السبت 17 نوفمبر 2018 م - ٩ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / الإباحية السياسية

الإباحية السياسية

د.احمد مصطفى

” يظل الإعلام يبحث عن المثيرات الثلاث في العناوين: السياسة والدين والجنس، وهذه قصة تجمع طرفين من الثلاثة فلا شك أنها تجلب جمهورا أوسع وتزيد من الانتشار الإعلامي وربما من عائدات الإعلانات. لكن موضوع “الإباحية السياسية” إذا أمكن استخدام هذا التعبير أصبح توجها إلى حد ما في العقدين الأخيرين، وتحديدا منذ فضيحة الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون مع المتدربة في البيت الأبيض وقتها مونيكا لوينسكي.”

ليس مستغربا أن يكون الحدث الذي طغى على وسائل الإعلام هذا الأسبوع هو الحوار الذي أجرته شبكة سي بي اس الأميركية في برنامج “ستون دقيقة” الشهير مع ممثلة الأفلام الإباحية السابقة ستورمي دانيالز حول علاقة عابرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عام 2006. ومنذ فترة ووسائل الإعلام الأميركية، وتنقلها عنها بقية منافذ الإعلام في العالم، تتسابق لنشر أي جديد في القصة خاصة وان محامي ترامب دفع للمرأة مبلغا معقولا لتوقع على مذكرة عدم افصاح في 2016 (مع الحملة الانتخابية للمرشح الجمهوري الذي أصبح رئيسا) حول الموضوع. والان استقال هذا المحامي من فريق ترامب القانوني، لكن الإعلام يدفع باتجاه اعتبار تصرفه مساهمة غير قانونية في الحملة الانتخابية لحماية سمعة المرشح. لكن الناس بالطبع تتابع بشغف الجانب المثير من القصة، رغم أن دانيالز وقتما التقت ترامب كانت تلك مهنتها ولم تدعي أي اساءة في إطار التعاقد الإباحي وقتها.
يظل الإعلام يبحث عن المثيرات الثلاث في العناوين: السياسة والدين والجنس، وهذه قصة تجمع طرفين من الثلاثة فلا شك أنها تجلب جمهورا أوسع وتزيد من الانتشار الإعلامي وربما من عائدات الإعلانات. لكن موضوع “الإباحية السياسية” إذا أمكن استخدام هذا التعبير أصبح توجها إلى حد ما في العقدين الأخيرين، وتحديدا منذ فضيحة الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون مع المتدربة في البيت الأبيض وقتها مونيكا لوينسكي. ولمن يتذكر أيام القصة مطلع عام 1998 فقد كان ذلك مسلسلا إعلاميا انتهى بنشر المحقق الخاص في القضية كينيث روس ملفات التحقيق التي تلقفها الناس عبر الانترنت وكأنها كتاب “عودة الشيخ إلى صباه”. معروف أن عالم السياسة بيئة خصبة ليجعل الإعلام “من الحبة قبة”، ولطالما كانت فضائح السياسة مرتبطة بالفساد المالي أو استغلال النفوذ لأغراض شخصية وقليلا ما كانت الفضائح الأخلاقية توأد في مهدها. أما الآن، ومع التحول من القرن الماضي الى القرن الحالي اصبحت الفضائح الأخلاقية، وحتى الإباحية، اكثر.
لا يعني ذلك أن العالم أصبح أقل أخلاقية، أو أن تلك الممارسات واشباهها لم تكن موجودة بذات القدر وربما أكثر من قبل. انما هو ذلك التحمل لانتشارها الذي واكب التطورات الأخيرة في العالم وظهور اجيال جديدة لا تتحرج من كثير كانت الأجيال السابقة تتحرج منه. لكن ذلك ليس السبب فحسب، إنما هي موقف الناس (عامة الناس) من السياسة وتطوره منذ ثمانينيات القرن الماضي. فمع بدء فقدان الثقة في الديموقراطية وعزوف الجماهير عن المشاركة السياسية ضمن الأطر والنظم المتعددة في المجتمعات المختلفة أصبحت السياسة عرضة لهذه التوجهات التي تستخف بدورها في المجتمع. ثم هناك أيضا الانتشار الهائل لكافة اشكال استغلال النفوذ وأنواع الفساد المختلفة بما جعلها أقل إثارة، لذا يسلط الضوء على ما هو فضائحي إباحيا. من قبل، كان الناس لا يثقون كثيرا في السياسيين باعتبارهم “مناورون” يقولون ما لا يفعلون في أغلب الأحيان، لكن ذلك لم يعد كافيا للأجيال الجديدة. ومرة أخرى، هي ليست مسألة اجيال فقط ولكنه تطور طبيعي لفكرة الناس عن السياسة مع تطور وسائل الاتصال والانتشار وتغير مفاهيم وقيم أجيال جديدة لم تعد ترى الأمور كما كانت تراها أسلافها.
الأخطر في تصوري ليس تصاعد تلك الإباحية الأخلاقية في السياسة، وانما ذلك القبول الواسع لها ـ ليس فقط فيما يخص السياسة، وانما ذلك القبول والتحمل لما كان قبل عدة سنوات يعتبر “عيب” و “لا يصح” … الخ. هناك من يرى أن ما تسمى ثورات الربيع العربي مطلع العقد الحالي كانت سببا في كسر قيم كثيرة والتجاوز فيما يصفه الكبار “قلة الأدب”، وهناك من يرى أن السياسة تراجعت مع تراجع الإيديولوجيات بداية الربع الأخير من القرن الماضي. وربما يكون هذا وذاك صحيحا، لكنه لا يفسر تلك الإباحية السياسية المتصاعدة ولا حتى مع العوامل التي سقناها آنفا. هناك خلل حقيقي في العالم يتعلق بمهارات البشرية الجمعية وينعكس بوضوح في سطحية التفكير وحتى عدم الأصالة في البحث والدراسة المعمقة. ألم نلاحظ غياب الفلاسفة والمفكرين الكبار؟ هل فات علينا أننا في زمن نعيد فيه تدوير معلومات وأفكار القدماء؟ ألا يثير اهتمامنا أن جوجل وويكيبيديا بتلك الوفرة التي تجعل العقل أشد كسلا أصبحا مصدر المعرفة الرئيسي للكثيرين؟
من الطبيعي هنا أن نتوقع أن تكون ردة الفعل على كل هذا هي اللجوء للآلة الذكية والتفكير البرامجي لشريحة الكترونية لتحدد لنا معايير الأخلاق والسلوك وما يصح وما لا يجوز.ليس هذا مجرد تخرص، أو تهويل للمخاوف من أن تحل الآلة محل الانسان، بل هو توقع تطور طبيعي لما يحدث للبشرية وما تستسهله ولا تقاومه. وليست السياسة إلا عرضا واحدا من أعراض عدة لنشاط البشر تعتمد على التفكير والتصرف على أساس الافتراضات والتوقعات. وأغلب الظن أننا حين ننصل لتلك المرحلة ستفقد حتى “الإباحية” معناها.

إلى الأعلى