الإثنين 11 ديسمبر 2017 م - ٢٢ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الثقة السياسية ودورها في توطيد أركان الدولة المطمئنة

الثقة السياسية ودورها في توطيد أركان الدولة المطمئنة

محمد بن سعيد الفطيسي

” .. يختلف تعريف الثقة باختلاف مجالات العلوم والدراسات الاجتماعية، إلا أن علماء السياسة يتعاطون معها بوجه خاص من منظور العلاقة بين المواطن والحكومة، على اعتبار أنها سمة مجتمعية وليست فردية كما سبق وأشرنا، حيث يشارك الأفراد ويستفيدون من ثقافة الثقة او من المؤسسات الاجتماعية والسياسية التي تعزز ذلك السلوك،”
ــــــــــــــــــــــــــــ
الثقة في النظام السياسي الذي يدير كل ما يتعلق بشؤون الأمة الوطنية في الداخل والخارج، الثقة في المؤسسات الحكومية التي تدير شؤون المواطنين وحياتهم اليومية، الثقة في المسؤولين القائمين على تلك المؤسسات الرسمية، الثقة في الدستور والقوانين المنبثقة عنه والتي يفترض ان توجه سلوك الناس الى ما فيه خير الوطن والمواطن بعدالة ودون استثناء وتمييز، الثقة في الخطط والمرئيات والتوجهات الرسمية التي تحرك عجلة التنمية والبناء والتقدم وتدفع الحاضر القائم الى مستقبل مزدهر بكل قوة واطمئنان، الثقة في الواقع السياسي ككل، كل ذلك وغيره يدور فيما يطلق عليه او يسمى اصطلاحا بالثقة السياسية والتي ترتبط من جانبها بما يمكن ان نطلق عليه بالحكم الرشيد او المستنير .
حيث يمكن التأكيد على أنها أي الثقة السياسية من ابرز واهم الأسس التي توطد أركان الدولة المطمئنة في زمن ما يطلق عليه بالفوضى ” الخلاقة ” والصراعات الداخلية والاقتتال على المصالح الفئوية سواء كانت حزبية او طائفية او مذهبية او غير ذلك، والتي هي اليوم وكانت بالأمس السبب الرئيسي لاختراق أكثر الأوطان عبر التاريخ، ما تسبب بتدميرها وتشريد أبنائها والقضاء على حاضرها ومستقبلها، بل إنها اللاصق القوي الذي يبقي على تماسك المجتمعات والمؤسسات وبدونها سيتوقف كل شيء.
إذا فالثقة السياسية هي قيمة أخلاقية ومعيار من معايير الإيمان بالطرف الآخر أي الطرف القائم على إدارة الشؤون العامة في أي امة وطنية كالحاكم والمسؤولين والمؤسسات والقانون والخطط والتوجهات وغير ذلك، وافتقادها يعني فقدان الرابط الأخلاقي والفكري والنفسي بين أطراف الإنتاج والبناء الوطني، وتعد قيمة مادية لا يمكن إهمالها لأنها من ابرز واهم الأسس الإدارية في بناء أي دولة عصرية تسعى لتحقيق الاستقرار والطمأنينة الشاملة، وعندما نقول الإدارية، فإننا نعني بذلك الإدارة المدنية من مختلف جوانبها، سواء كانت السياسية او الأمنية او الاقتصادية، وكل ما يتعلق بإدارة شؤون الوطن والمواطن، والتي تتحرك على أساسها عجلة الإنتاج وتتقدم التنمية الى المستقبل.
ويختلف تعريف الثقة باختلاف مجالات العلوم والدراسات الاجتماعية، إلا ان علماء السياسة يتعاطون معها بوجه خاص من منظور العلاقة بين المواطن والحكومة، على اعتبار أنها سمة مجتمعية وليست فردية كما سبق واشرنا، حيث يشارك الأفراد ويستفيدون من ثقافة الثقة او من المؤسسات الاجتماعية والسياسية التي تعزز ذلك السلوك،( وتشير بعض الأدبيات إلي الثقة السياسية علي أنها اعتقاد المواطنين بأن الحكومة أو النظام السياسي سيعمل بأسلوب يتسق مع توقعاتهم، والمواطنون الذين يثقون في الحكومة أكثر عرضة للامتثال للقوانين ويتابعون المبادرات الحكومية، وأن الثقة السياسية تمثل التوجه العام للمواطنين نحو الحكومة، ويقوم هذا التوجه بناء علي التوقعات المعيارية للحكومة )
وحين نبحث في مفهوم الثقة بوجه عام يتضح لنا أنها متعلقة بقوة بحبل الصدق والأمانة والمصداقية والوفاق ومفهوم الحكم الرشيد والحاكم المستنير، فاصطلاحا: هي التي يعتمد عليها في الأقوال والأفعال، قيل هي بحسب من أضيفت إليه، كالثقة بالله، والثقة بالمؤمنين، والثقة بالنفس، والمنهج، وعليه فان الثقة السياسية يجب ان ترتبط افتراضا بذلك الحبل، خصوصا عندما تدور في رحى علاقة بين إطراف البناء والعمل الوطني في أي امة ، ويقابلها أي الثقة في الجانب الآخر الشك والريبة وهي قيم سلبية وعوامل مدمرة ومقوضة لأركان الدولة المدنية، خصوصا إذا تسيدت العلاقة المشار إليهما سلفا، حيث تتحول مع الوقت الى أداة تدمير للدولة وسرطان ينهش كل ركن من أركان استقرارها وأمنها ووحدة صفها وترابط مواطنيها ومناعتهم الوطنية ضد كل إشكال الفرقة والاختراقات الخارجية والصراعات الداخلية.
وفي هذا الإطار عرَف جاك سيتري Jack Citrin انعدام الثقة علي أنها ( حالة من العداء تجاه القادة السياسيين والاجتماعيين ومؤسسات الحكم والنظام، والتي تعبر عن حالة من سخط الرأي العام تجاه النظام بسبب فشل الحكومة في “تلبية احتياجات أو تلبية توقعات المواطنين الأمر الذي يؤدي إلي تآكل الشرعية السياسية، كما أوضحت بعض الأدبيات أن غياب الثقة السياسية بين أعضاء العمل السياسي مؤشر علي تشبع النخبة الحاكمة بثقافة الاصطفاء السياسي، ونفي الآخر واستبعاده، وهي التقييم السلبي للسياسات العامة من قبل المواطنين الذين يرون تناقضاً بين المأمول والواقع، حيث يثق المواطنون في الحكومة عندما يشعرون بأنها تعالج القضايا بكفاءة، ويفقدون الثقة فيها عندما يشعرون بأنها مسئولة عن الاتجاهات غير المرغوب فيها).
ونحن حين نضع الثقة السياسية وضرورة توطيدها بين أطراف الإنتاج في أي امة وطنية كركن أساسي لا غنى عنه لتحقيق ما نطلق عليه بفكرة الدولة المطمئنة بكل أهدافها وغاياتها القائمة وأحلامها وطموحاتها المستقبلية القادمة، فان ذلك يأتي من إيماننا وإدراكنا لأهميتها العظيمة في الحاضر والمستقبل، وخطورة افتقدها او حتى تراجع منسوبها على تلك العلاقة الوطنية الوطيدة والمترابطة القائمة على الحقوق والواجبات بين الحاكم والمحكوم او المواطنين ومؤسسات الدولة او المسؤولين ومن يقومون بخدمتهم وإدارة شؤون حياتهم، او في القانون الذي ينظم سلوكياتهم ويحقق العدل والمساواة بينهم وغير ذلك من العلاقات التي تسير شؤون الدولة والمواطنين فيها في الداخل والخارج.
وعن أهمية الثقة السياسية يقول احد حكماء الصين التي شاركت في بناء الحضارة منذ عشرات القرون، وبثت حكمتها لكل أرجاء المعمورة، يقول هذا الحكيم الصيني عندما سأله احد تلاميذه، يا معلم ماذا يجب على الدولة للشعب؟ قال المعلم: ان من حق الشعب على الدولة ان توفر له امورا ثلاثة، احدها عدة الحرب التي يدافع بها عن نفسه، وثانيها لقمة العيش التي تمسك حياته، وثالثها الثقة بالحكومة التي تستبقي له قوة دولته، فقال يا معلم: إذا لم يكن بد من الاستغناء عن واحد من ثلاثة فماذا يستغني عنه الشعب؟ فأجاب المعلم نستغني عن عدة الحرب لأننا نستطيع ان نخرج الأعداء من بلادنا إذا قاطعناهم ولم نتعامل معهم في شأن من شئون الاجتماع، فأنهم عند ذلك لا يستطيعون البقاء ولا يجدون مناصا من الجلاء، فلم يشأ التلميذ ان يسكت، فقال يا معلم إذا لم يكن بد من الاستغناء عن احد الأمرين لقمة العيش والثقة فما الذي نستغني عنه منهما؟ فقال المعلم: نستغني عن لقمة العيش لان الموت كان ولا يزال حتما مقضيا على البشر، أما إذا انعدمت الثقة، فلا بقاء لدولة الشعب، وعند ذلك يتهافت عليه الأعداء ويتخلى عنه الأصدقاء.
وفي هذا السياق يرى فرانسيس فوكوياما في كتابه “Trust ” ، الثقة : الفضائل الاجتماعية وتحقيق الازدهار والذي اعتمد فيه على نتائج دراسات أجريت عبر القرون على شعوب وأمم متنوعة: ( أن الثقة هي كلمة السر في انتقال المجتمعات من حال إلى حال وتطور الدول من وضعية إلى وضعية مغايرة، فالثقة لها أثرها الإيجابي في تحقيق النمو والازدهار في المجتمعات كما وتمثل قوة أساسية للثقافة في ايجاد مجتمع اقتصادي وسياسي متماسك ومتجانس فقدرة المجتمع على التعاون وتعزيز جوانب الثقة في ما بين أفراده من ناحية، والثقة في ما بين الفرد والحكومة تعزز الرخاء والازدهار في بلد ما، ويرى فوكوياما انه عندما تزدهر القيم، يتصرف الأفراد انطلاقا من أخلاقيات تعتبر أساسا لبناء الثقة بينهم، وتجعل التضامن هدفا في ذاته، بغض النظر عن المصالح الذاتية. ويؤدي غياب الثقة والتضامن إلى فقدان فرص التقدم الاقتصادي، بسبب ما يطلق عليه علماء الاجتماع: العجز في رأس المال الاجتماعي).
عليه يمكننا وباختصار شديد ان نؤكد على ان الثقة السياسية بمختلف جوانبها وتوجهاتها سواء كانت الثقة بالحاكم او بالنظام السياسي ككل بدا بالدستور والقوانين، ومرورا بالمؤسسات والمسؤولين وليس انتهاء بكل ما يتعلق بالمواطن في دولته هي اليوم وكانت بالأمس وستبقى من ابرز عوامل استمرار الأمن والاستقرار والطمأنينة في أي وطن، واهم ركائز التنمية والديمقراطية والوفاق بين أطراف الإنتاج والعمل الوطني في أمة، وكل ذلك بالطبع يدور في إطار تحقيق ما أطلقنا عليه بالدولة المطمئنة في زمن الفوضى والاضطرابات والصراعات وفقدان المناعة الوطنية ضد كل أشكال الاختراقات الخارجية ، وما بد أبدا لأي نظام سياسي مستنير وحكومة واعية من وضع الثقة السياسية على قمة الأولويات التي تصب في إطار بناء الدولة الآمنة المستقرة المطمئنة.

* نقلا عن كتاب غير منشور لنا تحت عنوان : الدولة المطمئنة ، ثلاثية : صناعة الأمن الوطني في زمن الفوضى الخلاقة – دولة للمؤسسات والقانون – حكومة ذات بعد مستقبلي – تنمية هدفها الرئيسي الإنسان-.

إلى الأعلى