الأربعاء 26 سبتمبر 2018 م - ١٦ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: الجمعة الحزينة

باختصار: الجمعة الحزينة

زهير ماجد

في يوم الجمعة العظيمة أو الحزينة (البارحة) لدى الإخوة المسيحيين محاولة دائمة للخروج عن البكائيات وكأن ما جرى للسيد المسيح انتصار على الدم .. ومن يحققه يبدو في عرس.
ومع ذلك دعونا نبكي على أجيال ستولد من رحلة الدم، سواء بقرار ذاتي أو مجبرين عليه. الدم كثير، إنه طوفان حتى ليبدو من عادة الصراع أن لا ينتبه أحد إلى كميته، لكنه يظل حماية من السقوط أو التسليم بالأمر الواقع حيث هددنا في كل لحظة بأن نصلب بيد كفار جدد لا يعلمون من الإسلام إلا اسمه، وما تبقى حقد وضغينة ولؤم وإثارة غرائز.
تأتي الجمعة تلك مرة كل عام، يتردد فيها ذلك الغناء الموحي بالألم ولو على شكل ترنيمات فرح .. لكننا منذ زمن بعيد، سواء خلال سنوات الجحيم العربي الذي نعيشه أو ما قبله، فنحن أسرى “جمعات” حزن تتوالى، ووصلت إلى حد الاختناق منذ ثماني سنوات، حين عقد المتأمركون والأميركيون والإسرائيليون على قتل سوريا وقبلها العراق، وعلى سحق تاريخ ليبيا وعلى تخويف مصر ولبنان، وعلى إخراج الحب الإلهي من قيمنا السماوية عبر كذبات مصطنعة على هيئة مسلحين لهم أشكال مستوحاة من برابرة التاريخ الذين قرأنا عنهم الكثير وعرفنا كما أسالوا دمنا وخيرونا دائما بين السيف والسيف.
البارحة إذن أعاد الإخوة المسيحيون سيرة الحزن السنوية لا لكي يتذكروا كيف جرى لنبيهم، وأيضا لنبي المسلمين، من عذاب. إنها ضريبة النطق بشجاعة الموقف حين يعتدي عليك وعلى أجيالك من جاؤوا من تواريخ تكرر قتلك بكل طرق الاستباحة .. وهؤلاء سمح لهم من أمدهم بقرار القتل، عمليات إعدام مواطن ووطن وأمة.
الآن يقول الرئيس الأميركي ترامب إنه سينسحب من سوريا .. قرار مفاجئ لرئيس يختال العكس في عقله. فهل فعلا يترك تجربة؟ أم تراه يعلم بماذا سوف يصيبه بقاؤه على أرض ليس بالهين فهمه لما دفعته كي تتحرر شبرا شبرا وقيل في أحسن الأحوال سنتمترا فسنتمترا، وتلك هي لغة العظمة في التكوين الوطني والقومي؟
كل حياتنا جمعات حزينة، وإلا ما هي غيرها ضمانة للأرض والعرض .. حزننا معتق مهما شكا من دموع سخية لا تتوقف عن إبداء معناها في قاموس الحياة. نحن نبكي لكي نضحك في نهاية المطاف، يموت جيل كي تحيا أجيال، نقاتل من أجل أن لا يقتل فينا روح التضحية وأن لا نتحول ضحية كما جرى في بعض أزماننا، يوم جاء الصليبيون طمعا في حزائن شرقنا تحت كذبة عنوانها الصليب والصليب والمسيحية منهم براء ..
لهذا نقدس الحزن في يومياته لأنه ليس بخيلا في إنعاش ذاكرتنا نحو أزمان لنا فيها صولات انتصار، نعيد تشكيله اليوم في سوريا وفي العراق وعلى تخوم فلسطين من أجلها، ونكتب بقرار جريء مدى ارتباط حبلنا السري بروح حروب مقدسة تكررت في الماضي وتتكرر ولسوف تتكرر، لأن من يقف في الواجهة وفي الصف الأمامي تصيبه دائما الطعنات الأولى.
تذكرت كل هذا وأنا أستمع إلى ترنيمات الجمعة الحزينة البارحة في ما يشبه انعكاس المفهوم على الحالة التي نعيش. فما أشبه البارحة بما قبلها وبما قبل قبلها، وبما قد يأتي بعدها لنقول الكلام ذاته، ولنردد التأوهات إياها على لسان أجيال أخرى .. نحن أمة مكتوب لها ألا تتخلى عن لبس السواد بفرح وليس بغم.

إلى الأعلى