الخميس 19 يوليو 2018 م - ٦ ذي القعدة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / في الحدث: البشرية تتحسر على نفوق وحيد قرن

في الحدث: البشرية تتحسر على نفوق وحيد قرن

طارق أشقر

تناقلت الكثير من وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي بحسرة شديدة نفوق آخر وحيد قرن أبيض ذكر في العالم يوم الأثنين الماضي بمحمية “اوبيجيتا” بكينيا، وذلك بعد أن اتخذت الجهات المسؤولة عن رعايته قرارا بقتله رحمة به بسبب معاناته من مضاعفات كبر السن والشيخوخة، حيث بلغ من العمر خمسة وأربعين عاما. وبوفاة هذا الذكر الوحيد، لم يبق في العالم من فصيلته غير عدد اثنين من الإناث، سبق ان فشلت عملية تزاوجه بإحداهن العام الماضي حفاظا على نسله من الانقراض.
أن تتحسر البشرية على نفوق هذا الذكر الوحيد من فصيلة نادرة من وحيد القرن أطلقوا عليه اسم “سودان” هذا أمر في منتهى الانسانية، بل مؤشر ايجابي يشير إلى ارتفاع مستوى الوعي بأهمية الحفاظ على التوازن البيئي في الكرة الأرضية، خصوصا وان انقراض اي فصيل من فصائل الحياة البرية أو النباتية أو الحشرية أو الإحيايئة حسب علماء البيئة بالضرورة أن يحدث خللا ما في البيئة سينعكش بشكل أو بآخر على حياة شركاه الآخرين في الكرة الأرضية.
كما يمكن الأخذ بذلك المستوى من الحسرة على نفوق “سودان” الذي كان يعالج لوقت طويل من تداعيات كبر السن التي أضرت بعضلاته وبعظامه وأصابته بتقرحات جلدية أعاقت حركته بشكل عام، بأن تلك الحسرة ربما تكون بداية انبعاث حالة من تيار الوعي في افريقيا بشأن المتطلبات الحياتية لمن هم على سطح الأرض الأفريقية من حيوانات، وطيور، وأشجار، ونباتات، وانسان بلا استثناء.
ان الوصول إلى هذه المرحلة من الوعي البيئي في افريقيا – ان كان محسوسا على أرض الواقع – يعتبر نقلة نوعية في مسيرة الإدراك بما يجب أن يكون من اهتمام بتوفير الرعاية الصحية اللازمة لكبار السن من الحيوانات، والبشر معا ولكن دون اللجوء الى مفهوم “الموت الرحيم ” الذي ينبغي ان ترفضه الأخلاق والانسانية مهما كانت المبررات، وبتهيئة البيئة النظيفة لكافة الشركاء في الأرض دون تصنيف، وبتحقيق العدالة في مساعي الحفاظ على النوع من الانقراض لكل من هو على البسيطة الأفريقية بل الكونية على السواء.
وبهذا المستوى من الحسرة الذي تناولت به وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام بشأن وحيد القرن الذي اضطر القائمون على رعايته لبتر قرنه ليجنبوه اسلحة الصيادين حفاظا على حياته، تتسع بذلك دائرة البشرى والأخبار الجيدة لأمهات الأطفال من سلالة بني الانسان في افريقيا والعالم أجمع بأن معدلات الوفاة بين أطفال البشرية التي تراجعت مؤخرا قد يأتي يوما ما نصل فيه إلى “التخمة الصحية” بإفريقيا التي نأمل ان تعاني ارتفاع معدل الشيخوخة فيها بدلا من ارتفاع معدل وفيات الأطفال بسبب الملاريا وغيرها من الأمراض التي تؤكد المنظمات الدولية بأن القليل من الجهود يمكنها ان تؤدي إلى علاجها والقضاء عليها.
لقد نفق وحيد القرن المأسوف على موته، في وقت اكد فيه الفريق المشترك بين وكالات الامم المتحدة لتقديرات وفيات الأطفال، وحسب بيانات البنك الدولي، بأن منطقة أفريقيا جنوب الصحراء شهدت أعلى معدلات للوفاة بين الأطفال دون سن الخامسة في عام 2016، حيث بلغت ثماني وسبعين حالة وفاة بين كل ألف مولود حي في هذه المنطقة، اذ كان يموت طفل من بين كل ثلاثة عشر مولود قبل أن يبلغ سن الخامسة.
لذلك نأمل ان تكون حادثة نفوق وحيد القرن الأبيض الذكر النادر في العالم والمأسوف على وفاته كروح لها الحق في العيش والاستمتاع بها، بمثابة شارة تنبيه للقائمين على الصحة والرعاية الطبية والتعليم وحماية البيئة في افريقيا والعالم أجمع، بأن الأرض ينبغي أن تسع لجميع مخلوقاتها، وان الإنسان هو المسؤول عن تعميرها ودمارها معا، فعليه ان يعي لمسؤولياته تجاه بني جنسه وتجاه من يشاركونه الحياة في هذا الكوكب.

إلى الأعلى