الأحد 17 ديسمبر 2017 م - ٢٨ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / عن الوطن .. بهاء الصورة تكدرها ممارسات غير مسئولة

عن الوطن .. بهاء الصورة تكدرها ممارسات غير مسئولة

سعود بن علي الحارثي

لا يعني الحديث عن الشأن المحلي أو الداخلي في جانبه النقدي الكاشف عن الأخطاء والمحذر من الممارسات غير المسئولة في صورها وأشكالها المتعددة والمنبه من مخاطر الفساد الذي يتغلغل في صيغ وأساليب مختلفة وينتقل من مسئول إلى آخر ومن موظف إلى موظف في العديد من المؤسسات الحكومية والخاصة، وهو وباء تنتشر عدواه في سرعة غير محسوبة ويستشري في أوساط المجتمع بشكل خطير درجة أن البعض يعتبر بعض أشكال وممارسات الفساد سلوكا طبيعيا تقتضيه سمات العصر وأنماطه وتطوره بل ودليلا على الذكاء والجرأة والحيوية والقدرة على فهم ومجاراة العصر ورجالاته وتغيير واقع الحال ووجهه البائس إلى ما هو أفضل وأكثر إشراقا، فأدخلت صيغ الفساد وممارساته ضمن مسميات وأطر ومفاهيم متعددة تهدف إلى منحه صبغة الاستصاغة والقبول بل الشرعية والجواز والتبرير والتمرير، المال عام ومن حق من أتيحت له الفرصة ومن عمل بجد وإن دخلت (( بجد )) في إطار التقييم الشخصي ومن ظل زمنا في كرسي الوظيفة أن يقتنص منه حقه، فالفرص لا تفوت وهي قد لا تتكرر كثيرا والزمن غدار ومطالب الحياة اتسعت وتفرعت أوجه الصرف ويحتاج الإنسان لأن ينوع دخله ومشاريعه ولأن يدخر ويبني ويتوسع ويناطح الآخرين وينافسهم في التصنيف ويقف شامخا في الحياة، وما دام الآخر أحل لنفسه أن يوظف منصبه ويستغل وظيفته في الثراء وفلت من الانكشاف ومن قبضة القانون وأضحى من الأثرياء ورجال الأعمال ومن أصحاب الوجاهة وممن يشار إليهم بالبنان وممن يتم استثناؤهم فلماذا يحرم نفسه إذا من تلك المتع والامتيازات الواسعة التي تأتي مع الثراء، ونحن في عالم يمجد فيه صاحب المال دون الالتفات إلى مصادره ومن أين جاء وكيف .. ولا تكل النفس عن الوسوسة ولا تقف عند حد ولا الشيطان عن الإغراء وتظل المواقف والأمثلة والمشاهد والشخوص تنقل العدوى وتدفع القرين إلى الاقدام وتسهل له الخطوة الأولى التي ستتبعها خطوات جريئة وواسعة ومن الطريق الوعر ستنتقل الممارسات إلى الطريق المعبد ، إلى أن يقع المرء في المحظور وطرق الفساد وممارساته تصبح إدمانا وواقعا لا فكاك عنه، ومن الانتفاع بالمال العام إلى استغلال الآخرين وامتصاص ما في جيوبهم من مال شحيح بطرق شتى وإعلاء المصالح الشخصية على مصالح الناس ومصالح الوطن والموظف يصبح عالة على المؤسسة لا يهمه من وظيفته إلا راتب آخر الشهر وتحقيق مصالحه تنتشر الرشوة وتتسع الممارسات غير المسئولة وتصبح الواسطات والعلاقات والارتباطات مدخلا للحصول على التسهيلات والامتيازات والاستثناءات وانجاز المعاملات والتخلص من المشاكل والتحديات والبيروقراطيات والمركزيات .. (( لا يعني الحديث عن الوطن )) في هذا الجانب أو بهذا المعنى الكاشف لأشكال الفساد والمعدد لتلك الممارسات انتقاصا أو انكارا لقيمة المنجز ولا تطاولا على الوطن ولا تنكرا لقائد النهضة المباركة ولما قدمه لهذا الوطن وشعبه من مكرمات وانجازات كما يصوره البعض ويرسمه آخرون ممن تقتضي مصلحتهم الصمت على ما يحدث من ممارسات وأخطاء ومشكلات وصور دالة على فساد يستشري ففي ذلك تحقيق لمصالحهم وتحقيق لأهدافهم ومآربهم وفي ذلك استمرار لممارساتهم وضمان بعدم كشفها للناس، فالفساد ليس شبحا لا يرى، للفساد روائح كريهة ونتائج مقيتة وآثار خطيرة ومؤشرات ومشاهد وممارسات مزعجة يراها ويشعر بها المجتمع في صور كثيرة ولا تحتاج إلى وثائق ولا إلى دلائل معتمدة كما يتحجج البعض للإفلات من المسئولية ومن الاتهام ، فإذا كانت الخدمة المقدمة إلى زميلي متميزة أو سهلت معاملته أو خففت الشروط المطلوبة أو مهدت المشكلات والتحديات التي تعترض موضوعه في استثناءات وامتيازات حجبت عني فذلك فساد خلفه مصلحة وقضية وعلاقة ويطرح تساؤلات وشكوك ويخلف غضبا وألما في النفس ، وإذا انتقل مسئول في فترة وجيزة إلى عالم الثراء دون مقدمات ومبررات واتسعت أملاكه بين المقربين إليه ممن عرفوه قبلا وتابعوا تنامي تلك الأملاك بعد تقلده المسئولية ، وإذا تراجع مستوى الخدمة والفاعلية في مؤسسة من المؤسسات لأن المسئول التفت إلى مصالحه الشخصية وانشغل بتحقيق أهدافه وأهمل مصالح المؤسسة واقتدى به من تحته في السلم الوظيفي في ذلك السلوك، وعندما تتكاثف المشاهد وتتوارد القصص وتصبح ممارسات الفساد حديث الساعة في المنتديات وفي المجالس وبين الناس ، فمن حق المواطن إذا أن يتساءل وأن يطالب وأن يشعر بالقلق وأن ينبه ويحذر فهذا واجبه النابع عن إخلاص وعن وطنية وعن وفاء، ومن حقه أن يخاف على وطنه وعلى ما تحقق على أرضها من مكاسب كبيرة وأن يطلق جرس إنذار وصيحة استغاثة وأن تساوره الشكوك وأن يصف تلك الممارسات والمشاهد بالفساد وأن يسعى بما يملك وبما يستطيع من امكانات للحفاظ على بهاء الصورة وجمالها .. المنجز كبير ومقدر ، وما قدمه القائد لهذه البلاد من انجازات ومكاسب لا ينكره ضوء العين إلا من أصيبت بمس من رمد والصورة جميلة وزاهية ، ولكن فينا من يسيء إلى ذلك الإنجاز ومن يعمد إلى تشويه الصورة وتعكير صفو هذا الجمال وتحجيم مصالح الوطن في مقابل مصالحه الخاصة وفي مقابل تحقيق ثروة تضاف إلى أمواله، وعلى المخلصين لهذا الوطن وقائده ومكاسبه أن يعملوا على إحباط ووقف تلك الإساءة وتلك الممارسات بالكلمة وبالكتابة وبطرح الأفكار والمبادرات الداعمة لخطط وبرامج الإصلاح ، وذلك بالمطالبة بتفعيل مؤسسات المجتمع المدني ورفع القيد عن حرية المعلومات وتبني ثقافة الشفافية وكفالة حرية الصحافة وتشجيع الصحفيين والكتاب والمثقفين واستقطابهم للعمل والكتابة وطرح المبادرات في الإعلام المحلي، والإيمان المطلق بأن كشف صيغ الفساد ومحاسبة المفسدين إنما يدخل في إطار حماية الوطن والحرص على تنفيذ توجيهات قائد البلاد المفدى وحماية المكاسب التي تحققت على يديه وفي الحفاظ على اللحمة الوطنية وسد لباب الفتن.

إلى الأعلى