السبت 17 نوفمبر 2018 م - ٩ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب : جبر الخواطر

رحاب : جبر الخواطر

أحمد المعشني

مما يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهداه رجل فقير عنبا فشكره وأكل منه دون أن يشرك بقية الجالسين، وبعد أن ذهب الرجل نظر الجالسون الى الرسول صلى الله عليه وسلم الذي لم يشركهم في الأكل من العنب خشية أن تبدر من أحدهم كلمة تأفف من رداءة العنب الذي لم يكن مستساغا فيؤذي مشاعر الفقير الذي أهداه إلى خير الخلق صلى الله عليه وسلم. إنه خلق تطييب الخواطر والحفاظ على مشاعر الآخرين، وهو خلق قويم يمارسه الذين يلتمسون حاجات الناس ويسعون في قضائها حتى وإن كانت ظروفهم أصعب ممن يسعون في مساعدتهم؛ علمت منذ أيام أن شابا جاء إلى أصدقائه يطلب منهم 150 ريالا سلفة، ولم يكن بينهم من يتوفر لديه ذلك المبلغ، في تلك اللحظة ثارت نخوة أحد أصدقائه فقال له: انتظرني ثلاث ساعات وسوف آتيك بالمبلغ، مضت ساعتان ولم يتلق منه اتصالا، فاتصل به ولكن هاتفه كان مغلقا، فبدأ السائل يظن ظنونا ويذهب به القلق بعيدا، وساوره شك أن صاحبه قد أراد أن يسخر منه أو قصد أن يدبر له مقلبا ليتندر عليه عندما يلتقي بأفراد الشلة، أعاد الاتصال فجاءه الجواب مرة أخرى: الهاتف الذي تطلبه مغلق حاليا. امتعض الشاب السائل وازداد توترا وانقضت الساعات الثلاث وهو في حالة انتظار وقلق وبينما كان في تلك الحالة من القلق والتوتر رن هاتفه فإذا بصاحبه متصلا، وقبل أن يسمع منه، كال عليه من الشتائم والتوبيخ، وهو يستمع اليه بدون مقاطعة، وعندما فرغ من كلامه سأله: أين يمكننا أن نلتقي لأسلمك المبلغ واذا لم تكن قريبا يمكنك أن تعطيني رقم حسابك لأودع لك المبلغ، تأخرت عليك وأرجو المعذرة. لقد خاض ذلك الصديق الشهم ماراثونا صعبا لتوفير ذلك المبلغ الزهيد، وعندما فشل في العثور عليه بطرق شتى لجأ إلى بيع هاتفه النقال، ثم سعى في شراء هاتف رخيص لكي يضع فيه بطاقته ويطلب صديقه المحتاج، ولكنه لم يجد هاتفا مستعملا رخيصا بسهولة، فكان أن غاب هاتفه عن الارسال في الوقت الذي كان المحتاج يتصل به، علم صديقه السائل بالقصة منه لاحقا، فكان يبكي أسفا وتقديرا لشهامة صديقه. ومما يروى في قصص الشهامة أيضا أن امرأة علمت أن زوجها قد تزوج عليها، وهو لا يعلم أنها تعرف ذلك، وعاشت معه بعد زواجه عليها طيلة خمسة عشر عاما دون أن تخبره أو تظهر له استياء أو تذمرا، أنجب طفلين من زوجته الثانية وهي تعلم عنهما، وتعلم تفاصيل حياته مع زوجته الأخرى، ولم تقض مضجعه، بما يظهر أنها تعلم وتغلبت على غيرتها ولم تزعجه، وبعد سنوات، توفي الرجل، فجأء الناس لمواستها وأبلغوها عن زواجه بثانية، فكانت دهشتهم أنها تعرف ذلك منذ اليوم الثاني لزواجه، وقررت ألا تخبره ولا تزعجه حفاظا على كيان أسرتها واحتراما لمشاعر زوجها الذي لم يخبرها لكيلا يجرح مشاعرها أكثر، إنها القيمة الرائعة التي يستمتع بها من يمارسها، ويختار بمحض اختياره أن يدفع دائما بالتي هي أحسن.

د. أحمد بن علي المعشني

إلى الأعلى