنها تطرح تساؤلا حول مدى كفاية واستدامة هذه السياسات والبرامج والخطط وفاعليتها في نقل الحدث الجانح من مرحلة الجنوح إلى مسار آخر يقف فيه مع صف الأسوياء من جهة، والاستراتيجية الوطنية التي ينبغي أن تتفاعل معها كل الأطراف بدءا من المدرسة والأسرة عبر زيادة التثقيف الأسري والمجتمعي في آليات التعامل مع الأطفال بالشكل الذي يضمن عدم تعرض الأطفال للجنوح وسد منابعه التي أشار إليها المادة رقم (3) في القانون، حيث تشير إلى الحالات التي يصبح فيها الفرد معرضا للجنوح، وأثر وقوعه في بيئة تعرض سلامته الأخلاقية والنفسية والجسدية أو التربوية للخطر، وما أشارت إليه مواد الفصل الثالث ( التدابير والعقوبات) في المادة (15) تدابير الرعاية التي تقدم للحدث الجانح، والمادة (20) تدابير الإصلاح وغيرها من المواد وما تبرزه من مسؤوليات أسرية ومجتمعية وتعليمية ومؤسسية.
عليه تأتي الحاجة إلى قراءة معمقة وشاملة لهذا الملف تتشارك مسؤولية تحقيقها مؤسسات الدولة التشريعية والرقابية والأمنية والشرطية والتنفيذية ومؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص والأسرة، عبر منصات حوارية وندوات ولقاءات ونقاشات مستفيضة تأخذ في الحسبان المدخلات والإجراءات والنواتج المترتبة عليه، وتضبط المتغيرات الاجتماعية والأسرية والتعليمية والثقافية والاقتصادية والترويحية المؤثرة فيه، وتقترح السياسات الوطنية والمعالجة في بعض مواد قانون مساءلة الأحداث ولائحته التنفيذية، وفق موجهات تصحيحية تأخذ في الاعتبار مسألة الرسوب والتسرب والانقطاع وإيجاد إطار وطني لإلزامية التعليم وتعزيز التناغم بين السياسات والطموحات في التعامل مع تدابير الرعاية والإصلاح المحددة في مواد القانون بغرض توظيف قدرات الحدث في صناعة شخصية جديدة قادرة على التعاطي مع مرحلة التحول واندماجه في مجتمع التنمية والإسهام فيه.

إلى الأعلى