الجمعة 20 سبتمبر 2019 م - ٢٠ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / أشرعة / أحلك ساعة .. لا يمكن التفاوض مع النمر ورأسك داخل فمه
أحلك ساعة .. لا يمكن التفاوض مع النمر ورأسك داخل فمه

أحلك ساعة .. لا يمكن التفاوض مع النمر ورأسك داخل فمه

” الحرب.. ماهي إلا قرار” ، ” التاريخ يكتبه المنتصرون”و “ليس في السياسة عدو دائم، ولا صديق دائم، بل مصالح دائمة” هي مقولات من بين عشرات أخريات اشتهر بها “الأسد العجوز” أو السير ونستون ليونارد سبنسر تشرشل، رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، الرجل العنيد والكاتب المميز، والتي كان يستخدمها في خطبه الاسطورية التي تميز بها لرفع روح البريطانيين وشحن هممهم لكي يقاتلوا “العدو النازي” الذي لا يقهر اثناء الحرب العالمية الثانية.
لم يتم اختيار تشرشل من بين “أعظم 100 بريطاني” من فراغ، فهو الذي قيل عنه انه “وحده استطاع هزيمة الزعيم النازي الخطير ادولف هتلر، وغير التاريخ”، فهو لديه الفضل في إلهام بلاده لإنقاذ أوروبا من هيمنة الألمانيين، وذلك بعد ان تحالف مع فرانكلين روزفلت الرئيس الاميركي وجوزيف ستالين رئيس الاتحاد السوفيتى أنذاك، وانتصرت القوات الحليفة على قوات دول المحور.
حياة ونستون تشرشل، مليئة بالأحداث الجسام والوقائع الهامة في تاريخ الممكلة المتحدة، منذ قبوله في الكلية العسكرية الملكية، وأختياره لأن يصبح مراسلا حربيا، فكانت أولى تجاربه في الكتابة، مرورا بتعينه وزير للداخلية ومسؤولا عن القوات البحرية الملكية وصولا الى منصب رئيس وزراء بريطانيا.
لكننا اليوم بصدد الحديث عن فترة هامة في حياته وجزئية معينة بشخصيته، التي تابعناها في أكثر من 16 عمل سينمائي وتلفزيوني، وذلك في خضم التخبط الحالي الحاصل في بريطانيا حول مشروع قرار سيؤدي حتما لمنعطف تاريخي للبلاد، وهو قرار الانفصال عن الاتحاد الاوروبي، الذي يستدعي فيه صناع الفيلم سمة “القيادة التشرشلية” وأهميتها في الفترات العصيبة.
أحلك ساعة (Darkest Hour) : فيلم دراما وسيرة ذاتية من انتاج بريطاني، كتبه المميز أنتوني مكارتين المرشح لجائزة أوسكار مرتين أحدهما عن نصه في “نظرية كل شيء” الذي يحكي حياة العالم البريطاني ستيفن هوكينج الذي توفي مؤخرا.
يقدم لنا مكارتين نصا متوازن ومتماسك الى حد ما، بإستثناء بعض المشاهد المبتذلة التي وضعت لتلميع شخصية العمل، لكن مهارته تظهر حينما يكشف لنا جميع جوانبها المعقدة عن طريق تصريحاته وحوارته سواء مع القادة السياسين في العمل أو مع زوجته بالمنزل أو حتى من خلال لقاءاته القليلة مع ملك المملكة المتحدة جورج السادس.
مخرج العمل، هو جو رايت الذي قدم لنا عملا بليغا من كل جوانبه، تحدى به زميله ومواطنه الانجليزي كريستوفر نولان صاحب ملحمة ” دنكيرك”، الذي سبقه بدور العرض بنحو 6 أشهر، وناقش الجانب العملي من نفس عملية الاجلاء.
بعيدا عن المقارنات فتحدي رايت ربما يأتي أصعب بحكم أن العمل معظمه داخل أماكن ضيقة وليست مفتوحة كشواطئ وسماء مدينة دنكيرك، لكنه يتمكن من اجتياز الامتحان بجدارة، حيث تمكنت كاميراته من الوصول الى أضيق الاماكن ببراعة، دون أن يجعلنا كمتفرجين من ملاحظة ذلك، فنراها تتحرك بحرية في زوايا غرف إجتماعات مجلس الحرب، وداخل غرفة نوم تشرشل، حتى حين ياتي الدور على جلسات البرلمان “وستمنستر”، نجده قد خلق زاوية مغايرة عن تلك التي اعتدنا رؤيتها في الاعمال المماثلة، فقد اختار التصوير من أعلى الى اسفل كمباريات كرة القدم، حتى نعيش معهم تلك اللحظات الصعبة معهم.
يستعيد رايت بتميز، أجواء الحرب العالمية الثانية وفترة الاربعينات، بما فيها من حالة وديكورات وملابس وغيرها..، وبإحترافية منه يضع مشاهد تجسد مأزق الرجل الذي يرفض الاستسلام، فهو يضعه أكثر من مرة داخل إطار أسود ينتهي حين تلامس الكاميرا جسده أو وجهه، وذلك ليبين الحصار الفكري الذي يضغط عليه.
كما انك سوف تلاحظ اختياره الألوان الداكنة في معظم لقطات الشريط للتعبير عن أحلك الساعات في تاريخ بريطانيا، والفترة العصيبة التي عاشها مواطنيها وكل عموم أوروبا أنذاك. دعنا لا ننسى أيضا المونتاج والموسيقى التي ظهرت في أحسن حالتها.
يقوم بدور البطولة الممثل القدير جاري أولدمان الذي استحق بجدارة جائزتي أوسكار وجولدن جلوب عن فئة أفضل ممثل لهذا العام عن دوره في هذا العمل، حيث يجسد شخصية التشرشلي الذي يصعب التحكم بكل جوانبها وتفاصيلها المعقدة، فهذا الرجل الذي لا تفارق يده السيجار، كان خليط مركب من الثقة والغرور، والتشكك والاحساس بالضعف، عسكري نعم لكن بداخله طفل صغير يحتاج الى من يقدم له المشورة والعون. لكن أولدمان يغوص في أعماق الشخصية ليقدم لنا بثقة وبراعة فائقة تلك التركيبة العجيبة. بالطبع لن ننسى أن نجاح تقديم أولدمان لشخصية تشرشل، ساهم في اعدادها الماكيير الياباني كازوهيرو تسوجي الذي انتزع هو الاخر وفريق عمله المحترف أوسكار أفضل ماكياج وتصفيف شعر.
الممثلة الانجليزية كريستين سكوت توماس، قامت بدور استثنائي رصين هي الاخرى، حيث جسدت دور زوجته “كليمنتين”، حيث كانت داعمة له متفهمة لتعقيداته التي ذكرناها سلفا، وقدمت له كل العون والحب الذي يحتاجه، أيضا الممثلة
ليلي جيمز، قامت بأداء مميز لشخصية السكرتيرة الصبورة إليزابيث لايتون، التي تحملت إهانة وعجرفة هذا الرجل، كما أنها كانت صوت الشعب بالنسبة له، خاصة حينما تستذكر مواقف من حياتها الشخصية وقصة وفاة شقيقها في الحرب. تستحق التقدير هي وكل فريق التمثيل الذي شارك في العمل.
……………………………..
إستعراض
تبدأ احداث العمل بإستعراض مقاطع فيديو توثيقية لجافل الجيش النازي أثناء الحرب العالمية الثانية، بينما يستعرض فوهررها أدولف هتلر الخريطة الاوروبية، مشيرا بأصبعه نحو ضحيته القادمة بعد سقوط كل من تشيكوسلوفاكيا، بولندا والدنمارك في قبضته، في حين تحتشد قواته استعدادا للزحف نحو بقية دول أوروبا.
سرعان ما يزج بنا رايت داخل برلمان لندن، حيث تتعالى الاصوات، وتشتعل معركة ضارية بين الاعضاء، فيما يبدو أن الأحزاب المعارضة تطالب بإستقالة رئيس الوزراء نيفيل تشامبرلين الذين فقدوا الايمان بقدرته متهمينه بالإخفاق في قيادة بريطانيا في تلك الفترة العصيبة من الحرب.
في الأخير يوافق تشامبرلين رئيس حزب المحافظين على التنحي مقابل تعيين لورد إدوارد وود هاليفاكس وزير الخارجية أنذاك محله، لكن بعد رفض الأخير، يبدو انهم مجبرين على تعيين ابنهم المغضوب عليه ونستون تشرشل، الذي لا يثقون في قدرته على قيادتهم في تلك الفترة بالتحديد، فهو لديه سجل كارثي خاصة بعد تسببه في نكبة حملة جاليبولي “الدردنيل” التي راح ضحيتها اكثر من 25 ألف جندي من القوات الحليفة في الحرب العالمية الأولى، لكنه في الوقت نفسه يحظى بدعم الاحزاب المعارضة وليس لديهم مانع أن يتولى زمام الامور.

……………………………..
تشرشل
من السهل علينا جميعا أن نستحضر صورة تشرشل الحقيقي من خلال الاستعانة بمحركات البحث المختلفة في الانترنت، سنجده رجل بدين “وزنه زائد” يرتدي نظارة، شعره خفيف، وسيجارته لا تفارق يده، لكننا لن نتوصل لصفاته الا عبر مذكرات تاريخية أو ماشابه.
في الفيلم، يصور لنا المخرج جو رايت، تشرشل أنه رجل فج، سليط اللسان، يعامل الجميع بعجرفة وقسوة ، حتى سكرتيرته في أول أيام عملها معه لم يرحمها، مكروه من الجميع حوله، الكل يتجنب الحديث معه ويخافونه، يتلعثم في الكلام حين يتوتر، ولديه شره نحو إحتساء الكحول وشرب السيجار، حتى أن تلك الصورة وصلت الى الملك جورج السادس الذي سنراه يخبره بها خلال لقاءه معه في القصر الملكي.
بعد سقوط هولندا وبلجيكا جراء غزوها من الجيش الألماني، والطريق الى فرنسا يصبح مفتوحا، تتجه انظار الجميع نحو تشرشل، وماهي خطته للأيام القادمة؟ بعد تكلفيه من قبل الملك بتشكيل حكومته عقب تعينه رسميا رئيسا للوزراء.
يتم تشكيل لجنة الحرب من خمسة أعضاء، ويلقي بعدها تشرشل خطاب اسماه ” الدم والكدح والدموع والعرق”، وفيه يعلن توجهه لرفض السلام مع هتلر ومواصلة القتال ضد القوات الالمانية.

……………………………..
غزو وشيك
تقترب القوات الألمانية أكثر وأكثر من القنال الإنجليزية، وتتمكن من محاصرة نحو 300 ألف جندي بريطاني في ميناء دنكيرك بفرنسا، مهددين بإبادتهم اذ لم تسلم بريطاناي نفسها طوعا لهم.
ومع هذا الموقف العصيب، يضيق الحال ويزداد الضغط على تشرشل لقبول اقتراح تشامبرلين ورفيقه هاليفاكس بوساطة بينيتو موسوليني زعيم إيطاليا آنذاك لانهاء الازمة وتأمين خروج أمن لبريطانيا، لكن تشرشل يرفض الاستسلام والتفاوض، ويقول لهم مقولته الشهير”انت لايمكنك التفاوض مع النمر ورأسك داخل فمه”، فيما يقترح العملية “دينامو”، وهي تقضي بسحب فلول جنوده المنهزمة المحاصرة بواسطة قطع بحرية حربية بريطانية بالاضافة الى مراكب وسفن لمدنيين انجليز.

……………………………..
الكلمة للشعب
“أبدا”.. هي كلمة السر التي أعلنها تشرشل أمام مجلس النواب بخطابه في نهاية العمل، والتي كان مصدرها في وقت سابق طفلة صغيرة قالتها حينما جلس تشرشل يحادث الركاب داخل مترو الانفاق ” ممثلو الشعب”، المتجه الى وستمنستر، ليأخذ رأيهم في مسألة الاستسلام والتفاوض مع الألمانيين، حيث كان الرفض المطلق قرارهم في نهاية اللقاء . ـ تلك الحادثة بالتحديد كانت محور جدل تاريخي لدى الكثيرين بما فيهم حفيد الزعيم البريطاني نفسه ـ، في الفيلم يقول تشرشل لسائقه أنه لم يركب أوتوبيسا من قبل ولم يتسنى له الوقوف في إحدى الطوابير.
وهكذا يتم الاعلان عن أن المعركة مستمرة وستبقى حتى لو سقطت بريطانيا العظمى، تشرشل يقولها والشعب يصر عليها، حتى إن الملك جورج السادس يذهب اليه في وقت متأخر ليعتذر عن ذلك التحفظ الذي كان لديه تجاهه منذ البداية ، ويخبره انه “لديه كل دعم الملك” في هذا الأمر.

أحلك ساعة .. شريط يرصد فترة 26 يوم في حياة ونستون تشرشل وعمر الحرب العالمية الثانية، وذلك منذ التاسع من مايو وحتى الرابع من يونيو عام 1940م.
يحتفى بصموده أمام حزبه وأعداؤه النازيين، وخطبه الرنانة وقراره الاستثنائي الذي خلده التاريخ.
وعلى الرغم من بعض المغالطات التاريخية فيه أو على الاقل محط شك، الا أن رايت يبدو أنه تمكن من سلب ابصار المتفرجين لمتابعة حكاية مدتها اكثر من ساعتين، بطلها رجل واحد في نظر العمل، بينما يرى كثيرين أن كلمة السر في إرادة الشعب الذي رفض استسلاما مهينا.
في النهاية يبقى العمل قوي مميز، يستحق الجوائز التي اقتنصها سواء كنت من مؤيدي هذا الرجل أم لا.

رؤية : طارق علي سرحان
Mr.tarek3010@hotmail.com

إلى الأعلى