السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مرحلة الشباب .. وكيفية إعداده في الحياة

مرحلة الشباب .. وكيفية إعداده في الحياة

يوسف السرحني:”الشباب” مرحلة طافحة بالحيوية والنشاط والاعتماد على النفس واتخاذ القرارات
ـ يجب أن يربى الشباب على الاعتزاز بدينه والتمسك بهويته وعلى طيب المعاملة وفقه الاختلاف واحترام الآخر
ـ الإسلام يريد أن يكون أبناؤه أقوياء في أجسامهم وعقولهم وأخلاقهم وأرواحهم, وفي علمهم وتطلعاتهم وإراداتهم
التقى به ـ علي بن صالح السليمي:
قال الدكتور يوسف بن إبراهيم السرحني خبير بوزارة التعليم العالي: ان الشباب هم عماد الأمة، وثروة الدولة، وهم صناع الحضارة، وبناة الأوطان والأمجاد.
مؤكدا بأن مرحلة الشباب تعتبر مرحلة دافقة دافعة، مرحلة طافحة بالحيوية والنشاط والإرادة، مرحلة مليئة بالطاقات والطموحات والتطلعات .. هي مرحلة القوة والعطاء، هي المرحلة الذهبية من عمر الإنسان، هي مرحلة واقعة بين مرحلتي ضعف، مرحلة الطفولة والصبا، ومرحلة الكهولة والشيخوخة.
مضيفا بأن تلك المرحلة كذلك تعد مرحلة الاعتماد على النفس وتحمل المسؤولية، واتخاذ القرارات، مرحلة تتبلور وتتشكل فيها الملاحم والسمات الجسدية والنفسية، والعقلية والعاطفية والوجدانية، وتتجلى فيها الشخصية الحقيقة للإنسان لذا أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) باغتنام مرحلة الشباب، فقال (عليه الصلاة والسلام):”اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك”.
وقال السرحني: إن مرحلة الشباب مرحلة تختلط فيها العوامل الإيجابية والسلبية، والمؤثرات الجيدة والرديئة، والحسنة والسيئة؛ لذا فإن فئة الشباب هي الفئة المستهدفة من بين فئات المجتمع الأخرى بالدرجة الأولى، مستهدفة من قبل دعاة الخير ودعاة الشر، من قبل دعاة الفضيلة، ودعاة الرذيلة، من قبل دعاة الصلاح والإصلاح، ودعاة الفساد والإفساد، ومن قبل دعاة البناء، ودعاة الهدم، ومن قبل دعاة الهدى، ودعاة الضلال، لما للشباب من أهمية، ولما لهم من سرعة التأثر، والاستجابة، والتحول، والحماس، لذا نجد أن الشباب هم الضحية الأولى فيما يقع من أحداث مؤلمة.
ولأهمية الشباب سيسأل الإنسان يوم القيامة عن عمره سؤالاً عاماً، وعن شبابه سؤالاً خاصاً، وهذا من باب ذكر الخاص بعد العام لأهمية الخاص، يقول النبي (صلى الله عليه وسلم): ” لا تزول قدما عبد من عند ربه يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، عن عمره فيم أفناهن وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين أخذه، وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به”.
مبينا هنا بأن من المعلوم أن الإنسان كائن يتكون من مجموعة عناصر مادية ومعنوية، حسية وروحية؛ يتكون من جسم وروح وعقل وقلب وفكر، له أحاسيس ومشاعر، وله مواجيد وعواطف، وله أذواق وأشواق، وله إشراقات وتوجهات ومشارب، وله ميول ورغبات، فلا بد من إشباع هذه العناصر، والعناية بها ، لذا يجب أن يعد الشباب إعداداً سليماً متكاملاً؛ إعداداً روحياً وبدنياً، ونفسياً، وعقلياً وفكرياً، وعاطفياً ووجدانياً. كل ذلك أساسه الإيمان بالله تبارك وتعالى.
وقال: على أن رعاية وإعداد الشباب هي مسؤولية دينية ووطنية، فلابد من تضافر جهود جميع الجهات المسؤولة عن إعداد الشباب ضمن خطة علمية مدروسة شاملة متكاملة الأسرة والمسجد والمدرسة والجامعة والنادي والجمعية والإعلام والدولة بكل مؤسساتها ومرافقها المعنية بإعداد وتكوين الشباب.
مؤكدا بأنه لا شك فإن هذه المسؤولية تتضاعف في هذا العصر؛ عصر المغريات، والعولمة، والفضائيات، عصر الانفتاح الكوني إذ يعيش الناس الآن في عالم الفضاء المفتوح.
وقال: وإذا جئنا إلى الإسلام نجده قد عني بالشباب عناية فائقة، فالإسلام يريد أن يكون أبناؤه أقوياء في أجسامهم وفى عقولهم وأخلاقهم وأرواحهم, وفي علمهم وتطلعاتهم، وإراداتهم، ولقد ذكر الله تبارك وتعالى القوة في كتاب العزيز في مقام المدح، فقال سبحانه في شأن سيدنا يحيى عليه السلام:(يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبياً) سورة مريم الآية”12″، وقال في شأن سيدنا إبراهيم عليه السلام:(إنا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم) سورة الأنبياء الآية”60″، وفي شأن أصحاب الكهف: {إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى} سورة الكهف الآية”13″، وفي شأن سيدنا النبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه ـ رضي الله عنهم ـ :(محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم) سورة الفتح الآية”29″، وقال الله تعالى:(وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) سورة الأنفال الآية”60″، وقَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم):”الْمُؤْمِنُ الْقَوِىُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِى كُلٍّ خَيْرٌ”، فالمؤمن القوي أكثر عطاء من المؤمن الضعيف، وأقدرُ على أداء التكاليف الدينيّة، والقيام بالأعمال الدنيويّة. للحديث بقية.
موضحا بأن النبي (صلى الله عليه وسلم) قد اولى الشباب عناية ورعاية خاصة؛ تربيةً، وتعليماً، وتوجيهاً، وإعداداً، وحباً، وتقديراً، كان يتقرب إليهم، ويشعرهم بذواتهم، ويسند لهم مهاما كبيرة، ومسؤوليات جسيمة، ويتلمس حاجاتهم، ويسأل عنهم، ويتفقدهم، ويتحمل زلاتهم، ويسامرهم، ويمازحهم، ويشاركهم في أفراحهم وأتراحهم، وكان يأخذ برأيهم في القضايا المصيرية، حتى أن الواحد منهم بسبب معاملة النبي (صلى الله عليه وسلم) له كان يشعر، ويعتقد أنه أحب الصحابة إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، كما كان الرعيل الأول من المهاجرين والأنصار ـ رضي الله عنهم ـ جلهم من الشباب فهذا علي بن أبي طالب لم يتجاوز السنوات العشر من عمره، وكذا مصعب بن عمير، وأسامة بن زيد، وغيرهم الكثير.
مؤكدا الكتور السرحني هنا بأنه يجب أن يربى الشباب على الاعتزاز بدينه، والتمسك بهويته، يقول عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ :”كنا أذلاء فأعزنا الله بالإسلام فإذا ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله” ، كما يجب أن يربى الشباب على الإيمان، يربى على مائدة القرآن الكريم، ومائدة السنة النبوية المطهرة، يربى في المساجد التي هي بيوت الله في الأرض، وكذلك يجب أن يربى الشباب على دماثة الأخلاق، وطيب المعاملة، وحسن العشرة، فالله تعالى وصف النبي (صلى الله عليه وسلم) بقوله تعالى:(وإنك لعلى خلق عظيم) سورة القلم الآية”4″، ويجب أن يربى الشباب على منهج الإسلامي القويم المستمد من كتاب الله تعالى ومن سنة نبيه (صلى الله عليه وسلم) وهو منهج رباني قائم على الإيمان والعلم الاعتدال والموازنة والوسطية والحكمة والبصيرة، والتسامح والرحمة والرفق فلا شطط ولا غلو في الإسلام، ولا تنطع ولا تشدد في دين الله تعالى، كذلك لا كسل ولا خمول، ولا أماني فارغة، يقول الله تعالى:(وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً) ـ سورة البقرة الآية”143″، ويقول تعالى:(ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)، ويقول سبحانه: (قل هذه سبيلي أدعو الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين) ـ سورة يوسف الآية”108″، كذلك يجب أن يربى الشباب على فقه الاختلاف واحترام الآخر، وأعني بالاختلاف اختلاف التنوع والتكامل، لا اختلاف التضاد والتنازع، فالتنوع سنة كونية، وهو يظهر في كل شيء ومن ذلك الاختلاف في الاجتهاد، والتباين في وجهات النظر، وقد أدرك النبي (صلى الله عليه وسلم) هذه الحقيقة الكونية، فعندما اختلف الصحابة في فهم ما قاله (صلى الله عليه وسلم): “لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة” أقر النبي (صلى الله عليه وسلم) الفريقين.
منوها هنا بأنه فليس بمقدور أحد من الناس أن يصادر الفكر، وأن يلغي آراء الناس، وليس من حقه ذلك، ولا يستطيع حمل الناس على ما يراه، وجعلهم تبعاً لهواه، فلا رأي غير رأيه، ولا قول غير قوله، فهذا منطق فرعون الذي حكى الله عنه: (وما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) فرد الله تعالى عليه: (وما أمر فرعون برشيد).
وختم الدكتور السرحني حديثه بقوله: إن العقائد والأفكار والآراء لا تُفرض ولا تملئ على أحد، وإنما تنشأ بالاقتناع الناشئ عن دليل أو اتباع، فمنطق من لم يكن معي فهو ضدي منطق مرفوض؛ شرعاً، وعقلاً وفطرة، وواقعا. كذا يجب أن يعتنى بالشباب من الناحية الجسمية، ويولى رعاية متكاملة من الجانب البدني، فهذه الرعاية لا شك تهدف إلى تقوية الجسم، وتنشيط الذهن، وتحريك الفكر، وإعمال العقل، والإسلام دين القوة بمفهومها الشامل والواسع، القوة التي أساسها الإيمان، والعدل، والرحمة، والحكمة، قوة البدن، وقوة العقل، وقوة الفكر، وقوة العلم، وقوة المال، وقوة الإرادة، وقوة التطلعات.

إلى الأعلى