السبت 17 نوفمبر 2018 م - ٩ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / قراءة في ندوة:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي) نظام الحسبة والدعوى العمومية (3 ـ 7)

قراءة في ندوة:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي) نظام الحسبة والدعوى العمومية (3 ـ 7)

قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
جاءت ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان من خلال عنوانها:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي) والتي عقدت خلال الفترة من 15 إلى 18 جمادى الأولى 1436هـ، الموافق 5 إلى 8 ابريل 2015م في نسختها الحادية عشرة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بتوجيهات سامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
ومن ضمن ما قدم خلال الندوة من بحوث وأوراق عمل كانت لنا هذه القراءة في بحث بعنوان:(نظام الحسبة والدعوى العمومية) للأستاذ الدكتور جابر عبدالهادى سالم الشافعى ـ أستاذ ورئيس قسم الشريعة الإسلامية ووكيل كلية الحقوق جامعة الإسكندرية.
الحسبة نظام يحقق الإصلاح والتقدم:
وقال الباحث في هذا الجانب: يعتبر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذى هو قوام الحسبة، منطلق عظيم لإصلاح أحوال الناس وتطهير المجتمع، فهو يعتبر أحد خصائص المجتمع المسلم الذى يتمسك بأحكام الإسلام ولا يرضى بها بدلاً، ولقد بين الله سبحانه وتعالى آثار ذلك بأننا نكون خير أمة أخرجت للناس قال تعالى:(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ)، وأما إذا ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد انتفت الخيرية من المجتمع وسمح للمنكر أن يسود، وقال تعالى:(لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا)، وقد روى عن النبى (صلى الله عليه وسلم) أنه قال:(لا تزال أمتي بخير ما أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وتعاونوا على البر، فإذا لم يفعلوا ذلك نزعت منهم البركات وسلط بعضهم على بعض ولم يكن لهم ناصر فى الأرض ولا فى السماء، كما روى عنه (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليستعملن عليكم شراركم فيدعوا خياركم فلا يستجاب لهم، كما روى عنه (صلى الله عليه وسلم) أنه قال:(من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان).
أركان الحسبة:
موضحاً الباحث بقوله: وقد ذكر الفقهاء أن للحسبة أركاناً تتمثل فيما يلى، أولاً: المحتسَب عليه وهو من يصدر منه ترْك المعروف أو فعل المنكر، وثانياً: الاحتساب وهو عمليّة الحسبة ذاتها، أي: ما يقوم به المحتسِب تجاه المعروف المتروك أو المنكر الموجود، وثالثاً: المحتسَب فيه وهو ما تجري فيه الحسبة، أي: ما يجب فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وله شروط منها ما يلى: أن يكون منكراً أى يكون محظور الوقوع في الشرع ، سواء كان تركاً لمعروف أو ارتكاباً لمحظور، وأن يكون المنكَر موجوداً في الحال، فإذا كان قد وقع وانتهى، لم يملك المتطوِّع بالحسبة من مراتب الاحتساب في هذه الحالة إلا الوعظ والنّصح أو رفع دعوى الحسبة أمام القاضي إذا ترتّب على ارتكاب ذلك المنكَر عقوبة، أما والي الحسبة، فله بحسب ما يملكه من صلاحيات أن يؤدِّب وأن يعاقب المحتسَب عليه، وإن انتهى مِن عمل المنكَر، وإذا علِم المحتسِب أن أحداً قد همّ بارتكاب المنكر، ودلت القرائن على تهيئته لذلك، فللمحتسب واليا كان أو متطوِّعاً الإنكار عليه بطريق الوعظ والنصح، وبطريق التذكير بعظم عقوبة الله تعالى، فإذا لم تكن هناك قرائن تدل على الإقدام على ارتكاب المنكر، فلا يجوز له واليا كان أو متطوِّعا الإنكار على ذلك الشخص، لأن فيه إساءةَ ظنٍّ بالمسلم، وأن يكون المنكر ظاهراً للمحتسِب دون تجسس، وأن يكون المنكَر معلوماً، أي ليس محل خلاف يُعتد به، وأن يدفع المنكر بأيسر ما يندفع به، ورابعاً: المحتسِب وهو من يقوم بعملية الاحتساب، إما بولاية ـ أي بوظيفة ـ وإما بتطوع، فوالي الحسبة هو من نصبه الإمام أو نائبه للقيام بعملية الحسبة، أما المتطوِّع بالحسبة فهو من يقوم بعملية الاحتساب من تلقاء نفسه امتثالاً لأوامر الشارع، فالحسبة فى بداية الأمر نشأت نشأة بسيطة، فلم تكن فى بداية الأمر وظيفة مستقلة، وإنما كانت مجرد أمر بالمعروف ونهى عن منكر يقوم بها المسلم، ثم تطورت الحسبة وأصبح المحتسب وظيفة، من خلالها ينظر فى شئون الرعية، فيأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر فيما يخص حياتهم الدينية والدنيوية.
مشيراً الى أن الفرق بين المتطوِّع بالحسبة وبين والي الحسبة ما يلي: الاحتساب واجب متعيّن على والي الحسبة بحكم التّعيين من قِبَل ولي الأمر بهذا المنصب، فهي وظيفة، وعليه أن يقوم بها وبواجباتها، أما المتطوِّع بالحسبة فإن الاحتساب في حقه واجب كفائى، ويصير واجب عيْنى في حقه إذا كان قادرا ولم يعلم به غيره، والاحتساب من واجبات والي الحسبة بحكم وظيفته وتعيينه في هذا المنصب، فلا يجوز له أن يتشاغل عنه بغيره، لإنها وظيفته الرئيسية، أما المتطوِّع بالحسبة فيجوز له الاشتغال عنها، لأنها من نوافل عمله، ويجوز تخصيص راتب لوالي الحسبة مقابل احتباسه لهذا العمل واشتغاله به أغلب وقته، ولا يجوز ذلك للمتطوِّع بالحسبة، لأن المتطوِّع يبتغي الأجر من الله تعالى بأداء ما أُمر به، ولأنه لا ينشغل ولا ينقطع بالاحتساب عن حاجاته ومصالحه ومصدر رزقه، ووالي الحسبة معيّن من قِبَل ولي الأمر للاستعداء إليه، أي: اللجوء إليه بالشكاية، وطلب المعونة والنصرة فيما يجب عليه إنكاره من المنكَرات الظاهرة، بخلاف المتطوع فإنه ليس منصوباً للاستعداء، وعلى والي الحسبة الاستجابة لمن استعداه، لأنه موكل بذلك، وتلك وظيفته الأساسية، فإن امتنع كان ذلك تقصيرا منه وتهاوناً في آداء واجبه، بحيث يُسأل عنه من قِبَل الإمام أو نائبه، بخلاف المتطوع فليس له إجابة من استعداه إذا لم يتعيّن في حقِّه.
شروط المحتسب:
وقال الباحث: ويشترط فى المحتسب شروط منها ما يلي: أولاً ـ الإسلام: يشترط في المحتسِب أن يكون مسلماً، فالمسلم هو الذي يقع على عاتقه واجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وهذا الشرط من الشروط العامة في والي الحسبة والمتطوِّع بها على حد سواء، وثانياً ـ التكليف: يُشترط أن يكون المحتسِب مكلَّفا، أي يكون بالغاً عاقلاً مختاراً، وإذا عقل الصبي المميِّز المنكر، وعرف وجه تغييره، وتبرع بالحسبة، وقع ذلك صحيحاً منه، وله الأجر والثواب، لأن احتسابه وهو في هذه الحال يُعتبر قُربة في حقه، وهو من أهلها كالصلاة والصوم وسائر القربات الأخرى، وثالثاً ـ العلم: يشترط في المحتسِب أن يكون عالماً بالمعروف الذي يأمر به، والمنكر الذي ينهى عنه، وعارفاً كذلك بالأحكام المتعلِّقة بهما، وأن يكون عالماً بطرق ومراتب الاحتساب، فإذا لم يكن كذلك، لم يصح منه أمر ولا نهي، وهو شرط عام في والي الحسبة وفي المتطوِّع بها أيضاً، والعلم بالمعروف والمنكر على قسمين، الأول: ظاهر يعرفه العوام والعلماء، وهو ما كان من الواجبات الظاهرة أو المعلومة من الدين بالضرورة، كوجوب الصلاة والصوم، وأيضاً ما كان من المحرمات المشهورة، كحرمة الزنا والسرقة وشرب الخمر ونحو ذلك، وهذا القسم، العامّي فيه كالعالم في وجوب القيام بالاحتساب، فيأمر تارك الصلاة بأدائها، وينهى شارب الخمر عن شرْبها، والثاني: خاص لا يعرفه إلا العلماء، كأن يكون المعروف المعدوم، أو المنكر الموجود من دقائق الأفعال والأقوال، وذلك مثل اعتقاد ما يجوز على الله تعالى وما لا يجوز عليه ، فهذا القسم لا مدخل للعوام فيه، بل يختص إنكاره بالعلماء، لأن العامي إذا خاض فيه كان ما يفسده أكثر مما يُصلحه، ورابعاً ـ الحرية: في هذا الشرط ينبغى التفرقة بين المتطوِّع بالحسبة وبين والي الحسبة، فالمتطوع لا تشترط فيه الحرية، فللعبد أن يأمر بالمعروف وأن ينهى عن المنكر، شأنه في ذلك شأن الحر، لأنه من المسلمين المكلفين المخاطبين بالنصوص التي أوجبت الحسبة، كمخاطبته وتكليفه بالصلاة وبالصيام وبنحوهما،أ ما والي الحسبة فقد اشترط الفقهاء فيه أن يكون حرّاً لأنها من الولايات، والعبد ليس من أهل الولايات.
.. وللحديث بقية الاسبوع القادم.

إلى الأعلى