الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / المتاجرة بالفقر

المتاجرة بالفقر

أ.د. محمد الدعمي

”ما رأيك أيها القارئ العزيز بأن تتماهى بعض وسائل إعلامنا العربية في المحاكاة الإخبارية العمياء، غير المتقنة، درجة تحويل آنيتها الإخبارية والدعائية إلى “صرخات استغاثة” من أجل هؤلاء الفقراء هنا، وأولئك المشردين هناك: ما هذه المشاعر الإنسانية! ادفع دولاراً تنقذ طفلة من الموت جوعاً: “سارع لإنقاذ المهجرين في هذا البلد أو ذاك”.”
ـــــــــــــــــ
سبق أن قال أولي الرأي السديد إن للمرء أن يحاكي المفيد من الآخرين ويتجنب محاكاة الضار منهم. للمرء أن يستذكر ذلك في سياق نقد “مصيبة” بعض وسائل الإعلام العربي التي أعمتها المحاكاة إلى درجة تجعل المتابع يخجل من نفسه، خاصة عندما تكون المحاكاة غير متقنة ولا دقيقة.
المحاكاة يمكن أن تكون مفيدة، ولكن في حال العديد من وسائل الإعلام العربي تتحول إلى مرض جلدي لا يمكن تغطيته بالمساحيق ولا إخفائه بالأقمشة والملابس، للأسف.
للمرء أن يلاحظ هذا في سياق تلك الحال المقززة، بل والمسببة للغثيان المتجسدة بالمتاجرة بالفقر والبيع والشراء بمعاناة الآخرين ممن شاء القدر أن يسقطهم في “مطبات التاريخ” غير العادل في أحيان كثيرة. هذه حال مؤسفة تطفو على سطح الإعلام الرأسمالي الغربي، ثم تدعم من قبل بعض المنظمات الدولية “المنافقة” عندما تنتدب ممثلا سينمائيا غربيا، سفيراً للنوايا الحسنة، أو ممثلة تمتلك الملايين مبتعثة عنها للمساعدة في انتشال الأطفال من الفقر في هذه البلد أو ذاك في سبيل جذب الأضواء وتكريس التفاق الاجتماعي “الدولي” الذي توسل بهذه الأساليب التي تستدعي التندر، الصعود إلى مستويات عالمية “فوق / إعلامية”، للأسف.
لقد دأب مثل هؤلاء المغنين والمغنيات، الممثلين والراقصات وعارضات الأزياء ومقدمات البرامج اللائي يصلحن لمسابقات الجمال وليس لركوب الجِمال، اقول دأب هؤلاء جميعاً على تكريس نجاحاتهم الفنية بتبني “قضية إنسانية” لعكس عواطفهم الجياشة ليس حيال الفقراء أو المشردين أو المرضى وإنما إشباعاً للرغبة بالمزيد من الأضواء، لأن الأضواء تعني المال، بالتعويض والسببية في ذلك العالم الرأسمالي المبتلى بعبادة المال.
ولكن ما رأيك ايها القارئ العزيز بان تتماهى بعض وسائل إعلامنا العربية في المحاكاة الإخبارية العمياء، غير المتقنة، درجة تحويل آنيتها الإخبارية والدعائية إلى “صرخات استغاثة” من أجل هؤلاء الفقراء هنا، وأولئك المشردين هناك: ما هذه المشاعر الإنسانية! ادفع دولاراً تنقذ طفلة من الموت جوعاً: “سارع لإنقاذ المهجرين في هذا البلد أو ذاك”. هي وسائل إعلام تفعل هذا وتغير من نبرة الصوت كي تستدر تعاطفك مع مديريها ومموليها الذين قد يرسلون من ينوب عنهم لعرض الزواج من فتيات تحت الخامسة عشرة للاقتران بهن، زيادة على زوجاتهم السابقات!
ألاحظ هذا وأستشرف موجة حقيقية من الاستنكار لهذا :النفاق الاجتماعي” الإقليمي والدولي الأبعاد، مستذكراً حكمة أمير البلاغة، الإمام علي (رض) يوم قال: “لو كان الفقر رجلاً لقتلته”.

إلى الأعلى