الإثنين 24 سبتمبر 2018 م - ١٤ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / “حكاية ساعة” للقاصّة والروائيّة الأميركيّة كيتي شوبن (1850-1904)

“حكاية ساعة” للقاصّة والروائيّة الأميركيّة كيتي شوبن (1850-1904)

ترجمة ـ د.خالد البلوشي
لمّا كانت مسِز مالارد مبتليةً بداء في القلب اتُّخِذ من العناية والرّفق ما كان لازمًا لإبلاغها بوفاة زوجها.
كانت أختها جوزيفين هي من أوصل لهوا الخبر، بكلام لم تكتمل أركانه، وبتلميحات قدرها من الإخفاء قدرها من الإيحاء؛ كان ريتشارد، زوج صديقتها، قريبًا منها عند تلقّيها الخبر، وقد كان في وكالة الأنباء حينما وصل خبر كارثة السّكّة الحديديّة مع اسم برِنتْلي على قائمة من “مات”، وفور تحقّقه من الخبر ببرقية ثانية عجّل بإيصاله لئلّا يبدره إليها صديق دونه حذرًا وإحساسًا.
لم تكن ردّة فعلها عند تلقّي الخبر ردّة فعل جلّ النساء، فهؤلاء يأتيهنّ من الجمود ما يعجزن به عن فهم فحوى ما يقال لهنّ، كلّ ما بدر منها أنّها بكت بكاءًا مفاجئًا جامحًا، وترامت بين ذراعي أختها؛ وما إن انقضت عاصفة الحزن حتّى ذهبت بنفسها وحيدةً إلى غرفتها، دون أن تدع أحدًا يرافقها.
كان ثمّة في الغرفة كرسيّ مريح فسيح ذو ذراعين أمام النافذة المفتوحة؛ في هذا الكرسيّ غرقت، كانت مثقلة بعَنَت جسديّ بدا أنّه سيأتي على روحها.
تهيّأ لها أن ترى في الميدان الفسيح الذي أمام بيتها أعالي أشجار كانت تنبض بحياة ربيعيّة جديدة، وتلتذّ بعذوبة المطَر المعطِّر للهواء، وتناهى إلى سمعها من الشّارع نداء بائع متجوّل يعرض ما لديه من السّلع، ونغمات أغنية كان يدندنها أحدهم من بعيد، وزقزقة عصافير لا حصر لها من على أطراف السّقف.
كانت ثمّة رقع من السّماء الزّرقاء تتراءى هنا وهناك عبر غيوم تلاقت في الغرب أمام النافذة، وتراكم بعضها على بعض.
جلست ساكنةً هادئة مسندةً رأسها على وسادة الكرسيّ، فأتاها نشيج على حين غرّة، فبكت بأنفاس يسارع بعضها بعضًا، فاهتزّت، كطفل يبكي ويبكي حتّى ينام، ولكنّ البكاء يلازمه في حلمه.
كانت شابّة، وكان وجهها نضرًا رزينًا يوحي بشيء من الكبت وبقدر من العزيمة، على أنّ فتورًا بان الآن على عينيها الناظرتين بثبات إلى هناك، إلى واحدة من تلك الرقع الزرقاء، لم تكن نظرة تأمّل، وإنّما كانت أقرب إلى إرجاء مؤقت للتّفكير السّليم.
كان ثمّة شيء ما يدنو منها، شيء تترقّبه، بذعر وفزع شديدين؛ ماذا كان ذلك الشيء؟ لم تعرفه؛ كان خيطًا أرفعَ من أن يُرَى، وأخفى من أن يُجْلى؛ ولكنّها أحسّت به يتسرّب من السّماء خفية، يصلها عبر الألوان والأصوات والرّوائح التي فاح بها الهواء.
هاج الآن صدرها نزولًا وصعودًا، بدأت تدرك الشّيء الذي يتقدّم إليها ليمتلكها، فجاهدت لدحره– ولكنّها عجزت عجز يديها البيضاوين الضّئيلتين.
فاستكانت له، فهمست شفتاها المفتوحتان قليلًا بكلمة، كلمة ردّدتها مرّة بعد مرّة بصوت لم يكد يُسمَع: “حرّة، حرّة، حرّة!”
راحت عن عينيها تلك النّظرة الفاترة وما أعقبها من ذعر في وجهها، فتوقّدتا حدّةً وحماسة، وتسارعت نبضات قلبها، وأدفأ دمها المتدفّق كلّ عرق في جسدها، وأراحه.
لم تسأل إن لم تكن هذه التي غمرتها فرحةً هائلةً آثمة، فهي كان بها من نصوع البصيرة وجيشانها ما جعل فكرةً كهذه تافهة.
كانت تعرف أنّها ستبكي مرّة ثانية لحظة رؤيتها تينك اليدين اللطيفتين الودودتين مطويتين في الكفن، وذلك الوجه الذي لم ينظر إليها إلّا بعين المحبّة ثابتًا رماديًّا ميتًا؛ على أنّها في الحين نفسه رأت وراء تلك اللحظة المرّة موكبًا من أعوام تكون مالكها والمتصرّف فيها، لا يشاركها فيها أحد، رأت هذه الأعوام، فبسطت يديها ومدّتهما إليها.
لن يكون فيها من تعيش له، وإنّما ستعيش لأجلها، لن تكون هناك قوّة تثنيها وتلويها كيفما تشاء، لن يكون هناك من يصرّ إصرارًا أعمًى أنّ له الحقّ في فرض رأيه عليها، كما يفعل الرجال والنساء في بعضهم؛ فحقّ كهذا لا يرى في لحظة إلهام قصيرة كهذه أقلّ من جريمة، خيّرًا كان القصد وراءه أم شرّيرًا.
على أنّها أحبّته– في بعض الأحيان، لا في جلّها؛ وهل يهمّ ذلك؟ فأيّ قيمة للحبّ، ذلك اللغز الذي لم يفكّ بعدُ، إذا ما قورن بتوكيد الذّات توكيدًا أدركته فجأة أقوى عماد لكيانها.
“حرّة جسدًا، حرّة روحًا”، ظلّت تهمس.
كانت جوزفين تنحني أمام الباب وشفتاهها عند ثقبه، “لويس، افتحي الباب! أترجّاك أن تفتحي الباب – ستُمرِضين نفسكِ، ماذا تفعلين لويس؟ بحقّ السّماء، افتحي الباب!”
“إليكِ عنّي! أنا لا أُمرِض نفسي؛” كلّا، كانت تحتسي الإكسير عبر النّافذة المفتوحة.
كان خيالها يجمح بها جموحًا إلى قادم أيّامها، أيّام بنكهة الرّبيع، أيّام بنكهة الصّيف، أيّام بنكهات شتّى، كلّها ستكون لها وحدها، أخذت نفسًا كان أقرب إلى أن يكون ابتهالًا أن تكون الحياة أطول، وقد كانت في أمسها ترتجف خوفًا من احتمال أن تكون الحياة طويلة.
قامت أخيرًا، وفتحت الباب بعد أن ألحّت أختها، وأكثرت من الإلحاح؛ كانت عيناها مسعورتين جائشتين، مشت نحو أختها كإلهة النّصر الإغريقيّة دون أن تدري، ووضعت ذراعيها على خصرها، ونزلتا معًا.
كان هناك من يفتح الباب الأماميّ، كان هذا برينتلي مالارد، دخل وفي وجهه شيء من عناء السّفر، يحمل بكلّ هدوء وثبات مظلّته وحقيبته؛ كان بعيدًا كلّ البعد عن موقع الحادث، بل لم يكن يعلم أنّه إن كان هناك حادث أصلًا؛ وقف مذهولًا من صراخ جوزيفين الحادّ ومن وحركة ريتشارد السّريعة لحجبه عن أنظار زوجته.
ولكنّ ريتشارد كان قد تأخّر كثيرًا.
وحينما أتى الأطبّاء قالوا إنّها ماتت بمرض في القلب– بفرح قاتل.

إلى الأعلى