Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

تحرير الغوطة … معان ودلالات

د. فايز رشيد

” يربط كاتب هذه السطور بين ردود الفعل الأوروبية والأميركية العنيفة بطرد 107 دبلوماسيين روس من 14 دولة أوروبية ومن الولايات المتحدة وكندا وأوكرانيا (تضامنا مع بريطانيا) في قضية تسميم الجاسوس الروسي المزدوج فيها, وبين الرد الروسي الحازم للتهديدات الأميركية لسوريا, في الاعتقاد لو لم يكن الرد الروسي بهذه الطريقة, لما جاءت ردود الفعل الأوروبية على قضية الجاسوس بهذا العنف.”

تستعد دفعات جديدة من المدنيين والإرهابيين للخروج من جنوب الغوطة الشرقية, استكمالا لاتفاق إجلاء ترعاه روسيا, في وقت تستمر فيه المفاوضات مع “جيش الإسلام” بشأن مصير دوما, آخر معقل للتنظيمات الإرهابية قرب دمشق. تشكل خسارة الغوطة الشرقية التي حاصرتها قوات الجيش العربي السوري بشكل محكم منذ العام 2013 , واستهدفتها بهجوم عنيف منذ 18 شباط/فبراير الماضي, تشكل ضربة قاسية وقاضية للتنظيمات الأصولية المتطرفة , التي روّعت بقذائفها الموجهة إلى المدنيين في العاصمة السورية, وتعد الهزيمة الأكبر لها منذ خسارة مدينة حلب نهاية العام 2016. وتوصلت روسيا تباعا مع فصيلي حركة “أحرار الشام” في مدينة حرستا ثم “فيلق الرحمن” في جنوب الغوطة الشرقية, إلى اتفاقين تم بموجبهما إجلاء آلاف الإرهابيين والمدنيين إلى منطقة إدلب ,في عملية من شأنها أن تحكم قبضة قوات الجيش على كامل الغوطة الشرقية بعدما باتت تسيطر على أكثر من تسعين بالمائة منها.
إن من أكبر دلالات تحرير الغوطة الشرقية, أن الجيش العربي السوري, ورغم سنوات من القتال المرير والمتواصل, ما زال قوياً, بل يشعر المراقب أنه يزداد قوة, بعد فشل الرهانات على تفكيكه وتحقيق انقسامات في داخله, خدمة لإسرائيل وحلفائها ومخططاتها في القضاء على أقوى ثلاثة جيوش عربية, هي العراقي والمصري والسوري. لذا لم يكن احتلال منظمات التطرف والإرهاب الغوطة الشرقية بالقرب من دمشق عفويا! أرادوها مصدر تهديد دائم لإرهاب أهالي العاصمة السورية, بل أعدّوها نقطة للانقضاض على العاصمة واحتلالها , وفرض سيطرتهم عليها, كما خطط أسيادهم الأميركيون والإسرائيليون وتركيا والبعض العربي, تحرير الغوطة أفشل كل هذه المخططات السوداء, التي رسمت لتقسيم سوريا. يعتبر تحرير الغوطة هزيمة ساحقة لمنظمات الإرهاب وأسيادها, الذين طالما تباكوا على الضحايا المدنيين فيها, غير آبهين بضحايا قذائف الإرهابيين في دمشق وغيرها, ولا بالضحايا الفلسطينيين ,الذين تقتلهم إسرائيل يوميا.
لقد استعملوا أسطوانة الأسلحة الكيماوية مرّة أخرى, أملا في أن توجه الولايات المتحدة ضربات عسكرية للجيش السوري, من أجل إنقاذهم, لكن رد روسيا من خلال رئيس هيئة الأركان النائب الأول لوزير الدفاع الروسي فاليري غيراسيموف, جاء حازما وحاسما لا يحتمل تفسيرين:” بأن روسيا لن تضرب فقط الصواريخ الموجهة إلى سوريا, بل أيضا منصات إطلاقها”, هذا ما فرمل الضربة العسكرية الأميركية لسوريا. كانوا يحثون على الالتزام بوقف إطلاق النار, لكنهم يتجاهلونه في الهجمات الوحشية التركية على منطقة عفرين, ولا يذكرونه في تعليقاتهم, رغم أن القرار يشمل كل الأراضي السورية, ولم يقوموا بإدانة التواجد الأميركي في النتف, ولا التنسيق الأميركي – التركي في شمال وشرق سوريا.
يربط كاتب هذه السطور بين ردود الفعل الأوروبية والأميركية العنيفة بطرد 107 دبلوماسيين روس من 14 دولة أوروبية ومن الولايات المتحدة وكندا وأوكرانيا (تضامنا مع بريطانيا) في قضية تسميم الجاسوسأ الروسي المزدوج فيها, وبين الرد الروسي الحازم للتهديدات الأميركية لسوريا, في الاعتقاد لو لم يكن الرد الروسي بهذه الطريقة, لما جاءت ردود الفعل الأوروبية على قضية الجاسوس بهذا العنف.
أما حول انتهازية المواقف الأوروبية, فرغم جرح هذه الدول, النازف بسبب الإرھاب, نقول: نعم, ضرب الإرھاب في اكثر من دولة أوروبیة, والعملیة الإرھابیة منذ أسبوع في “تریب” بجنوب فرنسا هي لیست الأولى وقد لا تكون الأخیرة , لأن الخطر ما زال قائما ومتوفرا , ولأن تنظیم داعش الذي تبنى العملیة لم یعد فصیلا مسلحا فحسب, بل تحول الى تیار فكري عقائدي سیاسي دیني, وھو الوریث للقاعدة التي أنشأت برعایة أمیركیة في ولایة بیشاور الباكستانیة في العام 1984 , ثم انطلقت عملیاتها من مسجد الفاروق في بروكلین, حیث تلقى “الجهادیون” تدریباتهم العسكریة القتالیة بأسلحة أمیركیة وتحت إشراف ضباط من الولایات المتحدة , من أجل محاربة ما سميّ بـ المد الشیوعي , ومواجهة الجیش الأحمر والنظام الشیوعي في افغانستان في ذلك الوقت, وفي تصریحاتهم المتلاحقة یعلن قادة الدول الأوروبیة انهم شركاء في محاربة الإرهاب , ولكن الظاهرة اللافتة للأنظار أنهم یستیقظون فجأة وترتفع اصواتهم “الأنسانیة”حین یتقدم الجیش العربي السوري ویحاصر الإرهابيين المتطرفین في زاویة ضیقة , وهي اصوات منسجمة مع الموقف الأمیركي تماما, وكأنهم لا یریدون انهاء الحرب , أو السماح بحسمها عسكریا , بهدف إطالة أمد انشغال سوریا بجرحها النازف وأزمتها الطویلة , وبالتالي خلق الظروف التاریخیة والواقعیة لتمریر المشروع الأمیركي المشبوه , لیس في سوریا فحسب بل یهدف الى تصفیة القضیة الفلسطینیة وربما یشمل تغییرات في أنظمة دول إقلیمیة أیضا.


تاريخ النشر: 29 مارس,2018

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/252825

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014