الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / إشكالية الدولة .. الانتماء والهوية الوطنية لدى الشباب

إشكالية الدولة .. الانتماء والهوية الوطنية لدى الشباب

محمد عبد الصادق

” .. إذا كانت الحكومة المصرية جادة في إنفاذ قرارها بتجميد أموال وأنشطة تلك الجمعيات المنتمية لتنظيم الإخوان بعد إعلانه تنظيما إرهابيًّا ـ فعليها القيام بواجباتها تجاه الفقراء المنتفعين من خدمات تلك الجمعيات وإلا انضموا حتما لصفوف المتظاهرين للمطالبة بعودة محمد مرسي وحكم الإخوان من جديد.”
ـــــــــــــــــــــــــــ
في مطلع السبعينيات غنت عليا التونسية “متقولش أيه أديتنا مصر .. قول حندي أيه لمصر” لرفع معنويات الشعب وشد أزر الأمة عقب نكسة 1967م، وتفاعلنا رغم مرارة الهزيمة وحداثة سننا مع كلمات الأغنية وأحسسنا معانيها، وبعد مرور أكثر من أربعين عاماً قُلت أُسمع الأغنية لابني الشاب ربما تشحن بطارية الانتماء الوطني لديه وتعزز احترامه للعلم والنشيد، ولكن رد فعل ابني جاء صادماً لي حيث علق على الأغنية ساخراً: “هذا حب مجاني من طرف واحد” وانصرف وتركني وحيداً مع عليا.
ذهبت اسأل والدي الشيخ الثمانيني المخضرم الذي عاش الملكية وعاصر الجمهوريات الثلاث ـ عن تفسيره لظاهرة ضعف الانتماء وتشوش الهوية الوطنية لدى جيل الشباب فقال لي:” هب أن حريقاً شب في شارع أو حي سكني وهدده بالدمار من سيهرع أولاً لإخماد الحريق قبل وصول سيارات الإطفاء .. فأجبته بالترتيب: ملاك المنازل وأصحاب المحلات التجارية خوفاً على شقى العمر والمأوى والعمل، ثم يليهم المستأجرون دفاعاً عن المكان والأغراض وسياراتهم المصفوفة أسفل العقارات، وأخيراً الخدم والعمال للحفاظ على مصدر رزقهم ولقمة عيشهم، وسألني وإذا كان هناك مشرد يرقد على رصيف هذا الشارع يفترش الأرض ويلتحف السماء ماذا سيكون موقفه؟! فرددت : ” سيترك الشارع المشتعل ويتجه لمكان آخر أكثر أمناً فهو لا ناقة له ولا جمل في هذا الشارع، بل ربما كان ناقما على سكانه الذين يعيشون في شقق دافئة مؤثثة يتنعمون فيها بمباهج الحياة التي حُرم منها أو حاقداً على ملاك العقارات وأصحاب المحال الذين يجمعون المال الذي عز عليه امتلاكه لذلك لن يفكر في مشاركتهم إطفاء الحريق ولن يعرض نفسه للخطر” .
هذا هو حال الأجيال الحديثة الذين ولدوا في عهد حسني مبارك فلم يجدوا أثراً للدولة ـ فلا مكان لهم في مدرسة حكومية بعدما وصلت كثافة الفصل بالمدارس الحكومية لـ 150طالبا وتحولت المدارس لمخازن وكشوف وهمية مزدحمة بالأسماء تعجز إمكانياتها المحدودة عن استيعابهم، وبالتالي يضطر الأب المغلوب على أمره صاغراً لإلحاق ابنه بمدرسة خاصة في متناول دخله الهزيل، ثم هذا الطفل إذا مرض ليس أمام أهله إلا العيادات والمستشفيات الخاصة للعلاج وتحمل تكاليف التحاليل والاشعات والعمليات الجراحية لأنه لو فكر في الذهاب لمستشفى حكومي سيكون عليه الوقوف في طوابير لا نهاية لها والتعرض للإهانة وسوء المعاملة وإذا قدر له ووصل للطبيب وكتب له علاجاً فلن يصرف له الدواء وربما ينتكس المريض أو يلقى ربه قبل أن ينال حقه من العلاج المجاني بالمستشفى الحكومي.
وقل نفس الشيء على الرعاية الاجتماعية والشبابية في عصر مبارك فاستولى المحاسيب على الأراضي الفضاء وتحولت مراكز الشباب لمقاهي وأوكار للرذيلة والإدمان مما حرم الشباب من أبناء الطبقات الفقيرة من ممارسة الرياضة أو أية هوايات ثقافية أو اجتماعية تخرج طاقاتهم ويعبرون من خلالها عما بداخلهم من أحلام وآمال للمستقبل.
هذا التقصير غير المبرر من جانب الدولة ترك الشباب فريسة لتجار الدين والمتطرفين أو عرضة للانحراف والإدمان ناهيك عن تفشي البطالة وانعدام الأمل وغياب القدوة وقتل الطموح.
هذا الفراغ الحكومي الذي مارسه نظام مبارك أعطى الفرصة للجماعات والتنظيمات المتطرفة ـ التي لا تعترف بالدولة ولا تؤمن بالهوية ولا تحترم الانتماء للوطن حتى إنهم حرموا تحية العلم لأنها بدعة وقاطعوا النشيد الوطني لأنه ضلالة من عمل الشيطان ـ فسيطروا على فكر الشباب من خلال وضع أيديهم على الجمعيات الأهلية والمساجد والكتاتيب والمدارس الخاصة وفصول التقوية والعيادات والمستوصفات الطبية بالمناطق الفقيرة وقدموا من خلالها الخدمات ـ نيابة عن الدولة ـ بأجور زهيدة أو بالمجان.
حتى وصل عدد الجمعيات الخيرية التابعة للإخوان المسلمين فقط أكثر من 1500جمعية تقدم الغذاء والكساء والدواء بجانب الخدمات التعليمية والترفيهية ـ هذا هو النشاط المعلن والموجود على الورق بشكل رسمي ولكنها تتخذ هذه الأنشطة ستاراً لممارسة السياسة من خلال دعم مرشحي الإخوان في الانتخابات بجميع أنواعها: محليات، شعب وشورى، نقابات حتى انتخابات الأندية ومراكز الشباب سيطروا عليها وبعد سقوط حكم الإخوان تحولت تلك الجمعيات لتمويل الحشد في المظاهرات المؤيدة للرئيس المعزول محمد مرسي والمطالبة بعودة الشرعية كما يرددون.
وإذا كانت الحكومة المصرية جادة في إنفاذ قرارها بتجميد أموال وأنشطة تلك الجمعيات المنتمية لتنظيم الأخوان بعد إعلانه تنظيما إرهابيًّا ـ فعليها القيام بواجباتها تجاه الفقراء المنتفعين من خدمات تلك الجمعيات وإلا انضموا حتما لصفوف المتظاهرين للمطالبة بعودة محمد مرسي وحكم الإخوان من جديد.
قلت لوالدي: لكن جيلي أيضاً نشأ في بيئات فقيرة إلاّ أن حب الوطن كان يعيش داخلنا ولم تؤثر ظروف الحياة القاسية على انتمائنا للوطن والاهتمام بالشأن العام.
رد والدي: أنتم جيل تفتحت عيناه فوجد أمةً موحدة ووطناً ملتفاً حول مشروع وطني وهدف وحيد هو استرداد الأرض المحتلة ومحو عار الهزيمة (النكسة) التي لحقت بالوطن في يونيو 1967م. الذي جعل لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.

إلى الأعلى