الجمعة 21 سبتمبر 2018 م - ١١ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / واشنطن بين الحوار والقسر

واشنطن بين الحوار والقسر

أ.د. محمد الدعمي

يخترق هذه الإدارة خيال واهم مفاده عدم إمكانية “تعايش” الثقافتين والفكرين المتنافرين، الأميركي من جهة، والعربي الإسلامي من الجهة الأخرى. هذه هي فعلا نهاية الحضارة ونهاية الثقافة، حيث لا تسمح ثقافة قوية معينة بوجود ثقافة تختلف أو تنافس أو تفترق عنها في نقاط معينة، الأمر الذي يميط اللثام عن “دكتاتورية” الأفكار الجديدة ..

يُقال إن هذا هو “عصر الحوارات” الذي خذلته الإدارة الأميركية عن سبق إصرار وتعمد: حوار الشرق ـ الغرب، حوار الشمال ـ الجنوب، حوار الموائد المستديرة، وسواها من الحوارات الجارية هنا وهناك. ويبدو أن المعنى النهائي لاضطلاع واشنطن، قائدة العالم الغربي، بإعلان حرب الأفكار ضد العالم العربي والإسلامي خاصة، قد تبلورت بعد إخفاق الحوارات أو “المبارزات اللفظية” التي تُحسم بتوظيف لغة الصواريخ والمدافع والقذائف وغيرها من أدوات التدمير والقتل والهدم. وهذا بالضبط ما حدث في العراق سنة 2003. ولكن القضية تبقى، في نهاية المطاف، قضية “لغة”، ذلك أن العقل الأميركي، العقل الإداري الأميركي على نحو التخصيص، يعاني من “أزمة” تواصل أو “سوء فهم” مع الآخرين بسبب عدم وجود “لغة مشتركة” يمكن توظيفها كقناة للتفاهم ولتبادل الآراء والأفكار في تبادل سلس ومتناغم للأفكار يتم عبره التوصيل والاستلام، بمعنى اعتماد آلية “التحفيز ـ الاستجابة”. هذا ما يفسر إعلان الإدارة الأميركية الحاجة إلى “تحسين” صورة أميركا. ونظرا لأن الذهنية الأميركية تعاني من “نرجسية” فكرة فظيعة مفادها تفوق العالم الجديد على بقية أرجاء العالم، وهي النرجسية التي تؤهلها لتقييم وتقويم بقية أنحاد العالم وثقافاته بنظرة دونية مشوبة بالخيلاء والترفع، فإنها، كنتيجة، تخفق في أن تجد من يفهم لغتها ويدرك آليات تفكيرها. وهذا، بكل دقة، ما يستفز الثقافات الأخرى، ثم يسيء كثيرا إلى سمعة الإدارة الأميركية وإلى سمعة “أدواتها التحاورية” (إن وجدت حقا) بسبب غياب اللغة المشتركة مع الآخرين، الأمر الذي يضع هذه الإدارة في حال محرجة تضطرها لأن “تنتقي” أو “تنتخب” من يحاورها من المعسكر المقابل. بل إن هذا ما حدث فعلا إبان المحاولات الأولى لمد جسور الحوار بينها وبين الفلسطينيين. وهذا هو ما أدى، كذلك، إلى تجاوز واشنطن جميع الاعتبارات الروحية والأخلاقية واتخاذ قرارها بنقل سفارتها إلى القدس على نحو فج لم يحظَ حتى بتأييد دول أوروبا. هي ترنو لأن تقرر من الذي يحاورها، موظفة سلطة المال وقوة السلاح لهذا الغرض الأمر الذي يقرر عزوفها عن مثل هذا “الحوار” غير المتوازن وغير الندّي.
بيد أن لمسألة “حرب” الأفكار أبعادا أعمق، ذلك أن الحرب تعني صداما بين عدوّين لدودين كانا قد استنفدا جميع الوسائل السلمية والسبل التفاعلية الحضارية كي يضطرا إلى التصادم (العسكري) النهائي عن طريق الحرب التي لا يمكن إلا وأن تنتهي بـ”انتصار” طرف واحد، و”هزيمة” طرف آخر. لهذا السبب تفقد واشنطن صبرها، فتلجأ إلى دراسة “كل الخيارات”، وهو تهديد مبطن، إنما يعبر عما يعتمل بدواخلها من شعور قوي بقدرتها على القسر والبتر، شعور لا يمكن أن يبقي قنوات الحوار سالكة معه، وهي لهذا تضطر للقسر والبتر كي تحسم الخلاف وتلحق الهزيمة المهينة بالطرف المعاكس لإرادتها. وبكلمات أخرى، يخترق هذه الإدارة خيال واهم مفاده عدم إمكانية “تعايش” الثقافتين والفكرين المتنافرين، الأميركي من جهة، والعربي الإسلامي من الجهة الأخرى. هذه هي فعلا نهاية الحضارة ونهاية الثقافة، حيث لا تسمح ثقافة قوية معينة بوجود ثقافة تختلف أو تنافس أو تفترق عنها في نقاط معينة، الأمر الذي يميط اللثام عن “دكتاتورية” الأفكار الجديدة التي تبشر بها واشنطن مع من ترسلهم من “رُسل” العالم الجديد إلى “العالم القديم”، على نحو واعٍ أو غير واعٍ. لهذا استوجب التنويه، إلى أهمية تخلي واشنطن عن “بناء الدولة” في دول العالم الأخرى، ذلك أنها، بفضل القوة والتفوق، ترنو إلى فرض ما تريد، لا تقبل بأي شيء آخر، من أواسط القرن الماضي حتى اليوم.
إنه لمن غرائب الأمور أن يمرر تعبير “حرب الأفكار” دون ملاحظة القسرية الأميركية من قبل هؤلاء المسؤولين الكبار الذين يعملون بمثابرة على منح أنفسهم صورة “الصداقة” و”الاحترام” للأميركان. لذا تتبلور خطورة توظيف لفظة “حرب” في هذا السياق وفي وقت شديد الحساسية في أنها (اللفظة) يمكن أن تدق أجراس الخطر والاستفزاز في دواخل كل فرد عبر العالم، بغض النظر عن طبيعة إدراكه وفهمه لطبيعة الصراعات القائمة الآن للإسلام.

إلى الأعلى